محمد البلتاجي.. مثال فائق في الثبات والتضحية

الأربعاء - 10 نوفمبر 2021

دون مبالغة أو تمجيد وبكل بساطة وتجرد، يمكن القول إن الدكتور محمد البلتاجي، الطبيب والداعية والأستاذ الجامعي الناجح، الذي يقبع الآن في سجون سلطة الانقلاب العسكري في مصر (نوفمبر 2021) هو مثال لتجسيد مبادئ دعوة الإخوان المسلمين وترجمة حية لأركان بيعتها، فهو- ولانزكيه على الله- من الأمثلة النادرة في تاريخ هذه الجماعة فهما وتضحية وثباتا...وإليكم بعض ملامح حياته وجهاده في السطور التالية.

مشوار البداية

ولد محمد محمد إبراهيم البلتاجي عام 1963 في مدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة، وبدأ مشواره التعليمي في الأزهر الشريف إلى أن التحق بالمعهد الديني الثانوي بالإسكندرية.

كان من المتفوقين دراسيًا بصفة منتظمة وكان أحد العشرة الأوائل على الجمهورية في الثانوية الأزهرية 1980-1981، ومنها التحق بكلية الطب جامعة الأزهر، وحافظ على تفوقه الدراسي فكان أول دفعته بكلية طب الأزهر سنوات 82/83/1984 بتقدير ممتاز، وحصل على البكالوريوس عام 1988، ثم نال الماجستير عام 1993 وحصل على الدكتوراه عام 2001.

بدأ البلتاجي حياته العملية طبيبا مقيما بقسم الأنف والأذن والحنجرة بـ"مستشفى الحسين الجامعي"، ما بين عامي 1990و1993م بعد تعيينه معيدا بكلية طب الأزهر، وبعد حصوله على الماجستير صدر قرار تعيينه بوظيفة مدرس مساعد، لكن الجهات الأمنية أصدرت توصية بوقف القرار فتعطل تسلمه للوظيفة لمدة أربع سنوات حتى صدور قرار "محكمة القضاء الإداري" بأحقيته في تسلم الوظيفة.

أقام بمنطقة شبرا الخيمة بالقليوبية بمدخل القاهرة الشمالي، حيث افتتح عيادة هناك، ومن خلال تميز مهني واضح، صار له جمهور كبير وقاعدة عريضة تعرفت على تميزه العلمي والخلقي والدعوي والخدمي، وفق ما رُوي عنه.

أسرة مجاهدة

تزوج الدكتور البلتاجي من السيدة  سناء عبد الجواد وأنجب خمسة من الأبناء هم: عمار، أنس، أسماء، خالد، و حسام الدين.

وتعتبر سناء عبدالجواد، نموذج فريد للمرأة المصرية التى قلما تجد له مثيلا، هي صورة حية للمجاهدات ومثال رفيع للمرأة القوية الصابرة المحتسبة الثائرة على الظلم والفساد، هي الأم الحنون الرؤوم التي ضحت من أجل أولادها، ثم ضحت بنفسها وأولادها وزوجها من أجل قضية بلادها وإيمانها بقيم الحرية والعدل والمساواة، والثورة على الظلم والقمع والاستبداد، فلم تتوان عن مؤازرة أبنائها وزوجها، ولم تفتقدها ميادين مصر جميعها، منذ أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ومازالت الى الآن في مقدمة صفوف المجاهدات .

ومع مناسبة الاحتفال بعيد الام عام 2014، احتفى نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، بالسيدة سناء عبد الجواد، وأعلنوها أمًا مثالية لمصر وللثوار.

ومن بين ما تعرضت له أسرتها- مع اعتقال الزوج- اعتقال ابنها أنس الطالب في كلية التربية في جامعة عين شمس في 31 ديسمبر 2013م، ورغم إصدار محكمة النقض حكم نهائي ببراءته من تهمة لفقت له بـ"التحريض على العنف" في 18 مارس 2018م، ما زال أنس قيد الاعتقال حتى كتابة هذه السطور (يناير 2019) ويجدد حبسه بتهمة " الانضمام لجماعة أسست خلافا لأحكام القانون والدستور"!

كما اعتقل خالد محمد البلتاجي الطالب بالصف الثالث الثانوي، لكن أفرج عنه في يناير عام 2015، فيما تعرض حسام الطالب بالصف الثالث الإعدادي لمضايقات وملاحقات أمنية باستمرار، واضطر عمار، الذي اعتقل بعد فض اعتصام رابعة، لمغادرة البلاد إلى تركيا بعد الإفراج عنه.

