المسلمون فى إقـليم كـوسوفا

الثلاثاء - 31 آغسطس 2021

الموقع والمساحة والسكان:

تقع جمهورية كوسوفو في جنوب شرق أوروبا أو منطقة البلقان ، وهي معروفة باسم جمهورية كوسوفو أو كوسوفا ، وقد أطلق عليها السلاطين العثمانيون اسم “قوصوة” ، وهي دولة تم الاعتراف بها جزئيًا ، وتحدها من الجنوب الشرقي جمهورية مقدونيا ، بينما تحدها صربيا من الشمال الشرقي ؛ ومن جهة الشمال الغربي يحدها الجبل الأسود ؛ وألبانيا من جهة الجنوب.

المساحة:

تبلغ مساحة كوسوفو حوالي 10.900 كيلومتر مربع، ويزيد سكان الإقليم على 3 ملايين نسمة، أغلبهم من الألبان المسلمين "2.400.000 نسمة" أي يشكلون 80% من سكانه، وتتكون الأقلية الباقية من السكان من الصرب والأتراك والغجر، وعاصمة الإقليم بريشتينا.

وأرض كوسوفو جبلية في جملتها، يتوسطها سهل كوسوفو الخصيب، وتجري به أنهار من أهمها نهر بللى دوريم، ويصب في بحر الأدرياتيك، ونهر أبيار أحد روافد نهر مورافا، ومناخ الإقليم متطرف بارد في الشتاء، حار في الصيف، والوضع يختلف على المناطق الجبلية.

السكان:

يبلغ عدد سكان جمهورية كوسوفو مليونين وثلاثمائة نسمة ، وعاصمتها الأولى كانت مدينة بريزرن Prizren ثم تم تغييرها لتكون العاصمة هي مدينة بريشتينا Pristina ، وقد كانت هذه الجمهورية منطقة ذاتية الحكم تابعة لصربيا حتى عام 2008م ، حيث أعلن البرلمان الكوسوفي استقلال بلاده ، وفي الوقت الحالي تعترف 108 دولة باستقلالها ، ويبلغ عدد المسلمين بها 95% من السكان

الموارد الطبيعية: الأراضي الزراعية، بعض المعادن كالحديد والزنك، والنيكل، الرصاص.

ويتصف الاقتصاد في كوسوفو بانخفاض كبير في الإنتاج المحلي مما جعل الحكومة تعتمد في إيرادتها على فرض الرسوم الجمركية والضرائب وهذا ناتج عن عدم الاستغلال السليم لكل من مواردها الطبيعية والبشرية كما ينبغي، و تعتبر العملة الرسمية لدولة كوسوفو (اليورو) الأوروبي.

تاريخ دخول الإسلام إلى كوسوفا:

دخل الإسلام إلى البلاد البلقانية قبل الفتح العثماني، وذلك عن طريق التجار والدبلوماسيين والدعاة، إلا أن ذلك كان على نطاق ضيق ومحدود، أما الانتشار الفعلي للإسلام في تلك البلاد فقد كان بعد مجيء العثمانيين؛ حيث دخلت شعوب منطقة البلقان في الإسلام أفواجًا، وحَسُن إسلامها وكان منهم في الدولة العثمانية القادة العظام مثل " بالابان باشا " الذي كان من قادة فتح القسطنطينية، وكبار الكتاب والشعراء الذين كانوا يؤلفون بلغات خمس: الألبانية والبوسنية والعربية والتركية والفارسية مثل " محمد عاكف أرسوي"  رحمهم الله جميعا.

وقد تمكن الحكم العثماني في جزيرة البلقان بصورة نهائية بعد معركة كوسوفا أو قوصوة الشهيرة التي قاد فيها السلطان العثماني مراد الأول المسلمين بنفسه، وقبيل انتصار الجيش الإسلامي استشهد السلطان مراد، ثم تسلم القيادة من بعده السلطان بايزيد الذي انتصر على الجيوش المتحالفة الأوربية وقتل الملك لازار الصربي وذلك سنة 1389م/ 791 هـ؛ فبعد هذه المعركة الحاسمة خضعت كوسوفو وصربيا للحكم العثماني ما عدا مدينة بلغراد، فإنها فتحت في عهد السلطان سليمان القانوني وذلك سنة 1521م/ 927 هـ.

