رشاد البيومي.. العالم المجاهد مربي الأجيال

الخميس - 23 ديسمبر 2021

عالم جليل من أعلام مصر، وأحد البارزين في علم الجيولوجيا، وممن لهم بصمة كبيرة في الحياة العلمية المصرية.

شهد له القاصي والداني بدماثة الخلق وعزة النفس والتفاني في خدمة الوطن، وكانت له رحلة كفاح فريدة تخللتها موجات من العسف بحقه بالاعتقال والتغييب في السجون، ورغم ذلك استكمل مشواره العلمي بصبر ودأب حتى نال أعلى الدرجات وأخذ موقعه اللائق به، أستاذا في كلية العلوم بجامعة القاهرة.

لم تلن لهذا العالم الشيخ الجليل قناة، رغم بلوغه الثالثة والثمانين من عمره،  حيث  يقبع (ديسمبر 2018م) في سجون انقلاب العسكر في مصر صابرا محتسبا فداء لدينه ودعوته.

إنه ابن صعيد مصر وفخر مصر كلها، الدكتور رشاد محمد علي البيومي، الذي ولد في قرية الحديدات الغربية محافظة سوهاج، يوم الاثنين 7 ربيع الثاني 1354 هـ، الموافق 8 يوليو 1935م.

رحلة كفاح علمي وعملي

التحق د. رشاد البيومي بمراحل التعليم حتى نزح من بلدته إلى القاهرة ليلتحق بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة القاهرة عام 1951م، وتوقف عن الدراسة بعد اعتقاله عام 1954م ثم عاد للكلية مرة أخرى في الخامس من يناير عام 1972م، بعد أن أُفرج عنه، وسجل بالفرقة الثانية، وتخرج ثم عين معيدًا بالكلية نفسها عام 1974م.

أنهى رسالة الماجستير عام 1977م، وحصل على الدكتوراه عام 1980م، تحت إشراف مشترك بين جامعة القاهرة وجامعة لندن إنتاريو بكندا.

بعد أن أنهى رسالة الدكتوراه سافر لدولة الإمارات حيث قضى بها خمس سنوات، أشرف فيها على ثلاث رسائل دكتوراه ورسالة ماجستير، ونشر 12 بحثًا عن جيولوجية الإمارات, ثم كان أن طلب وزير داخلية مصر الأسبق "زكي بدر" إنهاء إعارته بعد أن رُقي أستاذًا مساعدًا في عام 1986م.

عاد د. البيومي إلى جامعة القاهرة، وأشرف على 16 رسالة دكتوراه و14 رسالة ماجستير، ورُقِّي إلى درجة أستاذ عام 1992م, ثم أستاذًا متفرغًا في عام 1995م، ثم أستاذًا غير متفرغ منذ عام 2005م.

نشاط متميز في العمل العام

تزوج الدكتور رشاد البيومي من أخت الأستاذ حسن عبدالمنعم الذي كان يرافقه في المعتقل، وكان لوالدة الأخير (حماة د. البيومي) دور كبير في الحركة الدعوية منذ الإمام البنا رحمه الله، ورزق د. رشاد بابن وحيد هو عمر.

وكان من نشاطاته العامة وعمله المجتمعي، أن فاز بعضوية الجمعية الجيولوجية المصرية، وانتخب وكيلا أول لنقابة العلميين عام 1991م، كما أنه عضو الجمعية الجيولوجية الأمريكية، وشارك في العديد من المؤتمرات العلمية الدولية.

مع الإخوان منذ عام 1948

عرف د. البيومي الإخوان المسلمين فترة حرب فلسطين 1948م، حيث كانت محافظة سوهاج من المحافظات التي زارها الإمام البنا ونشر فيها منهج الإخوان وربى فيها كوادر دعوية، وأثناء استعداد إخوان المحافظة للمشاركة في حرب فلسطين تعرف رشاد البيومي إليهم، والتحق بإحدى شعبهم.

يقول الأستاذ صلاح الدين حسن: في سوهاج وفي عام 1948 شهد الفتى رشاد البيومي الذي كان يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما مشهدا لم تره عينه من قبل.. حشود تتجه نحو شعبة لجماعة الإخوان المسلمين صائحين مكبرين مهللين يرتلون أهازيج الجهاد والعداء للصهاينة، ثم يسجلون أسماءهم للذهاب للجهاد في فلسطين.

كان من بين هؤلاء معلم البيومي الذي كان يحبه حبا شديدا، وكان اسمه محمد العدوي، أحد كبار الإخوان في الدقهلية فيما بعد والذي ألقت به الأقدار حينها إلى سوهاج، وقد روى العدوي للفتى، رشاد،  ما أحدثه الصهاينة في فلسطين من مذابح، وما يهدفون إليه من الاستيلاء على الأقصى وتدميره وبناء الهيكل مكانه.

