شروط النهضة..والأزمة الحضارية للمسلمين

الخميس - 9 يونيو 2022

 قراءة في كتاب مالك بن نبي "شروط النهضة"

إعداد: أسامة  أحمد

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه ومن والاه .   و بعد

يعتبر المفكر الجزائري العربي المسلم مالك بن نبي ( 1905 – 1973 ) رحمه الله من أبرز أعلام العرب المتخصصين في مجال الفكر الإسلامي في القرن الماضي ، بل هو أحد رواد النهضة الفكرية في العالم الإسلامي . له جهود متميزة في بناء الفكر الإسلامي و تحليل و تفكيك المشكلات والأزمات الحضارية للعالم الإسلامي ، و تحديد عناصر الإصلاح و أدواته .

و عندما يتناول مالك الأزمة الحضارية للعالم الإسلامي لا يتجاهل البعد الإنساني ، بل يبرزه و يعرضه ليس لوجود مساحات تاريخية كبيرة مشتركة ، بل لأن التراث الإنساني مليء بالخبرات و التجارب التي لا يجوز إهمالها .

من أبرز و أهم ما كتب مالك بن نبي رحمه الله كتاب "شروط النهضة". يعرض فيه بإيجاز شديد صدى صرخات المصلحَيْن : الأفغاني و محمد عبده. هذه الصرخات التي أيقظت البعض فأحس بالألم فبدأ يبحث عن الدواء في صيدلية الحضارة الغربية فلم يجد سوى بعض المسكنات ! والتي تكمن في بعض منتجات الحضارة الغربية. لكن مالك وجد دواءً متاحاً للبشرية كلها و هو ما حدده في عناصر ثلاثة: الإنسان و التراب والوقت، لكن المشكلة تكمن في كيفية استغلال هذه العناصر . فيبدأ يحلل كلاً منها. و بالطبع كان عنصر "الإنسان" هو أهمها فأفسح له قريباً من ثلث الكتاب .

في الحقيقة أجاد مالك في عرض الأزمة الحضارية التي يعيشها المسلم بدءاً من ثقافته التي تناول معناها في التاريخ و معناها في التربية و التي حدد عناصرها و أسهب في تفصيلها ، ثم تحدث عن مشكلة المرأة بين دعاة تحريرها و دعاة تكبيلها ، و بيَّن دورها المميز في صناعة النهضة . تناول أيضاً عنصر "التراب" بمعناه الذي يسع كل العناصر المادية الموجودة على ظهر الأرض من خامات و أدوات و مواد طبيعية . ثم دعا إلى أمرين : الحفاظ على هذا التراب ، و حسن الاستفادة منه ، و ذكر أمثلة تبين كيف أن الحفاظ عليه و الاستفادة منه غَيَّر الواقع الحضاري بدرجة كبيرة . ثم تناول مالك "الوقت" و بيّن أن التربية هي الوسيلة الوحيدة لتعليم شعوبنا قيمته ، و قدم مثالاً لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية و كيف استغلت عنصر الوقت لاستعادة مكانها الحضاري سريعاً من نقطة الصفر .

و يختم مالك كتابه القَيّم بأن الاستعمار الذي يفرض على الإنسان المستعمَر خططاً لإذلاله و القضاء على طموحه ، هذا الاستعمار ما كان ليفعل ذلك إلا لوجود قابلية و استعداد لدى المستعمَر لذلك و يقدم لذلك الأمثلة . لكن يبقى أن الاستعمار ليس شراً كله ، بل إنه كان – حسب تعبير مالك – السوط الذي أيقظ العالم الإسلامي من نومه !

كتاب شروط النهضة – كشأن كتابات مالك بن نبي – تتميز بالعمق الشديد ، و يبدو أن المؤلف يتصور أن من يقرأ له لديه عمق في الثقافة و إلمام جيد بالتاريخ ، كما أن من قام بترجمة معظم كتبه ، الدكتور عبد الصبور شاهين رحمه الله ، له أسلوبه الأدبي الرصين و ذوقه البلاغي الذي فرض نفسه على الترجمة و الذي ربما أبعدتنا عنهما – للأسف الشديد – ثقافتنا المعاصرة . لذا كان لا بد من عرض هذا الكتاب القيم بشكل مبسط و مختصر لتوضيح أفكار الراحل المبدع مالك بن نبي رحمه الله راجياً من الله تعالى التوفيق أن تصل مثل هذه الأفكار إلى كل من يهتم بهم الأمة الأكبر و هو كيف تستعيد حضارتنا الإسلامية مكانها .

ملاحظة : لتوضيح بعض المعاني قمت بعمل هوامش موسومة أسفل بعض الصفحات بعلامة * أو ** وهكذا .

الحاضر و التاريخ

في القرن التاسع عشر كان الشرق الإسلامي كله تقريباً تحت نير الاستعمار ، و كان الهم الأكبر للشعوب و في مقدمتهم العلماء و المصلحون هو مكافحته و العمل على التخلص منه ، فشغلتهم المظاهرات و عقد المؤتمرات و تدبيج الخطب تنديداً بالمستعمر . و نتيجة لذلك لم يلتفتوا إلى المشاكل الاجتماعية التي مهدت لهذا الاستعمار ، فأهملوا الأمراض الاجتماعية من جهل و غياب وعي و فقر و أمراض بدنية و أخلاقية .

أيقظ جمال الدين الأفغاني القوة الروحية في الشعوب الإسلامية الخاملة فآتت أكلها في الضمير الإسلامي و جعلت الشعوب تنبذ أوضاعها الكريهة ، و كان في شعب الجزائر المحتل من فرنسا منذ عام 1830 صدىً لصيحات الأفغاني ، فظهرت الفكرة الإصلاحية 1925عام و التي حركت المشكلة الجزائرية و أيقظت أفكار الشباب التي انطلقت و تشابكت بين من يميل للتحديث متبعاً أفكار كمال أتاتورك - وقتها - و من يميل لفكر محمد بن عبد الوهاب ، لكن الجميع كان متفقاً على الحركة و التجديد و الفرار من ( الخرافات و الدروشة ) إلى مواطن أكثر طهراً و فائدة . كان الشعب مصغياً ، و بدأ التغيير و ظهرت آثاره ، حتى – كما عبر مالك – "أُشْرِب الشعب في قلبه نزعة التغيير ، فانتشر الوعي بدلاً من الدروشة ، و تحول رواد الخمارات إلى رواد للمساجد و دور العلم ، مع أن البدايات لم تكن أكثر من كلمات من الفصحى و بعض آيات من القرآن" .