وقد حكم قضاء الانقلاب على السيدة سناء عبدالجواد بالسجن ستة أشهر غيابيا في 29 مارس 2015م بتهمة ملفقة هي"الاعتداء على حراس سجن طرة أثناء زيارتها زوجها في السجن"!

استشهاد ابنته

كانت أسماء ابنته الوحيدة، ولدت في 3 يناير 1996 واستشهدت في 14 أغسطس 2013 أثناء فض اعتصام رابعة العدوية في عمر 17 عاما.

كانت وقت استشهادها في الصف الثالث الثانوي علمي، وذكرت أنها تحلم بدخول كلية الطب والالتحاق بنشاطات الإغاثة العالمية.

وكان آخر ما كتبته عبر صفحتها علي فيس بوك: «هم بَيَتونا بالوتير هجداً، وقتلونا ركعاً وسجداً، وهم أذل وأقل عددا، فادع عباد الله يأتوا مدداً.. في فيلق كالبحر يجري مزيداً»، وهي أبيات قالها عمرو ابن سالم الخزاعي في فتح مكة، مما يدل على أن "أسماء" كانت دارسة جيدة لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، بجانب نبوغها العلمي.

تروي إحدى المشاركات في اعتصام رابعة العدوية أنها شاهدت أسماء قبل ساعة من مقتلها، حيث كانت تتابع الجرحى وتسعف المصابين، وقد تم قنصها برصاص حي في الصدر، وروى مقربون منها أن آخر ما نطقت به كان «أثبتوا فإن النصر قريب، ولا تتركوا الثورة للعسكر»

تمت الصلاة عليها في مسجد السلام بمدينة نصر بالقاهرة وسط مشاركة المئات في جنازتها، وأمَّ المصلين أخوها الأكبر عمار البلتاجي. ولم يتمكن أبوها من حضور الجنازة، لكن كتب في صفحته على موقع فيسبوك يوم 20 أغسطس 2013 رسالة رثى فيها ابنته، وكان مما جاء فيها:

" ابنتي الحبيبة وأستاذتي الجليلة  الشهيدة أسماء البلتاجي لا أقول وداعا بل أقول غدا نلتقي.. عشت مرفوعة الرأس متمردة على الطغيان ورافضه لكل القيود وعاشقة للحرية بلا حدود وباحثة في صمت عن آفاق جديدة لإعادة بناء وبعث هذه الأمة من جديد لتتبوأ مكانتها الحضارية."

آلمني شديد الألم ألا أكون في وداعك الأخير وألا أكحل عيني بنظرة وداع أخيرة وألا أضع قبلة أخيرة على جبينك وألا أشرف بإمامة الصلاة عليك, والله يا حبيبتي ما منعني من ذلك خوف على أجل ولا خوف من سجن ظالم وإنما حرص على استكمال الرسالة التي قدمت أنت روحك لأجلها وهي استكمال مسيرة الثورة حتى تنتصر وتحقق أهدافها"

 وفي ذكرى استشهادها الأولى، بعث الدكتور محمد البلتاجي يوم الأربعاء 13 أغسطس 2014 برسالة مؤثرة إلى ابنته أسماء، كان مما جاء فيها: ابنتي أستاذتي وقرة عيني: عام مرَّ هانت علينا الحياة فيه من بعدكم، فما صار السجن ولا السجان يرهبنا ولا القتل ولا الإعدام يقلقنا، فقد علمتمونا بدمائكم الزكية الطيّبة وأرواحكم الطاهرة المؤمنة كيف يكون الفداء، وكيف تكون التضحية في سبيل الله إحقاقاً لقيم الحق والعدل والحرية".

نشاطه العام

أثناء رئاسته اتحاد طلاب جامعة الأزهر نظم البلتاجي ندوات ثقافية ودينية كبرى حاضر في كثير منها العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، كما نظم معارض وندوات في موضوعات متنوعة منها معارضة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.

وأشرف على تنظيم معارض كتاب وأنشطة خدمية ومشروع مواصلات للطلاب، وتوفير وجبات للطلاب غير المقيمين بالمدينة الجامعية.

