كيف خسر العالم الإسلامي علاقته بالقارة السمراء؟!

الخميس - 8 يوليو 2021

روضة علي عبد الغفار

يتهيأ العالم لنظام جديد، بصعود قوى جديدة وهبوط أخرى، ويبقى العالم الإسلامي يتكبد خسائر عدم تغيير رؤيته الإستراتيجية.

أفريقيا، القارة السمراء، قارة الإسلام كما قالوا، ما زال العالم الإسلامي بمنأى عنها، ولا ينظر إليها بعين الشريك الذي يمكن أن يُغيّر واقعه.

وعلى النقيض، تغلغلت القوى الاستعمارية الغربية داخل أفريقيا منذ عقود، تستنزف خيراتها، وتستفيد منها على الصُّعد السياسية والإستراتيجية والاقتصادية، وتستمر في هدم ثقافة وهوية الإنسان الأفريقي.

 ماذا خسر العالم الإسلامي بسبب نظرته لأفريقيا؟ وكيف استنزفت القوى الغربية أفريقيا في ظل غياب القوى الإسلامية؟

أسئلة نطرحها في هذا التحقيق:

تواصل بأدوات غربيّة!

في حين تمثل أفريقيا السمراء قارة الثروات المادية والبشرية المدفونة، ومهد لحضارات عديدة، وتضم أغلبية مسلمة، إلا أن العالم الإسلامي ينظر لأفريقيا بعين الإهمال، وحتى في أثناء الاهتمام الدولي بالقارة وتوَجه الأنظار إليها، يظل المسلمون والعرب يتوجهون إلى أفريقيا بنظرة الجمعيات الخيرية!.. لماذا؟

ترجع هذه النظرة لأسباب عديدة، يقول د. محمد العدل، خبير العلاقات الدولية بتركيا، أن العالم العربي وتركيا ومنطقة أندونيسيا وماليزيا، لا يعرفون أفريقيا، وبسبب جهلنا لأفريقيا وللثقافة الأفريقية واللغات الأفريقية، وجهلنا لطبيعة الحياة والتراث الأفريقي، لم نستطع  التواصل مع الشعوب الأفريقية إلا عبر وسطاء، وأكبر خطأ قام به العرب والمسلمون هو التواصل مع أشقائنا في أفريقيا عبر أدوات تواصل غربية.

وأضاف "العدل" أننا نرى أفريقيا بعيون غربية وبتوجيه ذهني غربي أوروبي أو أمريكي، وهذا نراه واضحًا في رسم السياسات العامة ووضع الأدوات الدبلوماسية، إضافة إلى الاعتماد على الدراسات الاقتصادية التي تقوم بها دوائر غربية، بسبب عدم وجود دراسات متخصصة في الشأن الأفريقي. 

في أعقاب مؤتمر مدريد 1991م، لمفاوضات السلام بين العرب والإسرائيليين؛ تمت ممارسة نوع من أنواع التخلي العربي عن الأفارقة؛ بسبب التقدير العربي الخاطئ أن الصراع العربي-الإسرائيلي في طريقه للحل، وبالتالي فإن الحاجة إلى الأفارقة كورقة ضد إسرائيل وككتلة تصويتية في المحافل الدولية قد انتفت.

 وفي مقابل ذلك تم إضعاف وتفكيك عناصر القوة الشاملة للعرب والمسلمين عن طريق أفريقيا، وتكوين طوق محيط بالعرب تستطيع إسرائيل أن تنطلق منه لإنجاح أهدافها.

يرى د. محمد العادل، أن دول المغرب العربي ومصر تحديدًا، كونها تقع جغرافيا في القارة الأفريقية، هي الأولى والأقرب للثقافة الأفريقية، والأقرب لوجستيًا للتعاون مع دول أفريقيا السمراء. صحيح أن هناك اهتماما، لكنه اهتمام سطحي لا يرقى أنه يحمل رؤية إستراتيجية، ولا يرقى حتى لمستوى التعاون التجاري والاقتصادي، رغم سهولة التنقل والحركة.