اهتم المجتمع الجزائري وقتها بهذا التغيير حتى أن الناس كانوا يتسامرون حول شؤونهم الاجتماعية كالتعليم و التربية و الأخلاق و العادات و مستقبل المرأة و استخدام رؤوس الأموال ، كما بدأ الأدب الجزائري يسير في الركب فكانت هناك قصائد تُغَنَّي ربيع النهضة . كان حديث الإصلاح مسموعاً في كل مكان بين مؤيد و منتقد لكن تمتع الجميع بلسان عف و سريرة نقية ، و بدأت المعجزة – حسب تعبير مالك – تشق  طريقها . إلا أن حدث ما أوقف هذا التغيير .

في عام 1936 التقى العلماء من رموز حركة الإصلاح مع السياسيين في المؤتمر الجزائري . كانت الجزائر لا تزال وقتها تحت الحكم الفرنسي ، و في المؤتمر أنبهر الإصلاحيون بأداء السياسيين ، و شعروا إزاءهم بالنقص فمالؤوهم و سايروهم* ، فزاد اهتمامهم السياسي و قَلّ أداؤهم الإصلاحي حتى هبطوا في أوحال السياسة و هبطت معهم الفكرة الإصلاحية رغم نيتهم الطاهرة و قصدهم البريء ، فأصبحوا لا يتكلمون إلا عن الحقوق السياسية و تقرير المصير و نسوا واجباتهم نحو مجتمعهم من تعليم و تربية و وعي و أخلاق .

المستقبل

كانت حال العالم الإسلامي كمريض استسلم طويلاً لمرضه حتى فقد شعوره بالألم ، و قبل القرن العشرين جاء من يُذَكّره بمرضه فبدأ يشعر بالألم ، فبدأ يبحث عن الدواء ( هذه اللحظة الحضارية يمكن أن نسميها النهضة ) . اصطدم المصلحون بذلك الوضع الراهن ( المرض ) فوصف كل منهم الدواء تبعاً لآرائه :
وجد جمال الدين الأفغاني أن مشكلة العالم الإسلامي سياسية ، بينما وجد تلميذه محمد عبده أنها دينية . كلا التشخيصين – كما يرى مالك – لا يتناول حقيقة المرض ، بل يتحدث عن أعراضه .. كمريض يعاني من السل فلا يهتم بعلاجه ، بل يهتم بعلاج الحمّى الناتجة عن السل . المريض ، و هو العالم الإسلامي ، كان يحتاج إلى علاج من أمراض الاستعمار و الأمية و الكساح العقلي و غير ذلك ، لكن المشكلة أن المريض لم يكن يعرف حقيقة مرضه ، بل جرى نحو الصيدلية .. صيدلية الحضارة الغربية .

دخل الصيدلية و لديه كل أعراض المرض . تعاطى حبوباً ضد الجهل ، فبنى مدارس حديثة . تناول أقراصاً ضد الاستعمار فبدأ يطالب بالاستقلال و عقد المؤتمرات . و تناول عقاراً ضد الفقر فبدأ بناء المصانع . لكن كونه تنبه إلى مرضه و دخل الصيدلية يبحث عن دواء فهذه بادرة حضارة و لا يسعنا إلا أن نوافق على هذا ، و لعله سيجد دواءً يتعاطاه فيبرأ .لكن حين نبحث حالته عن كثب فلن نجد شفاءً ، أي أننا لن نجد حضارة لأن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها ، و ليس العكس . و إن الحضارات التي تبيع لنا منتجاتها و آلاتها لا يمكن أن تبيع لنا روح حضارتها و أفكارها و ثرواتها الذاتية و أذواقها* . إن تراكم المنتجات الحضارية و تكدسها المتزايد يمكن أن يحقق على طول الزمن ما يسمى "حالة حضارة" . و هناك فارق بين حالة الحضارة عندنا و بين تجربة مخططة مثل روسيا ( ثورتها الصناعية ) و الصين حيث حدث هناك انتقال حضاري سريع .

هذا الانتقال الحضاري السريع للمجتمعات يمكن أن يتم بهذه المعادلة : ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت    و لنضرب مثالاً لهذه المعادلة : المصباح الكهربي كناتج حضاري يلزمه إنسان يفكر و يبدع ، و تراب ( عناصر و مواد من أسلاك و موصلات و عوازل ) ، و وقت الذي تتم خلاله عملية التصنيع . و تصدق هذه النتيجة مع أي منتج حضاري . و لكن إذا كانت هذه الحضارة نتاجاً لهذه العناصر الثلاثة فلماذا لا يتكون هذا الناتج تلقائياً ؟ و الإجابة نمهد لها بهذا السؤال : الماء نتاج للهيدروجين و الأكسجين ، فلماذا لا يتكون منهما تلقائياً ؟ و الجواب : يجب أن يتدخل مُرَكِّب ما ، لا تتم عملية تكون الماء بدونه . هذا المُرَكِّب - في الحضارة - هو الفكرة الدينية التي رافقت الحضارة دائماً خلال التاريخ .

الدورة الخالدة

يجب أن نحدد مكاننا في دورة التاريخ ، و ندرك أوضاعنا و ما نحن عليه من أسباب القوة و الضعف لنعرف عوامل النهضة و السقوط في حياتنا . و يجب أن نعلم أيضاً أن الأزمات و الكوارث التاريخية التي تُبعد الأمة عن طريقها ليست بالأمر الشاذ ، بل هي أمر طبيعي ، فواقعة صفين التي حدثت عام 38 من الهجرة مثَّلَت أزمة تاريخية حيث أخرجت العالم الإسلامي من جو المدينة حيث الهدى النبوى و سير الراشدين إلى جو دمشق حيث مظاهر الترف و فتور الإيمان ، و مع ذلك  فلم تكن حدثاً شاذاً ، بل أمر طبيعي في دورة الحضارة ( سنتبين ذلك لاحقاً ) . هذا التباين في الزمان و المكان يلزمه تباين في التعامل مع المشكلات الاجتماعية و الأزمات الحضارية : فما كان يصلح في المدينة لم يعد يصلح في دمشق*.

