العالم الموسوعي محمد عمارة.. فارس الفكر الإسلامي

السبت - 19 مارس 2022

قال عنه الدكتور يوسف القرضاوى " د. عمارة هو الباحث المَنهجي الموضوعي، الذي يخدم العلم، ويحترم المنهج. وقد حمل عقلية الفيلسوف، وقلب الصوفي، وانضباط الفقيه، وحماس الداعية، ورقَّة الأديب، وعزيمة المقاتل".

وقال عنه العالم والمفكر الإسلامي الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله: "داعية الإسلام، وحارس تعاليمه".

وقال عنه الشيخ حسن الشافعى، رئيس مجمع اللغة العربية، "الدكتور محمد عمارة ليس محتاجا إلى تسليط الأضواء عليه، بل ربما هو يعاني منها، إذ يشغل مساحة واسعة من الثقافة العربية المعاصرة بما يُقدِّمه من كتب ومقالات مهمة، وأعتقد أن سؤال عمارة الأساسي كان عن النهضة، وهي تُمثِّل النقطة المحورية التي دارت حولها سائر أعماله الفكرية، وهو ليس فقط باحثا عنها وإنما مشارك فيها".

وقال عنه عبد الحليم عويس، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، "د. عمارة عالم موسوعي في عصر ندر فيه الموسوعيون، يُذكِّرنا بسيرة العلماء والمفكرين الأجلاء من أمثال محب الدين الخطيب ومحمد فريد وجدي، وهو دقيق جدا في استخدام المصطلحات وتحليلها، يمزج في كتاباته بين القومية والوطنية والإسلامية".

المولد والنشأة

ولد الدكتور محمد عمارة مصطفى عمارة يوم 27 رجب 1350هـ الموافق 8 ديسمبر/كانون الأول 1931م في قرية صروة بمركز قلين (محافظة كفر الشيخ) في مصر؛ لأسرة فلاحية يعمل أبوه في الزراعة. بدأ حفظ القرآن في كتاب القرية وهو في السادسة من عمره فأكمله وجوّده.

الدراسة والتكوين

حصل على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة 1965م.

حصل على الماجستير في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية - كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1970م.

درس الدكتوراه في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية - كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1975.

حصل على العديد من الجوائز والأوسمة والشهادات التقديرية والدروع، منها "جائزة جمعية أصدقاء الكتاب، بلبنان سنة 1972م"، وجائزة الدولة التشجيعية بمصر سنة 1976، ووسام التيار الفكري الإسلامي القائد المؤسس سنة 1998م.

من الماركسية إلى الفكر الإسلامي

انضم الدكتور عمارة -وهو شاب- إلى حزب "مصر الفتاة" الذي نشأ في ثلاثينيات القرن العشرين وعرف بتوجه عروبي ثوري في الدفاع عن العرب ومحاربة الاستعمار والإقطاع، ثم تحول اسمه في 1949 إلى "الحزب الاشتراكي" الذي كانت فلسفته تقوم على أن "الاشتراكية أساسها الدين" وأن العبادة أكثر ما تتجلى في خدمة الشعب.

وبعد حركة "الضباط الأحرار" التي أطاحت بالمَلكية في مصر يوم 23 يوليو/تموز ١٩٥٢ ألغيت الأحزاب السياسية في ١٩٥٣ فـالتحق عمارة بالاتجاه اليساري الذي ناضل فيه نحو عقد من الزمن، وكان من تبعات ارتباط "عمارة" باليسار، أن تم فصله من الجامعة لمدة عام بعد تزعمه مؤتمرا وطنيا قوميا، وتم اعتقاله نحو 6 أعوام تعرض خلالها للتعذيب والإهانة والحرمان، الأمر الذي أدى لتأخر تخرجه من الجامعة لسنوات، وخلال فترة سجنه ألّف 4 كتب عن العروبة، وقضايا الأمة، وإسرائيل، وقام بنشرها بعد خروجه من المعتقل.

كما أنه راجع أفكاره داخل محبسه، وأدرك أن الحل للقضية الاجتماعية –التي بسببها انضم لليسار- في الإسلام، وليس الصراع الطبقي الذي تتحدث عنه تلك التيارات اليسارية.

ومنذ السبعينيات بدأ الطرح الإسلامي يطغى على مواقف وفكر عمارة حتى صار يُحسب على "الإسلاميين المستقلين"، وقد مكنه استقلاله هذا من توجيه انتقادات عديدة للحركة الإسلامية كما أن المسافة التي تفصله عن الإخوان المسلمين وتقاطعه الفكري معهم في الوقت نفسه كل ذلك جعله يحظى بثقتهم.