وأضاف "العدل": أنه قبل وصول حكومة العدالة والتنمية في تركيا حتى عام 2002؛ لم نسمع بمركز دراسات للشئون الأفريقية أو قسم للدراسات الأفريقية في جامعة تركية، معنى ذلك أن تركيا وهي بلد إسلامي كبير ولديه مصالح في أفريقيا، بدأ يكتشف أفريقيا فقط قبل 18 عامًا، والآن بدأت تتوجه الدولة التركية والقطاع الخاص والمنظمات المدنية والمهنية إلى تأسيس دوائر تفكير ومراكز دراسات متخصصة في الشأن الأفريقي، فهذا بالنسبة لتركيا التي انتبهت لهذا الموضوع حديثًا، معنى ذلك أن كثير من الدول الإسلامية والعربية لم تبدأ أصلًا هذه الخطوة.

فضاء استراتيجي للدول الإسلامية!

هناك حقائق عن أفريقيا تبدو غائبة عن إدراك العالم الإسلامي؛ فأفريقيا مكان لتحقيق الأرباح فضلاً عن كونها الفضاء الإستراتيجي للدول الإسلامية، فالتقديرات الجديدة لأفريقيا تقول إنها أضحت واحدة من أكثر وأسرع مناطق العالم نموًا؛ فقد زاد الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا إلى 3.4 تريليون دولار في عام 2019م، ومن المتوقع أن يلامس حجم الـ 29 تريليون دولار بحلول 2050م. 

في هذا الصدد يقول د. محمد العدل، إن العالم الإسلامي قد خسر الكثير بتأخر شراكته مع أفريقيا، بالنظر إلى مخزون أفريقيا الضخم من ثرواتها الطبيعية ومنتجاتها الزراعية، فإن هذه المنتجات الأفريقية قد تصل إلى الأسواق العربية والإسلامية عمومًا، لكنها تصل عبر وسطاء غربيين معظمهم من الفرنسيين والإيطاليين والأسبان وغيرهم، فما الذي يمنع أن تقيم الدول الإسلامية علاقات تجارية مباشرة وتشتري المنتجات التي تحتاجها بدون وسطاء؟! وبالتالي بلدان العالم الإسلامي خسرت هذه الثروة من المعادن والمواد الخام؛ التي كان يمكن أن تساهم في دعم حركة التصنيع في البلاد العربية والإسلامية.

وأشار "العادل"  إلى أن التوجه نحو الاستثمار في أفريقيا من طرف العالم الإسلامي لم يكن مدروسًا، وبالتالي معظم الوجود الاقتصادي الإسلامي في أفريقيا عبارة عن مشاريع خدمية، مثل المتاجر أو المطاعم أو مراكز بيع، ولكنها لم تتوجه إلى استثمارات ذات طبيعة إستراتيجية، مثل إقامة مصانع أو مزارع ضخمة، أو الاستثمار الذكي في مشاريع التعليم والتدريب لليد العاملة الأفريقية، أو المشاريع الذكية في الإعلام لصناعة صداقات ولوبيات في أفريقيا، بحيث تكون حليفة للمصالح الإسلامية، وتخدم القضايا العربية والإسلامية، وللتقريب بين الشعوب، لكن للأسف لا توجد إرادة سياسية للحضور في أفريقيا بقوة وأن نكون شركاء حقيقيين.

على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي تأتي خسارة العالم الإسلامي بسبب غياب الإرادة السياسية، وغياب الرؤية الإستراتيجية، وعدم تشجيع الدول لرجال الأعمال والمستثمرين أن يتوجهوا إلى المشاريع ذات الطبيعة الإستراتيجية في أفريقيا. 

القوة الإسلامية الناعمة في أفريقيا

على الجانب الثقافي والدعوي، هناك بعض النجاحات إلا أنها غير متكاملة، فيقول الباحث محمد الزواوي، المشرف على موقع قراءات أفريقية باللغة الإنجليزية، إن العالم الإسلامي أحرز بعض النجاحات في القارة الأفريقية فيما يتعلق بإنشاء الكتاتيب، وإنشاء المراكز الإسلامية والدعوية والخيرية، وأصبح للعالم الإسلامي قوة ناعمة في أفريقيا، تمثلها بعض الدول الإسلامية مثل السعودية وقطر والكويت، فهذه الدول الغنية تحاول بقدر الإمكان تعويض النقص الموجود في العالم الإسلامي، بقوتها الناعمة.