أصل الكوسوفيين:

يعتبر أصل الكوسوفيين الألبان من القبائل الإيليرية ذات الجنس الآري، وسموا بأكثر من اسم منها: الألبان، والأرناؤوط، واتفق المؤرخون على أنهم أول من نزل شبه جزيرة البلقان - فى عصر ما قبل التاريخ - على شواطئ البحر الأدرياتيكى الشمالية والشرقية قبل قدوم اليونان، وكان ذلك منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ثم انتشرت القبائل الإيليرية فى أنحاء البلقان.

الصراع الصربي الإسلامي :

وتعود جذور الصراع بين الصرب والمسلمين في كوسوفو منذ هزيمة الصرب على أيدي المسلمين في الفتح الإسلامي عام 1389م، ومنذ ذلك اليوم عمل الصرب على إنهاء الوجود الإسلامي في البلقان، وقادوا تحالفا مع بلغاريا والجبل الأسود واليونان لطرد الدولة العثمانية من البلقان، للانفراد بالمسلمين هناك.

واشتدت المؤامرات على الدولة العثمانية من الخارج، وتمكنت صربيا من قيادة التمرد ضد الدولة في الداخل - في منطقة البلقان - واستطاعت أن تستقل أخيرا عن الدولة العثمانية.

وفي مؤتمر عقدته الدول الغربية المنتصرة في لندن عام 1912م، تم توزيع أجزاء من أراضي بلاد الألبان على المنتصرين. وبعد أن كانت مساحة ألبانيا حوالي 70 ألف كيلومتر مربع، فإنها بعد اقتسام الغنيمة تقلصت إلى حوالي 29 ألف كيلومتر مربع فقط.

كوسوفا فى ظل السيطرة الصربية:

كانت كوسوفو من نصيب المملكة الصربية آنذاك، ومن يومها بدأت المذابح الجماعية للمسلمين في البلقان عموماً، وفي البوسنة وكوسوفو خصوصاً وتقول إحدى الإحصائيات بأن عدد قتلى المسلمين في كوسوفو وحدها قريب من ربع مليون نسمة، هذا غير المهاجرين من ديارهم فراراً بدينهم وهم عشرات الألوف.

كوسوفا فى ظل الشيوعية:

خلال الحرب العالمية الثانية ظل قادة ما يسمى بحركة التحرير الشعبية لـيوغسلافيا وهي حركة قومية ماركسية يتوددون إلى الشعب الألباني المسلم في كوسوفو لإقناعهم بأن من حقهم الاستقلال عن المملكة الصربية، وأنهم في حال تسلمهم مقاليد الحكم في البلاد سيعيدون هذا الحق المغتصب للمسلمين في كوسوفو.

وبعد أن اعتلى الماركسيون الشيوعيون الحكم في البلاد قاموا بحملة إبادة واسعة للشعوب الإسلامية المنكوبة التي سيطروا عليها، وأرسلوا وحدات من الجيش لاحتلال كوسوفو الأمر الذي فوجئ به الألبان، وظلوا يقاومون الجيش طيلة ثلاثة أشهر ديسمبر 1944- فبراير 1945م - وقد سقط في هذه المعارك قرابة 50 ألف شهيد من الشعب الألباني المسلم.

في عام 1945م قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تقسيم الأراضي الألبانية المحتلة بين ثلاث جمهوريات هي صربيا، ومقدونيا، والجبل الأسود؛ ومن ثم فقد ألحق إقليم كوسوفو بصربيا، وسلمت بعض الأراضي الألبانية ومن عليها من سكان ألبان إلى جمهوريتي مقدونيا والجبل الأسود، الأمر الذي شتت العديد من أفراد الأسرة الواحدة بين هذه الدول.

وقد نص الدستور اليوغسلافي الذي صدر سنة 1946م، على تبعية كوسوفو لـصربيا كإقليم يتمتع بحكم ذاتي، وظل يتقلص تدريجيا إلى أن ألغي بالكامل في دستور سنة 1963م.