نحن كشعوب إسلامية حديثة اليقظة يجب أن نعرف : هل نحن نملك أسباب تقدمنا ؟ نجد الإجابة في القرآن الكريم في قوله تعالى : "إن الله لا يغير ما بقو حتى يغيروا ما بأنفسهم" سورة الرعد أية 11 . هذا المبدأ لا يجب أن نقرره فقط حسب إيماننا به بل يجب أن نقرره أيضاً في ضوء التاريخ لنعرف كيف تم تفعيل النص القرآني تاريخياً ، و هنا نبحث في أمرين : أولاً .. هل هذا المبدأ القرآني مؤثر فعلاً في التاريخ ؟ ثانيا .. هل يمكن أن تطبق الشعوب الإسلامية هذا المبدأ ؟

الأمر الأول : لابد للقادة أو من يقود عملية التغيير أن يدرك طبائع الأشياء و سنن الله الكونية و الاجتماعية ، و أن الزاد في المسير إلى الحضارة يجب أن يكون هو المبدأ الديني مصحوباً بالعناصر الثلاثة ، و هي الإنسان و التراب و الوقت ، و مازجاً لها .و بتحليل دورين كاملين من أدوار الحضارة المسيحية و الإسلامية نجد أن كلا الحضارتين تنطلقان من الفكرة الدينية المؤثرة في الفرد و الموجهة له نحو أهدافه السامية . في الجزيرة العربية عاش شعب بدوي بسيط ، و بتعبير الأستاذ مالك : "كانت العوامل الحضارية لديه ( الإنسان و التراب و الوقت ) راكدة ليس لها دور تاريخي ، لكن عندما نزل الوحي و انتشر ( دون عوائق فكرية و حضارية كبيرة ) و أحدث التغيير ، وثَبَتْ القبائل على مسرح التاريخ ، و انتشر الإسلام في قوميات كثيرة ظلت تحمل للعالم حضارة تقوده إلى التمدن و الرقي . هذه الحضارة لم تكن من صنع السياسيين و العلماء ، بل ناس بسطاء إلا أن أنظارهم توجهت إلى ما وراء أفق الأرض . تجلت لهم آيات في أنفسهم دفعتهم بروحها إلى القمة الخلقية الرفيعة ، و انتشرت منها حياة فكرية متجددة نقلت من علوم الأولين ، و أدخلت علوماً جديدة حتى إذا بلغت درجة معينة انحدرت القيم الفكرية و الروحية فأخلدت إلى الأرض شيئاً فشيئاً" . إذن هي فكرة دينية تنطلق قوية ثم يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض عليها فيسيطر العقل مدة ثم تغلب الغرائز شيئاً فشيئاً لتعود بالإنسان إلى الأرض .

و يقرر مالك أن المدنيات الإنسانية حلقات متصلة تتشابه أطوارها مع أطوار المدنية الإسلامية و المسيحية . أما عن المسيحية فهي قد سبقت الإسلام كنبوة و دعوة بستة قرون إلا أن الإسلام سبق المسيحية كحضارة بعدة قرون . و يعود السبب إلى أن الجزيرة العربية كانت بيئة عذراء خالية من الفلسفات و الأفكار على عكس أوروبا ( اليونان و الرومان ) بما لديهم من فلسفات و أفكار . و لم تحتضن أوروبا المسيحية كحضارة إلا بعد وصول القبائل الجرمانية* الخالية من أي فلسفات و أفكار . و قد يتبادر إلى الذهن سؤال :

ماذا عن الحضارة الشيوعية التي لم تنبثق من عالم الروح ؟

يعتبر مالك أن الشيوعية من الناحية التاريخية أزمة في الحضارة المسيحية و ليست منفصلة عنها .

الأمر الآخر و هو الإجابة عن السؤال الثاني :
هل تستطيع الشعوب الإسلامية أن تطبق هذا المبدأ و هو التغيير الحضاري ؟

يذكر مالك أن الدين مؤثر صالح في كل زمان و مكان و يمكن أن يتجدد و يستمر ما لم يخالف الناس شروطه و قوانينه و هذا ما تشير إليه الآية الكريمة "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"  سورة النور آية 63

العدة الدائمة

نلاحظ دائماً ما يُذَكِّرُ مالك دائماً أن رأس مال أي حضارة ليس إلا الرجل البسيط الذي يتحرك ، و التراب الذي يمده بما يحتاجه حتى يصل إلى هدفه ، و الوقت اللازم لوصوله . و حتى الدول التي انهارت في الكوارث لم تستطع العودة حضارياً إلا بالعناصر الثلاث .

أثر الفكرة الدينية في الحضارة

و لتوضيح هذا الأثر يحسن عقد مقارنة مع مدارس فكرية أخرى : فالمدرسة الماركسية ترى أن الحضارة لا تكون إلا نتيجة ضرورات مادية ، و أن الحاجة و الإبداع التقني يمثلان القطبين لقوى الإنتاج . لكن هذه النظرية غير صحيحة تاريخياً لأن الحضارة الرومانية انهارت مع وجود نفس الحاجات و نفس وسائل الإنتاج . و في القرن العشرين ظهرت نظريات و مناهج أخرى للتفسير الحضاري مثل الألماني شبنجلر Spengler الذي يُفسر الحضارة باعتبارها ثمرة لعبقرية خاصة ، كما ظهرت نظرية التحدي و الاستجابة للبريطاني آرنولد توينبي ، حيث تلعب الجغرافيا دوراً أساسياً كتحدٍ حضاري* . أما الحضارة الإسلامية ففيها عاملان ضروريان :أولاً الفكرة الإسلامية و هي أصل عملية الدفع .
ثانياً الفرد المسلم و هو سند الفكرة المحسوس و حاميها .