وبجانب ضعف إمكانات المؤسسات الدعوية الإسلامية، مقارنة بالمؤسسات التنصيرية، تعانى الدعوة الإسلامية من ظاهرة تشتت الجهود وعدم التنسيق بينها، الأمر الذي يضعف تلك الجهود ويقلل من فاعليتها، فعلى الرغم من وجود مؤسسات إسلامية ذات تراث كبير وعريق مثل الأزهر الشريف، وجامع الزيتونة، والقيروان، وكذا مؤسسات إسلامية فاعلة مثل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومنظمة الدعوة الإسلامية بالسودان، ولجنة مسلمي أفريقيا الكويتية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي بالسعودية، علاوة على جهود منظمة المؤتمر الإسلامي والحركات الصوفية والجماعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية المحلية داخل كل دولة، فإن الواقع يشير إلى أن كثير من الجهود الإسلامية تعانى من عدم الدقة في التخطيط، وعدم التنسيق على نحو يؤدى إلى إهدار الجهود والإمكانات.

أضاف "الزواوي" أن العالم الإسلامي في تراجع حتى الآن، إذا نظرنا إلى الدوائر التي تحمل صفة مناطق إقليمية، سنجد أن العالم الإسلامي قاصرًا، ولا يمثله سوى "منظمة التعاون الإسلامي"، وهي منظمة غير فاعلة بصورة كبيرة، وإن كانت خطوة مهمة لتعزيز العمل الإسلامي، لكن لا نستطيع القول أن هناك عالم إسلامي يعمل بصفة متماسكة، حتى أن دائرة العالم العربي أيضا لا تعمل بتماسك.

الغرب يستنزف خيرات إفريقيا

تتميز البيئة السياسية والاقتصادية في إفريقيا في العقد الأخير بكونها بيئة تنافسية بين عدة أقطاب ولاعبين دوليين، مثل الولايات المتحدة الأميركية والصين والبرازيل والهند، وهؤلاء جميعًا يتسم أداؤهم بالحيوية والإنجاز مقارنة بالأداء العربي والإسلامي.

يقول "الزواوي" إن الغرب ينظر للقارة الأفريقية باعتبارها مخزون للمواد الخام، والكنوز المختلفة من المعادن وغيرها، وكذلك ينظر إليها باعتبارها تحمل مناطق بها أهمية إستراتيجية؛ مثل القرن الأفريقي، ومنطقة الساحل التي تتمركز فيها القوات الأمريكية "أفريكوم"، وبالتالي فإن أفريقيا تعتبر مهمة جدا بالنسبة للعالم الغربي، وطالما استغل العالم الغربي ثروات أفريقيا، سواء الماس أو الذهب أو النفط والغاز، واليورانيوم الذي يعد مهما بالنسبة لفرنسا التي تعتمد على المفاعلات النووية.

أضاف "الزواوي" أنه ما من شك أن العالم الغربي استفاد كثيرًا من أفريقيا، سواء باستنزاف المواد الخام، أو اليد العاملة التي كانت تصدر للغرب كعبيد في البداية، والآن هناك الكثير من الأفارقة المهاجرين يعملون في قارتي أوروبا وأمريكا الشمالية، ويستخدم الغرب العمالة الأفريقية لأنها رخيصة، ويتم استعبادهم وتسخيرهم في الوظائف الدنيا في المجتمع التي لا يعمل بها الغربيون.

فريقان يتنافسان على القارة

وتبدو خرائط اللاعبين في إفريقيا منقسمة بين فريقين، الأول: هو الفريق التقليدي القائد للنظام العالمي منذ منتصف القرن الماضي، ممثلاً في الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول الاتحاد الأوروبي، والثاني: هم اللاعبون الجدد الصاعدون نحو أدوار جديدة في النظام العالمي الراهن وأبرزهم الصين، وعلى مسافة منها تقع كل من تركيا وإيران.

فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية؛ فقد أعلنت القارة الإفريقية كمنطقة إستراتيجية للولايات المتحدة اعتبارًا من عام 2002، وطبقًا لذلك تم تكوين القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم) عام 2006 م.

وفيما يتعلق بالصين فقد حقق التعاون التجاري بين الصين ودول إفريقيا نموًا متسارعًا، وانجازات ملحوظة،  فقد وصل حجم التجارة بين الصين ودول إفريقيا إلى 110.8 مليار دولار، وشملت المشروعات الاستثمارية الصينية 49 دولة إفريقية.