وفي ذلك يقول هو: "وأنا أعتبر الإخوان أكبر حركة من حركات الإسلاميين وفي ظل التشرذم في الحركة السياسية وفي الأحزاب ليس لدينا رصيد في الشارع إلا الإخوان، ومع ذلك أنا كتبت نقد للحركات الإسلامية بشكل عام ومنهم الإخوان، ورغم ذلك أعتبر أن الإخوان رصيد كبير يجب ألا نفرط فيه".

موقفه الواضح والشجاع من الإنقلاب على الرئيس محمد مرسي

قال: «كنت أحسب أن موقفى لا يحتاج إلى إعلان، إن ما حدث فى 30 يونيو 2013 هو انقلاب عسكرى على التحول الديمقراطى الذى فتحت أبوابه ثورة 25 يناير 2011»

 

 

رجل المواقف الصعبة والقضايا الشائكة

تصدي عمارة طول حياته لأكثر القضايا الشائكة فى الفكر الإسلامى، ودافع عن الإسلام فى الحرب العالمية الشرسة المعلنة على الإسلام، فقدم لكتاب أصول الحكم للشيخ على عبد الرازق مقدمة موضوعية منهجية، شرح فيها الملابسات التى دفعت الشيخ عبد الرازق لكتابة هذا الكتاب، وكان الكتاب قد لاقي انتقادات حادة، وأخرج الشيخ على إثره من زمرة العلماء ومنع من القضاء.

وقدم عمارة لكتاب نقد الفكر الدينى لمرتضي مطهرى، أحد أبرز مفكرى الشيعة، ويعد الدكتور عمارة من أكثر العلماء السنة إدراكا لخطر الشيعة وفهمًا لأفكارهم لسعة إطلاعه على كتبهم، وكثرة زياراته لطهران ورجال الفكر الشيعى. كما قدم الدكتور عمارة مجموعة من المحاضرات تحت عنوان مواجهة التيارات الفكرية الوافدة الى المجتمع، برعاية ندوات الأزهر، بين خلالها خطر الفكر الشيعى، وتناقضات المذهب والرواية الشيعية.

كما كان الدكتور عمارة بالمرصاد لأكاذيب الكنيسة المصرية، وكانت ذروة التصعيد بين عمارة والكنيسة المصرية حين أصدر كتابه "تقرير علمي" في عام 2009، والذي كلّفه به مجمع البحوث الإسلامية للرد على منشور تنصيري وُزِّع في القاهرة باسم مستعار [د. سمير مرقص]. وكان يُفنِّد عمارة هذا المنشور التنصيري في كتابه، والذي ضمّنه أدلة على تحريف الإنجيل والتوراة، وبيان أن المسيحية ليست مذاهب متقاربة ذات عقيدة واحدة، مثل مذاهب الفقه الإسلامي، بل مذاهب متباينة، وكذلك نقد فيه عمارة عقيدة الخطيئة الأصلية والمعجزات عند النصارى.

تولى رئاسة تحرير مجلة الأزهر (2011-2015) لمدة أربع سنوات، وكان توزيعها في 2011 حوالي 20 ألف، وبعد أربع سنوات وصل توزيعها إلى 70 ألف نسخة، كما قام بتحويلها من مجرد مجلة إلى مؤسسة نشر قامت بطباعة ونشر 50 كتابًا علميًا، وبالتالي أحيا العقل المستنير للدكتور عمارة المجلة التى كادت أن تموت.

أبرز مؤلفاته

التفسير الماركسي للإسلام.

المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية.

معالم المنهج الإسلامي.

الإسلام والمستقبل.

نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام.

معارك العرب ضد الغزاة.

الغارة الجديدة على الإسلام.

جمال الدين الأفغاني بين حقائق التاريخ وأكاذيب لويس عوض.

الشيخ الغزالي: الموقع الفكري والمعارك الفكرية.

الوعي بالتاريخ وصناعة التاريخ.

التراث والمستقبل.

الإسلام والتعددية.

الإبداع الفكري والخصوصية الحضارية.

الدكتور عبد الرازق السنهوري باشا: إسلامية الدولة والمدنية والقانون.

الإسلام والسياسة: الرد على شبهات العلمانيين.

الجامعة الإسلامية والفكرة القومية.

قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية.