و عند دراسة الحضارة الإسلامية يجب أن ندرس من حيث الأساس العلاقة العضوية التي تربط الفكرة بسندها ، أو الإسلام بالمسلم .

هذا الرسم يوضح علاقة المسلم بالفكرة الإسلامية التي يحملها و يصعد معها ، منطَلِقاً حضارياً من فطرته مع بدء الدعوة ، و يعلو مع تنزل الوحي و هدى النبوة ، و يسمو بهما على عقله و غريزته ، فمنعت بلالاً من أن يصرخ من الألم بل جعلته يقول : أحد أحد !*. و انصهر المجتمع داخل هذه الفكرة و تفاعل معها ، و نشأت مشكلات اجتماعية تعامل
معها الوحي . و هكذا سارت الحضارة الإسلامية متتبعة أثر النبوة في عهد الخلفاء الراشدين .

في موقعة صفين* سلكت الحضارة الإسلامية منعطفاً جديداً هو منعطف العقل ، حيث بدأت الروح تقل أمام العقل و الغرائز**. سارت الحضارة الإسلامية يقودها العقل بشكل كبير قبل أن تبدأ عملية الأفول عندما تفلتت الغرائز متغلبة على العقل*** ، و أصبحت الفكرة الدينية عاجزة عن القيام بمهمتها في مجتمع منحل قد دخل نهائياً في ليل التاريخ****. و هنا تصبح العلوم التي أثمرت عنها الحضارة مجرد علوم ينتفع بها أصحابها على حساب الجهل المستشري حضارياً .

 نلاحظ - من الرسم أعلاه – أننا أمام طرفين يعبران عن بداية الحضارة و نهايتها : الإنسان الفطري ( الطبيعي ) المهيأ تماماً لبداية حضارة ، و الإنسان المتفسخ حضارياً الذي لم يعد قابلاً لأي إنجاز حضاري إلا إذا تخلى هو نفسه عن جذوره ( المتفسخة ) و البدء من جديد .

يتضح من عرض الدورة الحضارية دور و أثر الفكرة الدينية ( الروح ) علواً و انخفاضاً في صعود و هبوط منحنى الأمة الحضاري . لكن دور الفكرة الدينية لا ينتهي عند هذا الحد ، فالمجتمع في سيره الحضاري لا يمكنه مجابهة الصعوبات و التحديات ما لم يكن على بصيرة من هدف وجوده و هو "الدار الآخرة"  . إن قوة هذا الهدف في المجتمع المسلم يمنح الحضارة الإسلامية قوةً و استقراراً .

الإنسان

يعاني الإنسان عموماً مشاكل متنوعة تبعاً لاختلاف بيئته و لتنوع مراحل التاريخ . و المشكلة في العالم الإسلامي هي مشكلة الإنسان أولاً . في بلاد مستعمرة كالجزائر* هناك صنفان من الناس : الأول هو ساكن المدينة ، إما متعطل أو بائع أو شرطي ، و قليل من له مهنة . و الثاني ساكن البادية إما مترحل أو فلّاح . الأول تتمثل فيه القِلّة في كل شيء ، فيرضى بأي شيء ، هو يحمل – بتعبير مالك - روح الهزيمة و دواعي الانحطاط ، و دائماً في منتصف الطريق : فليس نقطة انطلاق في التاريخ كرجل الفطرة ، و ليس نقطة انتهاء كرجل الحضارة . دخل في ميدان الإصلاح فمسخها نصف إصلاح ، و أسماها سياسة ، لأنه لم يكن مستعداً إلا لنصف جهد . هذا النموذج البشري نجده في كل مكان .

و لكي نفهم كيف يؤثر الإنسان في عمل التاريخ نجد أنه يؤثر في مجتمع القرن العشرين بثلاث مؤثرات :
1- بفكره                          2- بعمله                          3- بماله            وإذا كان الفكر تصنعه الثقافة ، فلكي يكون الإنسان مؤثراً في مجتمعه يجب توجيهه في جوانب ثلاثة : الثقافة و العمل و رأس المال .

فكرة التوجيه

التوجيه هو إدارة السواعد و العقول و حسن استخدامها تبعاً للظروف المناسبة للجميع . و عندما تتحرك العقول المفكرة و السواعد العاملة بالدوافع الدينية فإن الهدف يتحدد و الخطى تبدأ .

توجيه الثقافة

عندما نتحدث عن النهضة يلزمنا أن نتصور الثقافة من ناحيتين :
الثقافة التي تتصل بالماضي من تدهور و عادات و تقاليد و إطار خلقي و اجتماعي مليء بالسلبيات أو بتعبير مالك "عوامل قتّالة و رمم لا فائدة منها" فهذة يجب تصفيتها حتى يصفو الجو للعوامل الحية و الداعية إلى الحياة . هذه التصفية لا تأتي إلا بفكر جديد و هذا هو التصور الثاني للثقافة ، هذا التصور الذي يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع أصبح يبحث عن وضع جديد ، هو وضع النهضة .

قامت الحضارة الإسلامية نفسها بهاتين العمليتين مرة واحدة و صدرت فيهما عن القرآن الكريم الذي نفي الأفكار الجاهلية البالية ، ثم رسم طريق الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل بطريقة إيجابية ، و هو ما يلزم اليوم للنهضة الإسلامية . هذا المعنى يلزمنا أن نحدد محتوى الثقافة بعناصر جوهرية و هي :
1- الدستور الأخلاقي                       2- الدستور الجمالي                3- المنطق العملي                         4- الصناعة (بتعبير ابن خلدون)*

الثقافة هي نظرية في السلوك أكثر منها نظرية في المعرفة ، فلو أن فردين مختلفين في الوظيفة و الظروف الاجتماعية ( مدير و عامل ) لكنهما ينتميان لمجتمع واحد ( مجتمع بدوي ) فسيصدر عنهما تماثل معين إزاء مشكلات الحياة . لكن إذا كان الفردين متّحِدَيْن في العمل و الوظيفة ( مديرين ) لكنهما ينتميان إلى مجتمعين مختلفين ( بدوي و حضري) فسيصدر عنهما استجابات مختلفة إزاء مشكلات الحياة .                             