وفيما يخص إيران، فإنها تحاول كسر الحصار الغربي المفروض عليها من خلال اكتساب مناطق نفوذ جديدة في أفريقيا؛ وذلك عبر مدخلين اقتصادي وعسكري، في مناطق متفرقة؛ ففي العاصمة السنغالية داكار يوجد مصنع "خضرو" للسيارات الإيرانية.

 كما وعدت إيران الحكومة السنغالية ببناء مصفاة للنفط ومصنع للكيماويات وآخر للجرارات الزراعية. وتحتفظ إيران بعلاقات وثيقة مع كل من موريتانيا وغامبيا ونيجيريا.

جناية الغرب على الإنسان الأفريقي

قامت القوى الاستعمارية عبر مراحل زمنية طويلة، بالتخلص من التراث الحضاري الأفريقي، وذلك عبر أساليب و أدوات متعددة، يمكن أن نميزها في مستويين:

الأول: وهو المستوى الرسمي، حيث يبرز دور القوى الاستعمارية السابقة؛ فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية

الثاني: وهو المستوى غير الرسمي، وفيه دور المنظمات والجمعيات غير الحكومية، التي تقوم بدور رئيسي في عمليات الإحصاء الثقافي للمجتمعات الأفريقية، وتغيير طرائق حياتها، ومن أمثله ذلك جمعيات التنصير والتبشير المختلفة، ومجلس الكنائس العالمي.

وتتبدى علاقة القوى الاستعمارية بهدم الإنسان الأفريقي في العديد من الملامح والممارسات، فعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي، استطاعت القوى الاستعمارية خلق نخب ثقافية واجتماعية مرتبطة بالثقافة الغربية عبر السياسات التعليمية والبعثات التبشيرية، الأمر الذي أسفر عن ازدواجية ثقافية في معظم الدول الأفريقية، ما بين نخب حاملة للثقافة الغربية وعلومها، وهى نخب علمانية في معظمها، وجماهير متمسكة بالثقافة التقليدية مع شعور بالنقص لافتقارها للمهارات والخبرات المتوافرة لدى المتغربين من أبناء جلدتهم.

وعلى الصعيد الاقتصادي، رسخت القوى الاستعمارية علاقات التبعية الاقتصادية بمستعمراتها السابقة، عبر مجموعة من الممارسات أبرزها ربط البنية الأساسية وشبكة المواصلات والاتصالات بالدولة المستعمرة، ومستلزمات الإنتاج الزراعي، والصناعات الأولية التي تقوم الدولة التابعة بتصديرها إلى الدولة الأم، فضلًا عن ارتباط عملات الكثير من الدول الأفريقية بعملة الدولة المستعمرة. الأمر الذي جعل تلك الاقتصادات رهن إرادة الدول الصناعية الكبرى المستوردة لتلك السلع، في ظل علاقة شبه احتكارية.

وعلى الصعيد السياسي، وفي ضوء الواقع الاقتصادي الاجتماعي سالف الذكر، عمدت القوى الاستعمارية إلى تسليم السلطة عند رحيلها إلى الجماعات الموالية لها، خاصة في الحالات التي تم فيها الاستقلال بغير كفاح مسلح، ويفسر ذلك عدم استناد العديد من دساتير الدول الأفريقية وقوانينها إلى المبادئ الإسلامية، والأكثر من ذلك قبول دول ذات أغلبية إسلامية كالسنغال، وكوت ديفوار، وسيراليون، حكم رؤساء مسيحيين تعاونهم نخب تلقت تعليمها على يد الإرساليات المسيحية، في ظل دعم القوى الغربية لهذا التوجه.

وأخيرًا وليس آخرًا.. فالعالم الإسلامي يحتاج لأفريقيا، وأفريقيا في حاجة القوى الإسلامية؛ أن تأتي لتصبح شريكًا في القارة بمبادئ وقيم إسلامية، لإحياء الإنسان الأفريقي الذي طمسه الاستعمار، شراكة تحمل تنمية شاملة لأفريقيا وقوة اقتصادية للدول الإسلامية.. 

كيف ذلك؟ وكيف تعتبر أفريقيا تربة خصبة لاستقبال دول العالم الإسلامي؟ وما هي خطوات تقارب العالم الإسلامي بالقارة الأفريقية بشكل عملي؟ أسئلة نطرحها في الجزء الثاني من التحقيق.

* روضة علي عبد الغفار، صحفية مهتمة بالشأن الأفريقي