يومها زرع في وجدانه حب الإخوان، وانتابت الفتى حالة من الغضب لما يحدث في فلسطين، ولكنه لم يتمكن من الذهاب مع طلائع المتطوعين الذين رفضوا انضمامه لصغر سنه.

ولم تمض أيام إلا ومدرس التربية الرياضية صلاح البنا يعلن سفره للمشاركة في حرب فلسطين، فحملوه على الأكتاف مودعين إلى محطة القطار، وهناك دوَّى الهتاف (الله أكبر ولله الحمد) فزاد ذلك من تمسك "البيومي" بجماعة الإخوان المسلمين.

وبعد انتهاء حرب 1948، انتقل رشاد بيومي إلى القاهرة عام 1951م ليكمل دراسته فتعرف على الإخوان بجامعة القاهرة حيث كانت الأحداث ساخنة، بعد أن أعلن مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء في 8 أكتوبر من عام 1951م إلغاء معاهدة 1936م التي كانت موقعة مع الإنجليز، و كانت تكبل مصر بالأغلال.

ومع اندلاع ثورة 1952م تولى رشاد البيومي مسئولية طلبة الإخوان في كلية العلوم حتى أوائل عام 1954م، حين اعتقل وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات فظل خلف القضبان حتى عام 1972م، وبعد خروجه حصل الماجستير والدكتوراه، ثم  سافر الى ألمانيا ليكون بجانب الأستاذ مصطفى مشهور، ثم تحول إلى الإمارات، وعاد إلى القاهرة عام 1989م فتولى مسئولية قسم الطلبة، حتى اختير عضوا بمكتب الإرشاد عام 1995م، وظل عضوا بمكتب الإرشاد حتى انتخاب الدكتور محمد بديع مرشدا عاما لجماعة الإخوان المسلمين فاختار الدكتور رشاد البيومي والدكتور محمود عزت والأستاذ جمعة أمين عبدالعزيز والمهندس خيرت الشاطر نوابا للمرشد العام، وذلك يوم الأربعاء 12 من صفر 1431هـ الموافق 27 يناير 2010م.

في سجون النظام منذ 1954

حين وقعت حادثة المنشية في 26 أكتوبر 1954م، تم القبض على رشاد البيومي وألقى به وراء أسوار السجن الحربي، وأمضى 10 سنوات بالسجن الى أن أُفرج عنه عام 1972م.

خلال تلك السنوات عُذب تعذيبا قال عنه: "لا يتحمله بشر"، لكنه رغم صغر سنه لم يتراجع ولم يخضع للضغوط التي طالبته بأن يكتب ولو كلمة تؤيد عبد الناصر، واقتدى في ذلك بمن كان مغرما بهم، وهم (كمال السنانيري، وأحمد شريت، ومصطفي مشهور).

ومن السجن الحربي تم ترحيله إلى ليمان طرة، وقبل مذبحة طرة رُحِّل مع إخوانه أصحاب الأحكام بسنوات طويلة إلى سجن الواحات وقضى به فترة ثم سجن أسيوط حيث قضى به فترة، وأخيرا سجن المحاريق.

وأثناء تلك الفترة خرج البيومي عام 1965 من السجن لمدة 24 يوما فقط ثم عاد إليه مرة أخرى، وهناك تعرف على حسن عبدالمنعم، الذى تزوج من أخته بعد خروجه عام 1972م.

وكانت له رحلة أخرى مع السجون في عام 1996م، حيث قبض عليه نظام حسني مبارك على ذمة القضية العسكرية المعروفة بقضية حزب الوسط ضمن 15 من قيادات الجماعة، أبرزهم المرشد العام السابق محمد مهدي عاكف، و د. عبدالحميد الغزالى، وأبوالعلا ماضى، ومحمود العرينى عميد كلية الزراعة جامعة الأزهر، وحُكم عليه بالبراءة بعد أن قضى أربعة أشهر ونصف داخل المعتقل، ثم اعتُقل عام 2002م, وقضى شهرين ونصف الشهر فى نفس السجن والعنبر، ثم اعتُقل مرة أخرى عام 2006م لمدة 5 أشهر ونصف الشهر. وإجمالا قضى البيومي فى السجون نحو 18 عاما قبل اعتقاله الأخير عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013م.

الاعتقال الأخير في 2013م

وفي الرابع من يوليو 2013، ألقت قوات أمن الانقلاب العسكري القبض على د. رشاد بيومي، نائب المرشد العام، بعد يوم واحد فقط من إعلان بيان الانقلاب، ثم خضع لمحاكمة جائرة بتهم ملفقة منها: قتل المتظاهرين بمكتب الإرشاد والتحريض على مجزرة بين السرايات!!

