قاسم عبده قاسم.. المؤرخ الرصين المدافع عن الهوية الإسلامية

الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

رحل عن عالمنا المؤرخ الكبير د. قاسم عبده قاسم، الأحد 26 سبتمبر 2021م، بعد رحلة علمية وأكاديمية كبيرة اتسمت بالرصانة وقوة الانتماء للهوية العربية الإسلامية.

كان الدكتور قاسم -يرحمه الله- صاحب مدرسة في التاريخ وليس مجرد مؤرخ عابر، كما يقول محمد الصياد، أحد تلامذته ومحبيه، معقبا بأنه "عندما تقارن أمثال قاسم عبده وأيمن فؤاد وأضرابهما، بالصبية والمراهقين ممن يكتبون في التاريخ بغية الانتصار لمذهبهم وأيديولوجيتهم وأحزابهم وتياراتهم تدرك الفرق الكبير بين المؤرخ الحق والمؤرخ المزيف!" 

المشوار العلمي

ولد الدكتور قاسم عبده قاسم في القاهرة بتاريخ 26 مايو 1942م، وحصل على الإجازة الجامعية في الآداب قسم تاريخ، من جامعة القاهرة 1967م، وماجستير في تاريخ العصور الوسطى من جامعة القاهرة سنة 1972م بتقدير ممتاز، ثم دكتوراه الفلسفة في العصور الوسطى من قسم التاريخ بجامعة القاهرة سنة 1975م بمرتبة الشرف الأولى، وتخصص في تاريخ العصور الوسطى، وكان معظم عمله الأكاديمي في كلية الآداب جامعة الزقازيق، وكان عضوا بالهيئة الاستشارية للمركز القومي للترجمة، كما عمل أستاذا بجامعة الكويت ( 1987- 1993م).وعمل رئيسا لمجلس إدارة مدارس ليسيه الهرم من 2003 -2005، قبل تقاعده نهائيا.

شارك د. قاسم في مؤتمرات علمية عالمية عديدة و كان عضوا بعدد من الجمعيات واللجان والمجالس، منها: عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية لفترة طويلة، وعضو اللجنة الدائمة لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بكل من مصر والكويت، وعضو لجنة التاريخ في المجلس الأعلى للثقافة. ونال عضوية عدد من الجمعيات العلمية في مجال التاريخ والفولكلور والاجتماع.

أهم مؤلفاته

أما مؤلفاته فتربو على الأربعين، ومن أشهرها: أهل الذمة في مصر الوسطى، النيل والمجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي، رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية، ماهية الحروب الصليبية بسلسلة عالم المعرفة الكويتية، التاريخ الوسيط: قصة حضارة البداية والنهاية، التنظيم البحرى الإسلامي شرق المتوسط، جمهورية الخوف صورة للعراق تحت حكم صدام من الداخل.

كما ترجم د. قاسم العديد من الكتب، ومنها: الفقر والإحسان في عصر سلاطين المماليك، كم تبعد القاهرة- رحلات ومغامرات إلى القاهرة وما وراءها (ترجمة لكتاب آن وولف)، الحروب الصليبية، جزآن، ترجمة لتاريخ أوكسفورد للحروب الصليبي، الكفار : تاريخ الصراع بين عالم الإسلام وعالم المسيحية، الدين والعلم والتعليم في العصر العباسي.

الجوائز والأوسمة

حصل د قاسم على عدد من الجوائز العلمية والأوسمة أهمها: جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة عام 1983، شهادة تقدير للتميز في الإنتاج الأدبي من جمعية الآداب من مصر عام 1985، وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من مصر عام 1983، جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة عام 2000، جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2008.

يقول عنه محمد الصياد:"فقدت مصر والعالم الإسلامي شيخا من مشايخ المؤرخين الكبار، كان يكتب بعمق ومتانة، وعلم ودراية حتى ولو كانت نتيجة بحثه تخالف هواه! 

لمحةٌ أخرى من حياة الرجل أود أن أذكره بها، وهي تواضعه وحبه للعلم وطلبة العلم، فكانت دار النشر التي يشرف عليها (دار عين للدراسات الإنسانية والاجتماعية) تبيع الكتب النفيسة العالية بثمن زهيد وضيع يقدر عليه كل طالب علم، وهذه لعمري منقبة ومحمدة في زمن التجارة والتجار، رحم الله عبده قاسم ورضي عنه".

مؤرخ الحروب الصليبية

ويسلط عاطف معتمد الضوء على دراسته القيمة "ماهية الحروب الصليبية " في السطور التالية بعنوان
"عذرا....لستُ إلا حدادا !": في عام 2005 تسبب الفيلم الأمريكي الشهير "مملكة السماء Kingdom of Heaven" في دهشة لنا نحن المتابعين العرب.