فالتماثل و الاختلاف لا ينتجان عن علم بل عن ثقافة . فالثقافة هي مجموعة من الصفات الخلقية و القيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته في المحيط الذي تتشكل فيه طباعه و شخصيته .

        و تحتاج ثقافتنا إلى تنقية من مظاهر منحرفة كثيرة عبّر مالك عنها بمظاهر الانحطاط . و من إفرازات الفهم المنحرف للثقافة من لا يرى فيها إلا المظهر التافه : فهي عنده طريقة ليصبح شخصية اجتماعية بارزة أو لمجرد أن يحصل على علم يرتزق منه . كما أفرز ذلك الفهم لنا الفرد المتعالم و المتعاقل . لذا فمن واجبنا أن تعود الثقافة عندنا إلى مستواها الحقيقيّ ، كما أنه يجب أن تتشكل تبعاً لغاية المجتمع ، حتى تسري فيه قِيَمُها ، بما في ذلك العالِم و الفقيه و الفنان و غيرهم . فكما يحمل الدم الكريات الحمراء و البيضاء ليغذي الجسم ، فالثقافة هي السائل الذي يحمل أفكار و قيم و عادات المجتمع ليغذي الحضارة .

        يتكون البرنامج التربوي للثقافة من أربعة عناصر :
1- الأخلاق        2- الجمال         3- المنطق العلمي    4- الصناعة

الأخلاق

تعتبر قوة تماسك المجتمع من أهم الشروط الحضارية ، و لا يمكن أن يتماسك المجتمع إلا بمنظومة أخلاقية قوية تحكمه ، و ما كان تماسك مجتمع المدينة المنورة إلا بهدي الوحي الذي أفرز أروع منظومة أخلاقية بشرية "و ألف بين قلوبهم ، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ، و لكن الله ألف بينهم" سورة الأنفال 63 ، كما أن روح الإسلام بنظامه الأخلاقي أوجدت من عناصر متفرقة و قبائل شتى مجتمعاً إسلامياً قوياً ، لذا فهي الأجدر بأن تؤلف حضارتنا المنشودة ، خاصة و أن لها تجربة عمرها أكثر من ألف عام كانت بدايتها من أرض قاحلة .

التوجه الجمالي

من يَعِشْ في مكان تحوطه مظاهر جمالية لا شك أن ذلك سينعكس على فكره و كلماته و أدائه ، فتأثير ذوق الجمال يمس كل دقائق الحياة كذوقنا في الموسيقى و الملابس و العادات و أساليب الضحك و غير ذلك . و من الطبيعي أن يُترك التعبير عن الجمال لأذواق الناس ، لكن عندما تسوء أذواق الناس و تُشَوّه جوانب الجمال فلابد من تدخل السلطات ، كما فعل عمدة موسكو عام 1959 عندما أصدر قرارات بإلزام السكان أن يراعوا جمال و نظافة مدينتهم و فَرَضَ غرامات على مخالفة ذلك . فلو سألْنا عمدةَ موسكو عن سبب تلك القرارات فسيقول إنه النظام ، و لو سألنا الطبيب فسيقول إنه الحرص على الصحة ، أما لو سألنا الفنان فإنه سيقول جمال المدينة . نلاحظ أن الإجابات كلها تعكس ثقافات المجتمع في المدينة الروسية ، كما نلاحظ أيضاً أن الجمال هو أحد مقومات الثقافة كما أنه الإطار الذي تتكون فيه أي حضارة . فإذا كان الجمال هو وجه الوطن في العالم فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا ، و نفرض احترامنا على جيراننا الذين ندين لهم بنفس الاحترام .

المنطق العملي

نعني بالمنطق العملي استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة* . و نحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطق العملي في حياتنا ، لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا ، غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة و الانتباه فشيء يكاد يكون معدوماً . فنحن نرى في حياتنا جانباً كثيراً من "اللافاعلية" في أعمالنا ، إذ يذهب جزء كبير منها في العبث و المحاولات الهازلة . و لو نظرنا إلى واقعنا سنرى الرجل الأوروبي أكثر نشاطاً و عزماً و حركة دائبة من نظيره المسلم بدرجة كبيرة ، فالمجتمع المسلم – للأسف – لا يعيش طبقاً لمبادئ القرآن كما يشاع لكنه فقط يتكلم بمبادئ القرآن .

الصناعة الصناعة - حسب ابن خلدون - الفنون و المهارات و العلوم ( طلباً و تدريساً ) و الأنشطة هي بالنسبة للفرد وسيلة لكسب العيش أو المجد ،
لكنها بالنسبة للمجتمع وسيلة للحفاظ على كيانه . و لذلك يجب أن نراعي في كل مهنة أو حرفة أو صناعة هذين الاعتبارين (اعتبار الفرد و اعتبار المجتمع) . و لذلك يجب إنشاء مجلس للتوجيه الفني للتنسيق بين رغبة الفرد و حاجة البلاد* و من العقبات في هذا المجال التعويل على التعليم الرسمي أو الجامعي الذي يُخَرِّج أجيالاً من المتعالمين ليس لهم علاقة بحاجة البلاد و لا المسير الحضاري .

المبدأ الأخلاقي و الذوق الجمالي  في بناء الحضارة

ما من حوار شجر بين رجل و امرأة منذ الخليقة إلا و المرأة تحاول فيه أن تبدو في مظهر الجمال ، بينما الرجل يحاول أن يتخذ مظهر القوة التي هي أيضاً نوع من الجمال . من ناحية أخرى و منذ الأزل ، ما يجتمع رجل برجل آخر إلا و تنشأ بينهما علاقة تخضع لقانون أخلاقي . معنى ذلك أن المجتمع هو الذي يقوم بإنتاج بذوره الأخلاقية التي تتطور حتى تصبح القوانين المحددة التي يخضع لها نشاط المجتمع و التي تقوم عليها حضارته . إذن الأذواق الجمالية و القيم الأخلاقية للشعوب هي ما تطبع ثقافته بطابعها الخاص فتحدد للمجتمع أسلوب حياته و سلوك أفراده . و تأثّرُ المجتمع بالجمال و الأخلاق أقوى و أسبق من تأثُّره بالصناعات . و قد يتقدم المبدأ الأخلاقي أو يتأخر عن الذوق الجمالي .