وبصدور دستور سنة 1974م تم تثبيت الحكم الذاتي وتوسيع نطاقه؛ إذ أصبحت كوسوفو بموجبه وحدة فيدرالية واحدة، متساوية مع بقية الوحدات الفيدرالية الأخرى في البلاد، وهو ما انطبق على البوسنة أيضاً، الأمر الذي رفضه المسلمون فقاموا سنة 1981م بثورة شعبية على مستوى كوسوفو كلها، يطالبون فيها باستقلال كوسوفو عن صربيا، ومنحها حكمًا ذاتيًّا كجمهورية في إطار يوغسلافيا الفيدرالية؛ مما جعل السلطات الصربية تأمر القيادات العسكرية بقمع انتفاضة الشعب المسلم، حيث نزل الجيش المدجج بأفتك أنواع الدبابات، والأسلحة الحديثة فراحت تحصد المسلمين هنا وهناك.

ومع كل هذا القمع الشديد استمر المسلمون في المطالبة بحقوقهم إلى بداية انهيار الشيوعية، التي آذنت بتفكك الاتحاد اليوغسلافي، وراحت كل جمهورية من جمهورياته تأخذ طريقها نحو الاستقلال التام عن يوغسلافيا الفيدرالية، فتوقع المسلمون أن أفول الظلام الماركسي، وظهور نظام جديد في أوروبا الشرقية سوف يسمح بالحريات لشعوب المنطقة، ويعطيها الحق في تقرير مصيرها.

وقد امتد هذا حتى شمل جمهوريات يوغسلافيا، فأعلنت البوسنة استقلالها بعد سلوفينينا وكرواتيا وهنا قامت قيامة أعداء الله، فأعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين، وصرحوا على الملأ بأنهم لن يسمحوا بقيام دولة إسلامية في أوروبا ثم حدث بعد ذلك ما حدث من الجرائم الوحشية والمذابح الجماعية التي ارتكبت في حق هذا الشعب المسلم، والتي شهدها العالم بأسره، ولم يحرك لها ساكناً !! .

كوسوفا تعلن الاستقلال عن صربيا:

أجرى المسلمون الألبان في كوسوفو استفتاء عاماً فيما بينهم بعد تفكك الاتحاد اليوغسلافي، وذلك في سبتمبر 1991م، أسفر عن انحياز الأغلبية المطلقة للاستقلال، وتطور الأمر إلى انتخاب مجلس نيابي، وتشكيل حكومة، وتنصيب رئيس لجمهوريتهم المستقلة هو الدكتور إبراهيم روغوفا، ولكن الحكومة الصربية تجاهلت كل هذه الإجراءات، واعتبرتها كأن لم تكن، بل بدأت بمرحلة جديدة من الاعتقالات والتعذيب، والاضطهاد فاقت سابقتها، وفي هذا الصدد ارتكب الصرب جرائم كبيرة ضد هذا الشعب المسلم، ولا يزالون يواصلون جرائمهم واعتداءاتهم على إخواننا المسلمين، في ظل صمت مطبق من العالم الإسلامي!!

وظل الصرب يمارسون إجراءاتهم القمعية ضد المسلمين في كوسوفو طوال الفترة الماضية، ولم يكن أمام الشعب المسلم خيار إلا المقاومة والانتفاضة أمام التجاوزات والتضييق، وسياسة الإفقار والتجهيل الممارسة ضده من طرف الصرب المهيمنين على مقاليد البلاد.

الاستئصال الديني:

اشتد ضغط الصرب على مسلمي كوسوفو لإجبارهم على الهجرة، وشجعوا هجرة الصرب وسكان الجبل الأسود على استيطان كوسوفو، وزرعوا هذه العناصر في أهم مناطق الإقليم، الصناعية، والزراعية، وفصل الصرب 100 ألف عامل من المسلمين، وجلبوا فرق القتل والتنكيل للاستئصال الديني، والمستتر خلف العنصرية العرقية، فمشكلة كوسوفو ثمرة حقد دفين ضد المسلمين، والطمع في ثروات الإقليم، ويعود الحقد على المسلمين الألبان إلى أكثر من ستة قرون مضت، إلى معركة كوسوفو سنة 792هـ - 1389م عندما هزم الأتراك أسطورة "لازار" ملك الصرب، ومنذ متى كان النصر في الحروب ذنبًا يورث؟! وحتى لو كان هذا في شريعة الصرب، فما ذنب الألبان؟ وهم العنصر الذي استوطن كوسوفو قبل مجيء الصرب والأتراك بعدة قرون.