وبعد تخرجه كانت للدكتور البلتاجي مشاركات علمية ونقابية وثقافية ودينية في العديد من الجمعيات والمؤتمرات والدورات التدريبية للأطباء، حيث شارك في العديد من المؤتمرات والفعاليات داخل مصر وخارجها، منها مؤتمر الوحدة الإسلامية في لندن، ومؤتمر القدس الدولي في إسطنبول، ومؤتمري نصرة الشعب الفلسطيني ودعم المقاومة في لبنان.

ولم يكتفِ بدوره في اللجنة الدولية لكسر حصار غزة، لكنه شارك ضمن نشطاء دوليين في سفنية مرمرة التركية وكان رئيس الوفود العربية المشاركة في أسطول الحرية الذي سعى عمليًا في كسر الحصار "بحرًا" عن قطاع غزة.

وشارك في العديد من القوافل الطبية الخيرية من خلال لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء، كما عمل مديرًا لأحد فروع الجمعية الطبية الإسلامية ذات النشاط الطبي الخيري في أنحاء مصر.

وخدم البلتاجي فقراء وأيتام منطقة شبرا الخيمة وترك بصمة كبيرة من خلال مشروعات الطفل اليتيم والرعاية الطبية، مما ترك أثرا طيبا في نفوس المواطنين، كما شارك في أعمال البر والخير ببلدته كفر الدوار وأسس مشروع فصول تقوية ودروس وندوات دينية.

ساهم د. البلتاجي بأكثر من 40 مقالا، نشرت في العديد من الصحف العربية والمصرية، وبدا أكثر مشاركة وانتشارا على الفضائيات، خاصة برامج "التوك شو" بعد ثورة يناير 2011، معبرا عن آرائه تجاه الثورة والشعب والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي المرتجى للمصريين، وكانت الحرية السياسية هي العنوان العريض لآرائه وجهاده السياسي والإعلامي. وأصدر كتابا بعنوان: (مصر 2005- 2010 ولماذا لم يتحقق الإصلاح المنشود؟)

في عالم السياسة

دخل الدكتور البلتاجي الى عالم السياسة مبكرا منذ كان طالبا في المرحلة الثانوية، حيث مثّل اتحاد طلاب "معهد الإسكندرية الديني الثانوي" في مؤتمر من أكبر مؤتمرات الإسكندرية لمعارضة معاهدة "كامب ديفيد" بين مصر والكيان الصهيوني عام 1979م.

وعقب التحاقه بالجامعة، انتخب البلتاجي رئيسًا لاتحاد كلية طب الأزهر، ثم رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الأزهر في الأعوام من 1985 الى 1987، وشارك مع رموز العمل الطلابي بالجامعات المصرية في توحيد موقف الطلاب، تأييدًا لقضية الجندي المصري (سليمان خاطر) ومخاطبة الحكومة المصرية بالإفراج عنه وعدالة قضيته.

وصدرت ضده قرارات تعسفية بفصله وعزله عن رئاسة اتحاد الطلاب من إدارة الجامعة، كما صدر قرار إدارة المدينة الجامعية بخروجه من السكن بالمدينة مما يعد بمثابة طرده للشارع بلا مأوى، حيث كانت أسرته تقيم بمحافظة البحيرة، ولكن الإدارة اضطرت للعدول عن قراراتها الظالمة أمام ضغوط طلابية حاشدة.

ترشح لعضوية مجلس الشعب 2005 عن دائرة قسم أول شبرا الخيمة على مقعد الفئات عن كتلة الإخوان المسلمين وفاز من الجولة الأولى بفارق 15 ألف صوت عن أقرب منافسيه، "بعد أن حاول رئيس اللجنة العامة للانتخابات ان ينسحب قبل اعلان النتيجة بدعوي اصابته بأزمة قلبية وهو ما رفضته الجماهير الحاشدة التي جاءت لمتابعة النتيجة فتراجع القاضي عن موقفه واعلن فوز الدكتور محمد البلتاجي رغم الضغوط الأمنية الهائلة التي طالبت رئيس اللجنة بتزوير النتيجة لصالح مرشح الحزب الوطني الحاكم آنذاك.

أولى د. البلتاجي اهتمامًا كبيرًا بالقضايا الوطنية والقومية تحت قبة البرلمان المصري وفي مقدمتها قضايا الحريات العامة والإصلاح السياسي ومن أشهر المواقف في هذا الصدد دفاعه البرلماني عن استقلال السلطة القضائية، حرية الصحافة، إضافة إلى مواقفه الرافضه لتشريعات (الحبس في قضايا النشر، تمديد حالة الطواريء، التعديلات الدستورية الجائرة في 2007، المحاكمات العسكرية للمدنيين)، كما كانت له جولات في الدفاع عن حقوق التعبير والتظاهر السلمي..