هناك نموذجان من المجتمع : نموذج يكون فيه النشاط أساساً على الدوافع الجمالية ، و يبرز واضحاً في الحضارة الرومانية التي أثرت في الحضارة المسيحية في أوروبا ، حيث يظهر طابعها الجمالي في الصور و التماثيل العارية . أما النموذج الذي يقوم فيه النشاط أساساً على الدوافع الأخلاقية فيبرز واضحاً في الحضارة الإسلامية ، حيث غلب طابعها الأخلاقي على الفني و الذي كان مغايراً تماماً لنظيره الروماني . هنا نرى بوضوح أن الحضارة الغربية قدمت الذوق الجمالي على المبدأ الأخلاقي في ترتيب القيم على عكس الحضارة الإسلامية . و مع ذلك يجب عدم التطرف في إعلاء أي من المبدأ الأخلاقي أو الذوق الجمالي .

و لقد انعكس كل من المبدأ الأخلاقي و الذوق الجمالي على الأدب و الفن ، فظهر الأدب المُوَجَّه و الذي يحمل قيماً أخلاقية ، كما ظهر اتجاه الفن من أجل الفن . و في الجانب السياسي ظهرت الديمقراطية التي تستهدف سعادة المجتمع بدافع أخلاقي* كما ظهرت الديمقراطية التي تجعل حرية الفرد هدفها بدافع جمالي .

توجيه العمل

و هو الحلقة الثانية من مشكلة الإنسان بعد توجيه الثقافة ، و رغم أن العمل ليس عنصراً أساسياً من العناصر الثلاث و هي الإنسان و التراب و الوقت ، إلا أنه يتولد منها .

و عندما كان المسلمون الأولون يشيدون مسجدهم الأول بالمدينة ، ما كانوا يعلمون أنهم قد بدأوا يتعلمون دروس العمل في بناء الحضارة الإسلامية ، حيث لم يكن هناك معنى لكلمة "أجر" لأن العامل لم يكن له علاقة بصاحب عمل ، لكن بجماعة و عشيرة يشاطرها إيمانها و بؤسها و نعماها .

توجيه العمل لا بديل عنه للبناء الحضاري ، و ليس معنى أن يكون العمل موجهاً أن نغفل كسب العيش ،بل أن تسير الجهود الجماعية في اتجاه واحد ( الراعي و الحرفي و المهني و التاجر و المرأة و المثقف ... ) ليضع كل منهم كل يوم لبنة جديدة ، ثم يكون كسب العيش إفرازاً طبيعياً لذلك العمل الموجه .

توجيه رأس المال

يحسن بنا أن نتذكر الفرق بين الثروة و رأس المال : الثروة هي كل الموجودات ذات القيمة الاقتصادية مثل الأموال غير المُستَثْمَرَة و الموارد الطبيعية و الثروة البشرية ، بينما رأس المال هو ما يُسْتَغَلُّ من الثروة من أجل الاستثمار أو الآلات و المكائن و ما ينفق عليها لأجل إنتاج سلع أو خدمات . و يجب أن تتحول الثروة إلى رأسمال ينتج ما نحتاجه ، و ما يسير بنا نحو الحضارة ، و لهذا نحن بحاجة إلى مجلس لتوجيه الثروة ، و ليكون هذا متضافراً مع توجيه الثقافة و توجيه العمل ، و بهذا يكون المجتمع قد استكمل الشروط اللازمة لتشييد حضارة تطابق إطاره التاريخي .

مشكلة المرأة

لا يُعَبّرُ أدعياء تحرير المرأة أو المطالبين بإبعادها عن المجتمع إلا عن نزعات جنسية لاشعورية ، و إن كانت بطريقين مختلفين : أحدهما يريدها أن تخرج بطريقة تثير الغرائز ، و الآخر يبالغ في الدفاع عن أنثاه ، و هذا اعتبار جنسي ، لكنه في اتجاه معاكس . يجب أن يكون تناولنا لمشكلة المرأة بدافع من حاجة المجتمع و تقدمه الحضارى ، و ليس بدافع من مصلحة المرأة وحدها .

مشكلة المرأة لا يكون حلها بمجرد تقليد ظاهري للمرأة الأوروبية من سفور و اختلاط دون النظر إلى الأسس التي بنت عليها المرأة الأوروبية سيرها ، و أدت إلى كوارث اجتماعية ، فقد "حررها" المجتمع الأوروبي ، و رمى بها في المصانع و المزارع و المكاتب لتأكل من عمل يديها في بيئة شديدة الخطورة على أخلاقها ، فأصبحت صورة مشوهة للرجل دون أن تبقى امرأة . و النتيجة أن المجتمع الأوروبي حُرِم من هذا العنصر الهام في بناء الأسرة ، و من ثم جنت أوروبا ثمار هذه الأسر المنحلة مشكلات متعددة . و على النقيض نجد نساءنا المسلمات تسرف في ستر جسدها بشكل شاذ في بعض أنحاء بلادنا معبرة عما يطبع مجتمعنا من الميل إلى الركود و التخلف .

و يجب التأكيد هنا على أمرين : أولهما أن تعقد مؤتمرات لنسائنا يحددن فيه مهامهن و دورهن فيما يعود على صالح المجتمع . و ثانيهما أن يكون للمرأة حضور ملموس في المجتمع و أن تدرك أحداثه التي تجري فيه و تطوراته التي سيصير إليها .

الفنون الجميلة

الفنون بأنواعها إما تكون داعيةً إلى فضيلة أو إلى رذيلة . و يجب أن تكون متسقة مع القيم الحضارية التي ينشدها المجتمع ، كما يجب دعم و تشجيع الفنانين و ذوي المواهب و من يبدع شيئاً يلبي قيمنا .