أما قضية "أحداث مكتب الإرشاد"، التي قام فيها بلطجية موجهين من قبل العسكر والدولة العميق، بقتل 9 من الإخوان وإصابة 91 آخرين،  فقد تم تداولها منذ 30 سبتمبر 2013 عندما تركت نيابة جنوب الجيزة الفاعلين الأصليين وأحالت قيادات من جماعة الإخوان بينهم د. رشاد البيومي والمرشد العام د. محمد بديع، وم .خيرت الشاطر، ود. سعد الكتاتني، ود. محمد البلتاجي، ود. عصام العريان، الى محكمة الجنايات، ومرت القضية بعدد كبير من المحطات حتى صدور أول حكم في مايو 2016 ضد المرشد العام وإخوانه، بالإعدام للبعض وبالسجن المؤبد والمشدد لآخرين.

 وكان د. البيومي ممن حكم عليهم  بالمؤبد في هذه القضية مع د. محمد بديع،  حيث جاء في لائحة اتهام نيابة الانقلاب لهما وإخوانهما أنهم "أمدوا الموجودين بمقر مكتب الإرشاد بالمقطم بالأسلحة النارية والذخائر والمواد الحارقة والمفرقعات والمعدات"!

وبعد نقض تلك الأحكام وإعادة المحاكمة في القضية، تم تداولها عدة مرات، أمام نفس الدائرة (مايسمى بـ "الدائرة 11 إرهاب بمحكمة جنايات القاهرة برئاسة محمد شيرين فهمى") ، الى أن تقرر حجزها للنطق بالحكم في  5 ديسمبر 2018م. وجاء الحكم هذه المرة بالمؤبد.

ثم جاء حكم محكمة النقض المصرية الصادر يوم الخميس 9 يوليو 2020 بتأييد السجن المؤبد لكل من مرشد جماعة الإخوان المسلمين محمد بديع، ونائبيه خيرت الشاطر ورشاد البيومي، والأعضاء في الجماعة محمود أبوزيد ومصطفى عبد العظيم وعبد الرحيم محمد، في القضية المعروفة إعلاميا بـ"أحداث مكتب الإرشاد"، ليعكس العديد من المفارقات التي تعكس طريقة إدارة النظام الحاكم في مصر، بواسطة القضاء، لما تبقى من قضايا لقيادات الإخوان، وإرادة التنكيل التي تعدت حدود ما كان يتصور بعضهم أنه عقاب أو تصفية حسابات أو ضغوط لزيادة كلفة استمرار الخصومة والمقاومة ورفع سقف شروط تجاوز عقبات الماضي الدموي. ليصبح الهدف الوحيد للتنكيل هو التصفية بلا حسيب ولا رقيب، إلى جانب العبث بالأحداث التاريخية بدس روايات سلطوية محضة تفتقر للمنطق، وتصديرها للمستقبل.

وفي هزلية "مجزرة بين السرايات" التي وقعت في 2 يوليو 2013م قبل يوم من إعلان الانقلاب، استجوبت نيابة جنوب الجيزة الدكتور رشاد بيومى، داخل غرفة مأمور سجن طره في 5 يوليو 2013م، ووجهت له تهما ملفقة بقتل المتظاهرين والشروع فى القتل، وأنكر علاقته بالواقعة، وقال إنه رجل طاعن فى السن، ولم يظهر فى المشهد منذ فترة، ولم يشارك فى الفعاليات أو يدعو لتجمع المتظاهرين سواء فى رابعة العدوية أو ميدان النهضة فى الجيزة.

وفي مطلع مارس/آذار 2021، وجهت مؤسسة "عدالة لحقوق الإنسان" ومركز "الشهاب لحقوق الإنسان" (مصريتان) نداء عاجلا إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، باتخاذ كافة الإجراءات القانونية لإلزام حكومة نظام عبد الفتاح السيسي باحترام الحق في الحياة للسجناء ووقف كافة الانتهاكات الجسيمة داخل السجون، خاصة الحرمان من الرعاية الصحية والطبية اللائقة للسجناء السياسيين.

وطالبت المنظمتان، على وجه التحديد، بتحقيق عادل وشفاف حول حالة الدكتور محمد رشاد البيومي، وما يتعرض له من إهمال طبي مُتعمَّد، قامت على إثره السلطات المصرية بتحويله إلى أحد المستشفيات الحكومية، نتيجة تفاقم حالته.

وعلى مدار نحو 8 سنوات تعرض خلالها أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة القاهرة للتنكيل، وتدهورت حالته الصحية داخل سجن العقرب شديد الحراسة وسيء السمعة، في ظل مخاوف من أن يلقى البيومي نفس مصير قادة ورموز جماعة الإخوان المسلمين، الذين لقوا حتفهم داخل السجن وعلى رأسهم الرئيس الراحل محمد مرسي، والأستاذ محمد مهدي عاكف مرشد الجماعة السابق.

وما زال د. البيومي  رهن الاعتقال في ظروف غير إنسانية، صابرا محتسبا رغم تقدم سنه،  ليضرب مثالا حيا ودرسا للأجيال الجديدة والسائرين على طريق الدعوة في الصبر والاحتساب مع اليقين بوعد الله.