برز دوره كعضو بلجنة التعليم بمجلس الشعب المصري في الدفاع عن العديد من قضايا التعليم والطلاب واعضاء هيئة التدريس، حيث خاض معارك برلمانية وسياسية ضد الانتهاكات الأمنية للحريات الطلابية والجامعية، ودافع عن الحقوق المادية للمعلمين واساتذة الجامعات.

وفي عام 2007 شارك في تأسيس "المنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين" بجاكرتا عاصمة إندونيسيا،  ومثل مصر في عضوية مجلس إدارته.

وفي 2008، تم انتخابه كعضو لجنة المتابعة "اللجنة التنفيذية" بالمؤتمر القومي الإسلامي، وهو المؤتمر الذي حافظ على مساحة عمل مشترك بين التيارين القومي والإسلامي على الساحة العربية خلال السنوات الأخيرة.

وشارك إلى جانب عدد من الرموز الوطنية من مختلف التيارات السياسية في تأسيس الحملة المصرية ضد التوريث في أكتوبر2009، كما شارك في نفس التوقيت" بتأسيس حركة "مصريون من أجل انتخابات حرة وسليمة".

مثل الإخوان المسلمين في تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير فبراير 2010، وكان له دور بارز في فعاليات الجمعية بمختلف محافظات مصر.

كما ارتبط اسم البلتاجي بالدفاع عن القضية الفلسطينية، فشارك في تأسيس "الحملة الشعبية المصرية لفك الحصار عن غزة"، ومثل مصر في عضوية "اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة" وكان له دور بارز في مواجهة المواقف الرسمية المصرية والعربية أثناء الحرب على القطاع. وكانت له مشاركات قوية برلمانية وسياسية ضد بناء الجدار الفولاذي بين مصر وغزة، وضد تصدير الغاز لـ"إسرائيل" وغيرها من المواقف القومية.

ترشح ثانية لانتخابات مجلس الشعب عام 2010 التي شهدت وقائع تزوير فاضح، فانسحب من الجولة الثانية تنفيذا لقرار "جماعة الإخوان المسلمين" بمقاطعة جولة الإعادة.

وأصبح فيما بعد من أقطاب "ثورة 25 يناير 2011 " وتم اختياره عضوا بـ"مجلس أمناء الثورة"، ثم شارك بعد ذلك في تأسيس "حزب الحرية والعدالة"، الجناح السياسي لـ"الإخوان المسلمين"، وانتخب كأمين عام للحزب بمحافظة القاهرة عقب تأسيس الحزب، قبل أن يترشح للمرة الثالثة لعضوية مجلس الشعب عام 2011 عقب الثورة، ويدخل مجلس الشعب للمرة الثانية، ولكن هذه المرة ممثلا عن "حزب الحرية والعدالة" في أول برلمان بعد الثورة.

وبعد انقلاب عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي في يوليو عام 2013، كان للبلتاجي مواقف قوية في مقاومة الانقلاب من على منصة اعتصام "رابعة العدوية"، وبعد "مجزرة رابعة" قال: إن "الإخوان" لن يلجؤوا للعنف في مواجهة الانقلاب الذي قتل من المصريين أضعاف من قتلوا أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008"

مسيرته مع الإخوان

بدأت مسيرة د. البلتاجي مع الإخوان المسلمين  في المرحلة الثانوية بالإسكندرية عام 1977، وتنامى نشاطه الدعوي بعد ذلك في كلية الطب، بالتوازي مع نشاطه العام في الدعوة.

كانت "عاطفة الثلاثاء" في الإسكندرية مفتاحا لتشكيل شخصية البلتاجي الدعوية مبكرا، حيث كان يحاضر فيها الأساتذة الكرام: محمد عبد المنعم و جمعة أمين و محمد حسين عيسى، كما شكلت زيارات علماء الأزهر الكبار جانبا من هذه شخصيته الدعوية، ومنهم الشيخ أحمد المحلاوي والشيخ محمود عيد.

وبدأت معالم الفكرة الإسلامية والمشروع الإسلامي والدعوي تتعمق في نفس البلتاجي بمشاركته رموز العمل الطلابي أنشطتهم الدعوية ومنهم: إبراهيم الزعفراني وخالد الزعفراني، و طلعت فهمي.