التراب

عندما ترتفع قيمة و حضارة الأمة يكون التراب غالياً ، و العكس صحيح . و نحن للأسف نفرط - على سبيل المثال - في المساحة الزراعية بعدم مواجهة الزحف الصحراوي أو زحف المدن عليها ، و قس على ذلك التفريط في الموارد الطبيعية بسبب الغباء و التخلف ، مع أن هناك حلول كثيرة و تجارب بشرية منذ عقود طويلة مثل تجربة فرنسا التي أنهت مشكلة التصحر عام 1850 بغرس الأشجار لمدة عشرين سنة ، فسدّوا بذلك الطريق على زحف الرمال فتحولت جنوب غربي فرنسا من الفقر إلى منطقة ذات حركة اقتصادية ممتازة ، و هناك أمثلة أخرى ليس على الثروة الزراعية فحسب ، بل على موارد طبيعية أخرى . و على أية حال فإننا لن نتغلب على مثل هذه الأزمات إلا إذا تغلبنا على نفوسنا الخاملة الكسولة

الوقت

قد يكون الوقت ثروة ، و قد يكون عدماً ، و ذلك بحسب تعامل الإنسان معه . فعندما تكون الشعوب خاملة يكون الوقت عدماً ، أما عندما تنتفض ، فهو لا يُقوّم بالمال ، بل يصبح جوهر الحياة الذي لا يُقَدّر . إن العالم كله يملك نفس ساعات العمل ، و يكمن الفارق الحضاري بين من يحسن استغلالها و من يضيعها أو لا يحسن استغلالها .

و تبقى التربية هي الوسيلة الوحيدة لتعليم شعوبنا قيمة الوقت ، فيمكن – مثلاً – أن نتدرب نصف ساعة يومياً لأداء واجب معين و بشكل منتظم و فعّال ، ما ينتج عنه في نهاية العام حصيلة هائلة من ساعات العمل لمصلحة المجتمع في مختلف النواحي ، و ستثبت هذه التجربة العملية قيمة الزمن في تغيير أسلوب الحياة عند الفرد و المجتمع .
كانت ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1945 منهارة و مدمرة تماماً ، بل و محتلة من أربعة دول ، لكنها بدأت من نقطة الصفر عام 1948 بداية مميزة ، حيث فرضت الحكومة الألمانية على كل أفراد الشعب رجالاً و نساءً و أطفالاً التطوع ساعتين يومياً يؤديها بالمجان زيادة على عمله اليومي ، كلٌ في مجاله من أجل الصالح العام . ثم حدثت المعجزة لهذا الشعب الذي لم يبق له بعد الحرب إلا العناصر الثلاث : الإنسان و التراب و الوقت ، و التي أحسن استغلالها بشكل مبهر كان للوقت فيه الدور الأكبر !

الاستعمار و الشعوب المستعمَرة

المعامل الاستعماري

يفرض الاستعمار على البلاد المستعمرة خطة لإذلالها و القضاء على طموحها ، بالإفقار و ندرة الخدمات و تفاهة التعليم ، و غير ذلك .
هذا العامل السلبي هو ما نسميه "المعامل الاستعماري" . إزاء هذا المعامل تكلم البعض بلسان السياسة فطالبوا بالحقوق التي هضمها الاستعمار ، و أغفلوا الواجبات ( التعليم و الأخلاق و التربية و القيم الاجتماعية ) ، فأصبح هذا الكلام من أروع مظاهر المأساة . بينما تكلم عن نفس هذا الواقع آخرون بلسان الواجبات مثل غاندي ، ففاز بحقوقه كاملةً ، و كأنها نظرة قرآنية غير منتظرة عند ذلك المصلح البرهمي .

و بمقارنة الاستعمار بالحكم الإسلامي نجد أن الأول يعتبر من الوجهة التاريخية نكسة في التاريخ الإنساني ، بينما الحكم الإسلامي فتح شمال أفريقيا و إسبانيا و جنوب فرنسا لا لاستغلالها ، بل لضمها للحضارة الإسلامية . و لم يكن توجد تفرقة بين الفاتحين المسلمين و أهل البلاد المفتوحة ، ليس لأن الجميع توحدوا تحت راية الإسلام كدين ، بل كحضارة . و التاريخ يؤكد أن أهل مصر لم يعتنقوا الإسلام إلا بعد قرون من الفتح .

شملت الحضارة الإسلامية أوروبا نفسها ، حتى أن القسيس "هربرت" تعلم العلوم الإسلامية ثم ارتقى عرش البابوية باسم البابا "سلفستر الثاني" ليصبح المحرك الأول للحروب الصليبية متنكراً فضل الحضارة الإسلامية عليه . و من سوء حظ الإنسانية أن نسيت أوروبا أو تناست تجربتها مع الحضارة الإسلامية . و الواقع كما لاحظه جوستاف لوبون هو أن جميع الوسائل قد اتُخِذَت لمحو الحضارة الإسلامية من سجل التاريخ ، من أجل ذلك زَوّرَ الكُتّاب الغربيون التاريخ حتى ظهر في عيون من أخذ عنهم أن التاريخ البشري ليس تلك السلسلة التي تتصل فيها جهود الأجيال ، بل هي في نظرهم تلك المسافة المختزَلة بين التي تبتدئ من "الأكروبول" في أثينا و تنتهي عند قصر "شايو" في باريس*، و لو أنهم دققوا النظر لوجدوا هوة كبيرة تفصل حضارة أرسطو و حضارة ديكارت و هي التي ملأتها الحضارة الإسلامية  .

بقي أن نعرف أن الاستعمار – على بشاعة جرائمه – ليس شراً كله ، بل أن الله حقق خيراً على يديه من حيث لا يدري : فقد أيقظ العالم الإسلامي من نومه ، فالتاريخ عوّدنا أن كل شعب يستسلم للنوم فإن الله يبعث عليه سوطاً يوقظه . كما أن الاستعمار أيضاً لا يستطيع أن يتحكم في عبقرية الإنسان و قيمه الجوهرية و هي الإنسان و  التراب و الوقت .