أحوال المسلمين في كوسوفا:

بلرغم من أن  المسلمين يشكلون في كوسوفا ( ألبان ) ثاني العناصر المسلمة في يوغسلافيا " السابقة " بعد البشناق سكان البوسنة والهرسك، وكان التعليم في الإقليم باللغة الألبانية قبل إلغاء الصرب نظام الحكم الذاتي للإقليم، فأصبح التعليم باللغة الصربية، التي لا يجيدها السكان، سمح الصرب للمسلمين بالتعليم حتى المرحلة الثانوية، وفرضوا شروطا قاسية على التعليم الجامعي حتى أصبح قاصرا على أبناء الصرب، وبالإقليم عناصر أخرى مسلمة.

ويشغل الصرب المناصب الهامة في كوسوفو، فيتمتعون بالوظائف القيادية، في كل مجالات الحياة، ويسكنون أرقى الأحياء في مدن كوسوفو، بينما يشتغل المسلمون بالوظائف الشاقة في المناجم، والخدمات، وتتدنى دخولهم حتى درجة " الكفاف " ويعيشون بعيدا عن أحياء الصرب الراقية في بيوت متواضعة أقرب إلى الأكواخ، "هذا التناقض الغريب" !! علما بأن الألبان استوطنوا الإقليم قبل مجيء الصرب إلى البلقان، ولكنهم يعيشون في متاهات التخلف في أرضهم الغنية بالثروات المعدنية، فالإقليم ينتج 45 % من الزنك والرصاص من إنتاج يوغسلافيا " السابقة " وإلى جانب هذا فالإقليم غني بأراضيه الزراعية، التي تنتج القمح والشعير، والذرة، والكروم، والحمضيات، كما أنه غني بثروته الرعوية والغابية، ويتوافر به العديد من مصادر الرزق.

ويهيمن الصرب على الصناعة ففيه صناعة استخلاص المعادن وصناعات الأسمدة، والكبريت، وقطع غيار السيارات، والمنسوجات والصناعات الخشبية، ورغم كثرة موارد الرزق يعيش المسلمون في أدنى درجات التخلف، فحرمهم الصرب من أرزاق إقليمهم.

الاسلام في كوسوفو اليوم:

يقول الرّقيب في الجيش الأمريكيّ متمركز في شرق كوسوفو، زاكاري غور: إنّ كوسوفو هي مثل العلامة التّجاريّة للإسلام الأكثر ليبراليّة في العالم، لأنّه بالكادِ يُرى نساء يرتدين الملابس الإسلاميّة المحافظة، ولا يوجد تميّي بين الرّجال والنّساء في كوسوفو، والكحول موجودة بحرّيّة في المطاعم والمقاهي والحانات، وباستثناء مآذن المساجد، لا يوجد أيُّ دليل واضح على أنّ كوسوفو دولة ذات أغلبيّة مسلمة على الإطلاق.

ويقول الأستاذ في قسم الدّراسات الإسلاميّة بجامعة بريشتينا في عاصمة كوسوفو، شابير حميتي: النّاس في كوسوفو مسلمون، ولكنّهم يفكّرون مثل الأوروبيّين.

يقول ضابط شرطة أمريكيّ: المسلمون في كوسوفو يعرّفون أنفسهم على أنّ إسلامهم خفيف.

نظام الحكم في كوسوفو:

… منذ السابع عشر من فبراير لعام 2008 ميلاديا أصبحت كوسوفو جمهورية ديمقراطية برلمانية ولها رئيس منتخب، كما تتميز بتعدد الأحزاب الذين دائما ما يتفقون على قرار واحد لصالح البلاد، أما بالنسبة للسلطة التنفيذية فيرئسها كل من رئيس الوزراء ونائبة مع الوزراء، أما الهيئة القضائية فهي مستقلة وتتكون من (المحكمة العليا، والمحاكم الجزئية ، والمحكمة الدستورية ، ومؤسسة النيابة العامة)، كما يوجد الحكومات المحلية وبعض من المؤسسات المستقلة التي يحددها كل من الدستور والقانون،أما بالنسبة للشرطة المدنية فقد تم إنشائها لأول مرة في عام 1999 ميلاديا.