 لقد كان العوام منا يعتقدون أن فيلم يوسف شاهين "الناصر صلاح الدين" كان متحيزا لبني قومه ضد الأوربيين، فأظهر الشرق ضحية تدافع عن نفسها وتناصر الحق، بينما أظهر الغزاة الأوربيين مستغلين للصليب رافعين إياه خديعة لنهب الشرق. 
مصدر الدهشة أن الفيلم الذي أنتج في والت ديزني وحقق شهرة واسعة لا يخرج كثيرا عن رؤية شاهين في فيلمه الذي ظهر للنور في عام 1963.
وإذا كان شاهين قد جعل صلاح الدين الأيوبي بطلا للفيلم المصري فإن الفيلم الأمريكي "مملكة السماء" والذي جاء بعده بأربعين سنة جعل البطل حدادا فرنسيا بسيطا انضم لإحدى الحملات الصليبية مخدوعا بأهدافها المقدسة. 
في الفيلم الأمريكي يصبح الحداد بطل معركة القدس، تلك المدينة التي كان يجب أن تكون "مملكة السماء" أو كما يحلو للبعض ترجمة الفيلم ترجمة حرفية بعنوان "مملكة الجنة"، والعارفون للفقه المسيحي يفضلون بالطبع "السماء" لا "الجنة".
ملايين البشر يشاهدون الأفلام حول العالم، وأقل منهم بكثير يقرأون كتب المؤرخين. ومن بين كتب المؤرخين التي تستحق أن نطالعها في مسألة الحروب الصيلبية الكتاب المرفق غلافه الذي ألفه المؤرخ المصري الجليل - الذي رحل أول أمس عن دنيانا  أ.د قاسم عبده قاسم - والصادر في الكويت قبل 30 سنة أو يزيد.

في كتابه "ماهية الحروب الصليبية" يدخل قاسم مباشرة في الموضوع دون مواربة أو زيغ أو هروب فيقول لك فيما معناه: "على مدار 300 سنة تسبب العدوان الذي قام به الاستعمار الأوروبي على العالم الإسلامي - والذي بدأ من 1095م واستمر حتى 1400م - في إنهاك بلادنا وإضعاف قواها وتعطيل قوى الإبداع فيها، فضلا عن تعطيل عوامل النمو  في الحضارة الإسلامية، بل إن المنطقة العربية بعد انتهاء هذه الحروب دخلت في مرحلة ضعف ووهن وتهالك؛ مما مهد المسرح تماما لأن تقع فريسة للسيطرة العثمانية.

 صحيح أن العثمانيين قدموا حماية للعالم العربي من الاستعمار الأوروبي لثلاثة قرون لاحقة لكنهم قدموا حماية لجسد واهن مريض منهك دون أن تظهر فيه روح الحضارة والتطور والنمو  والازدهار ".
الكتاب رشيق الحجم واللغة، لا يزيد على 200 صفحة ويتناول تحرير المصطلحات والظروف التاريخية التي نشأت فيها حروب الفرنج (وهو الاسم الذي كان يطلقه المؤرخون المسلمون على ما سيعرف بعد قرون لاحقة باسم الحروب الصليبية). 

يتناول الكتاب أيضا كيف أن الحملات الصليبية التي لقيت هزيمة وفشلا في معظم الأحوال صورت بآلة الدعاية الغربية إلى مثال لانتصار  الشجاعة والإقدام والنزاهة ونصرة الدين، رغبة في استمرار استنزاف الشعوب الأوروبية وجمع التبرعات لتمويلها ورغبة في استمرار استغلال اسم الصليب في منح عشرات آلاف مرتكبي الذنوب الدنيوية صك "الغفران الصليبي" وتطيرهم من الآثام نظير مشاركتهم أو تبرعهم للحملات.
لا يفوت الكتاب التمهيد للموضوع بعرض رحلات الحج المسيحي قبل الحروب الصليبية والتي كانت حملات سلمية جرارة إلى القدس ينضم إليها الآلاف في مناسك مقدسة، ولولا تعرضها لغارات ونهب في الطريق لما احتاجت إلى حماية عسكرية مسيحية، وكانت هذه نقطة البداية على ما يبدو لوضع البذرة الأولى لما سيعرف لاحقا باسم "الحج المسلح" أو "عسكرة الحج" المسيحي إلى القدس والذي سيمهد الطريق إلى الحملات الصليبية الشاملة..
لا يوجد حدث في التاريخ ترك أثرا على الفكر والسياسة والفنون والآداب في الشرق والغرب بمثل ما تركته الحروب الصليبية التي دامت 300 سنة. 
يعود د قاسم في كتابه إلى مراجع عديدة، لا تحلل فقط الحروب من الناحية العسكرية والتاريخية بل تعرض للأساطير التي مهدت لهذه الحملات على شاكلة نهاية العالم عند حدود الألفية. 

ومن بين من كتبوا على وسائل التواصل عن د. قاسم عبده قاسم، حسام عبد الظاهر الذي قال: "رحل المؤرخ الجليل... المفكر الذي هو أكبر من أي تعريف موجز لا يوفيه حقه، أستاذنا الدكتور قاسم عبده قاسم تغمده الله بواسع مغفرته، وأسكنه فسيح جناته جزاء ما قدم من إسهامات علمية تفوق الوصف تأليفًا وترجمة... لقد غابت اليوم ورقة بالغة الأهمية من ورقات شجرة البحث التاريخي.