عمر بن عبد العزيز.

جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام.

محمد عبده: تجديد الدنيا بتجديد الدين.

أبو الأعلى المودودي.

الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، (تحقيق)

الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، (تحقيق)

الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده، (تحقيق)

الأعمال الكاملة لعبد الرحمن الكواكبي، (تحقيق)

الأعمال الكاملة لقاسم أمين، (تحقيق)

الأعمال الكاملة لعلي مبارك، (تحقيق)

رسائل العدل والتوحيد، (تحقيق)

كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، (تحقيق)

معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام.

القدس الشريف رمز الصراع وبوابة الانتصار.

هذا إسلامنا: خلاصات الأفكار.

الصحوة الإسلامية في عيون غربية.

الغرب والإسلام.

أبو حيان التوحيدي.

ابن رشد بين الغرب والإسلام.

الانتماء الثقافي.

التعددية: الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية.

صراع القيم بين الغرب والإسلام.

الدكتور يوسف القرضاوي: المدرسة الفكرية والمشروع الفكري.

عندما دخلت مصر في دين الله.

الحركات الإسلامية: رؤية نقدية.

المنهج العقلي في دراسات العربية.

النموذج الثقافي.

تجديد الدنيا بتجديد الدين.

الثوابت والمتغيرات في فكر اليقظة الإسلامية الحديثة.

نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم.

التقدم والإصلاح بالتنوير الغربي أم بالتجديد الإسلامي.

الحملة الفرنسية في الميزان.

الحضارات العالمية: تدافع أم صراع.

إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين.

القدس بين اليهودية والإسلام.

الأقليات الدينية والقومية: تنوع ووحدة أم تفتيت واختراق.

السنة النبوية والمعرفة الإنسانية.

خطر العولمة على الهوية الثقافية.

مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية.

حياته الاجتماعية

تزوج الدكتور محمد عمارة ورزق بنهاد وخالد، والدكتور خالد محمد عمارة هو أستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس.

وكان د. عماره، يرحمه الله، يقدس دور الأب فرفض السفر للعمل فى الخارج فى السبعينات والثمانينات على غير العادة فى هذا الزمان، إيمانا منه بدور الأب وأهمية تربية الأبناء، ولهذا سن اجتماع الأسرة حيث يجتمع مع زوجته وأبناءه وحتي بعد ذلك مع أحفاده، يتحدث إليهم ويسمع منهم.

ويحكى د خالد عن إجتماع الأسرة "في هذا الاجتماع كنا نتناقش في أي شيء وكل شيء، ماذا حدث اليوم في المدرسة؟ أخبار الأسرة، الحياة اليومية، مشاكل صغيرة أو كبيرة، خبر مكتوب في الصحف، كتاب أو مقالة لفتت نظر الوالد ويحب أن يحكي لنا عنها، وأحيانا كنا نرجئ النقاش في موضوع أو مشكلة أو مسألة إلى وقت اجتماع الأسرة".

يقول الدكتور خالد عمارة: "لكي نفهم شخصية الدكتور محمد عمارة الإنسان -رحمه الله- يجب أن نعرف أنها شخصية لها جوانب متعددة مترابطة مع بعضها: شخصية الفلاح، والمثقف العالمي، والأزهري الشيخ، والمفكر الإسلامي والمصري العربي المسلم، الإنسان الذي يحب الجميع ويسعى للحق والعدل ويحلم بتغيير العالم ونهضة الأمة الإسلامية بالكلمة والفكر، الإنسان الذي ينظر إلى كل ما حوله من خلال ثلاثة أفكار أساسية يرى العالم من خلالها ويبحث عنها في كل تصرفاته: العدل والحرية والاستقلال. يسأل دائمًا كيف ولماذا؟ ويبحث عن الإجابات في أمهات الكتب ومصادرها. الإجابات التي تجمع بين صحيح السند والنقل، بين العقل والمنطق والإقناع، إجابات يستطيع بها أن يواجه العالم كله بالحجة القوية ولا يكتفي فقط بكلمة قال فلان وكتب فلان.

رحل محمد عمارة في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2020، رحل العالم الموسوعي ، رحل بعدما بلغ منزلة من العلم والعمل والثقافة والكتابة والشجاعة والثبات فى المواقف الصعبة أعجزت من بعده، يوم رحيله نعاه العالم الإسلامي كله من المحيط إلى المحيط، وحُق له ذلك.

رحمه الله رحمة واسعة.