مُعامل القابلية للاستعمار

هذا المُعامل ينبعث من الفرد الذي يَقبل على نفسه الاستعمار ، بل إن ما يريده المستعمر يجده متحققاً في ذاته !
فالاستعمار يريد بطالة يحصل من ورائها على أيادي عاملة زهيدة ، فيجد منا متقاعدين ! و يريد منا جهلة يستغلهم فيجدنا نقاوم الجهد المبذول ضد الأمية و الجهل ! و يريد منا انحطاطاً في الأخلاق كي تشيع الرذيلة ، فيجدنا أسرع إلى محاربة الفضيلة ! و يريد تشتيت مجتمعنا و تشتيت أفراده ، فيجدنا متفرقين بالسياسات الانتخابية ! و يريد أن يظهر في سلوكنا الذوق القبيح ، حتى نكون قطيعاً محتقراً يسْلِم نفسه للمخازي ، فيجدنا ناشطين لتلبية دعوته ! و بذلك تكون علتنا مزدوجة : نشعر بداء المستعمر من الخارج ، و نرى استجابة باطنية له من داخلنا !

مشكلة التكيف

تخضع الحياة الاجتماعية لقانون رد الفعل ، لكن غالباً ما يكون رد الفعل هو التكيف مع الواقع ، و هو ما يحدث بالنسبة للاستعمار . مع بداية الاستعمار يفقد الجميع توازنه القديم ، و يبحث عن توازن جديد ليكون متكيفاً مع الواقع الاستعماري الجديد ، لكنه مع ذلك يظل متذبذباً غير مستقر .

فالشباب ذوو الثقافة الضيقة يرون أن سعادة البشر تكون مع ما يسمى بالأفكار التحررية ، و يرى البعض أن التمدن يكون في الأعراس الانتخابية و المظاهرات   ، و منهم من يرى التمدن في تحرر النساء و يظن أن نفسه قد حازت المدنية إذا تزوج امرأة عصرية .

كل هذه النماذج تدل على درجات من التكيف مع تلك القيم الفاسدة للحضارة . و مع ذلك يبقى التذبذب الذي جعلنا نبحث عن شيء واحد نتمسك به ، لكن مع الجهل بقيمنا الحضارية و الإسلامية تِهْنا عن هذا الشيء الوحيد ، فبحثنا عن الرجل الوحيد الذي بيده سعادة الشعب و رضائه و وضعنا آمالنا فيه ، و لازالت تلك العقيدة منتشرة في بلادنا .

أخطاؤنا كثيرة ، لكن يجب ألا نتوقف عن السير نحو الحضارة الأصيلة ، غير أننا لا يجب أن يكون سيرنا فوضوياً ، بل علمياً عقلياً ، حتى نرى أن الحضارة ليست أجزاءً مبعثرة أو مظاهر خلابة ، بل هي جوهر ينتظم أشكالاً و أفكاراً و مظاهر متعددة .       

هوامش 

*عند نشر هذا الكتاب ( شروط النهضة ) كانت الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي منذ عام 1830 إلى عام 1962 .

* ربما طمعاً في مكاسب سياسية تمنح لحركتهم مزايا تصب في عملية الإصلاح أو تدفع عنهم نوائب حكومة الاحتلال

*لا تسمح لنا الحضارة الغربية أن نأخذ منها حقوق الإنسان أو ممارسة الديمقراطية أو حرية استقلالنا بقرارنا السياسي

*عندما رأى عمر ما كان عليه معاوية - واليه على الشام - من أبهة الملك و مظاهر البذخ أنكر عليه ذلك ، لكن لما أوضح له معاوية اختلاف الأوضاع الحضارية كَوْن الشام ملاصقة للروم القيصرية بدا تَفَهَّم عمر للأمرَ فلم يمنعه .

*يعود أصلها ومنشأها إلى أوروبا الشمالية وأغلبهم من منطقة إسكندنافيا . هاجرت القبائل الجرمانية من شمال أوروبا وانتشروا في باقي مناطق القارة .

*تقوم النظرية أساساً على عملية التحدي الجغرافية و المناخية ، و التي تدفع للاستجابة لها و التغلب عليها و من ثم الانطلاق نحو الحضارة .*و عكس ذلك يحدث في بعض المنافذ الحدودية و المطارات ، فرغم استخدام تقنية الحاسوب تحدث دائماً مشكلة تشابه الأسماء لبعض المسافرين بسبب قصور في المعلومات المدخلة ، و قس على ذلك مشكلات مشابهة .

*يمكن أن نلحظ أن الديمقراطية ذات الدافع الأخلاقي غالبة في النموذج الياباني ، بينما الديمقراطية ذات الدافع الجمالي غالبة في النموذج الغربي .

*يقصد القفز من حضارة اليونان إلى الحضارة الغربية الحديثة دون إشارة إلى الحضارة الإسلامية و التي ملأت تلك الفجوة بينهما.

*كما جعلت أبا بكر يُغلِّب الفكرة الدينية على العقل عندما رفض إرجاء قتال مانعي الزكاة و رفض نداء العقل الذي دعمه عمر بإرجاء قتالهم وسط الأخطار التي أحاطت بالمدينة ذلك الوقت.

*الصناعة عند ابن خلدون تعني الحرف و المهن و العلوم و الفنون و الأنشطة .

*هي معركة وقعت بين جيشَي علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان في  37هـ.في منطقة بين الشام و العراق وكانت امتداداً للفتنة التي أدت إلى مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان على يد ثوار اجتمعوا من مصر وغيرها ، حيث أصر معاوية عى الامتناع عن مبايعة علي إلا بعد القصاص من قتلة عثمان مع عدم استطاعة علي ذلك لأسباب لا يتسع المقام لذكرها هنا .

**الفكرة الإيمانية ( الغائبة ) في هذه الواقعة يمكن تمثلها في الحرص على وحدة الأمة و نبذ الخلاف و إلانة الجانب ، بينما العقل الذى علا عليها تمثل في إصرار كل من الطرفين على حسم القضية لصالحه لشعوره أنه وحده على الحق ، أما الغريزة فلعل المقصود بها الحرص على الملك .

***في مرحلة الأفول لم تتفلَّت الغرائز بشكل كامل ، لكن حدث التفلُّت تدريجيا .

****حتى في فترات الأفول و الانحلال ، كانت هناك فترات صعود نسبية ، لكن الإشارة هنا إلى السياق التاريخي أو الحضاري العام .