ترأس البلتاجي اللجنة الثقافية بالمعهد الديني الثانوي في الإسكندرية، ثم مثل اتحاد طلاب المعهد وأصدر أول مجلة دعوية أزهرية عام (1978) باسم "النذير".

شارك في أعمال "الجماعة الإسلامية بالمدارس الثانوية بمحافظة الإسكندرية" والتي كان لها نشاط عام دعوي وتربوي وسياسي كبير تمثل في إقامة مؤتمر من أكبر مؤتمرات الإسكندرية لتفنيد ومعارضة كامب ديفيد 1979.

وكان تمثيله طلاب جامعة الأزهر نقلة وبداية عهد جديد في العمل الطلابي والإسلامي بالجامعة  فكانت صحوة طلابية كبيرة على المستوى الدعوي والخدمي والمشاركة العامة.

اعتقاله وسجنه

في 10 يوليو 2013، أصدر النائب العام للانقلاب العسكري أمرا باعتقال الدكتور محمد البلتاجي على خلفية اتهامات وبلاغات كيدية "بتعذيب عدد من المواطنين المعارضين للإخوان المسلمين في اعتصام رابعة العدوية"!

وقبيل نهاية شهر أغسطس 2013 ألقي القبض على د. البلتاجي، بتهمة التحريض على العنف، كما وجهت له اتهامات في قضايا أخرى.

ومثُل د. البلتاجي أمام محاكم عدة بتهمة "التحريض علي القتل" وصدر ضده حكم بالإعدام بتهمة اقتحام سجن وادي النطرون، بينما كان وقتها معتصما في ميدان التحرير مع شركاء الثورة وما زال يمثل أمام المحاكم في قضايا عدة لم تنته بعد.

وحكم على البلتاجي في عام 2014 بالسجن عشرين عاما بمزاعم "اختطاف وتعذيب رجلي شرطة في ميدان رابعة"، وبالسجن عشر سنوات أخرى بتهمة "قيادة جماعة إرهابية".

وفي أواخر عام 2014، حكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات، بعد إدانته بتهمة "إهانة المحكمة"، وفي عام 2015 قضت محكمة الجنايات في القاهرة بإعدامه شنقا في "هزلية التخابر" مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)

وحتى اليوم، وصل مجموع الأحكام بحق محمد البلتاجي إلى ثلاثة أحكام بالإعدام والسجن لأكثر من 170 عاما. وفي  14 يونيو 2021 أيدت محكمة النقض المصرية أحكاما بإعدام 12 شخصا بينهم د. البلتاجي في إطار قضية فض اعتصام رابعة العدوية عام 2013، وتعود أحكام هذه القضية إلى عام 2018 حين أقرت محكمة الجنايات بإعدام 75 من أنصار الرئيس الشهيد محمد مرسي، ثم أعيدت الأحكام أمام دائرة أخرى لتنتهي بالحكم على 12 بالإعدام معظمهم من قيادات ورموز الإخوان.

وفي 2 سبتمبر 2013 نشر أدمن صفحة الدكتور محمد البلتاجي، رسالة بعث بها البلتاجي من داخل محبسه في سجن طره يقول فيها: " لن نهون ولن نخون دماء الشهداء ولن نتراجع عن رفض الانقلاب وسنظل ننتسب للقافلة المجاهدة عبر التاريخ".

ونقلت الصفحة عن البلتاجي قوله: "إنه رغم القتل والحرق الذي أصاب إخواننا وأبناءنا، ورغم السجن في عنابر التأديب والحبس الانفرادي في زنازين الإعدام في غرف مصمتة تماما دون تهوية ودون إنارة، ورغم تلويحات التهديد على لسان وزير الداخلية بطلب نخنوخ نقلي إليه وكأنه مدير مصلحة السجون، سنبقى ثوار أحرار هنكمل المشوار"، واستشهد البلتاجي بالآية القرآنية: «وكأيّن من نبيّ قاتل معه رِبِّيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبِّتْ أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين».

وفي 13 نوفمبر 2016 كشفت أسرة د. البلتاجي، عن التعذيب والانتهاكات التي يتعرض لها في محبسه بسجن العقرب شديد الحراسة في جنوب القاهرة، وذلك منذ إلقاء القبض عليه.

وأفادت الأسرة في رسالة أنه تم حبسه في زنزانة انفرادية عبارة عن دورة مياه لمدة شهرين، إلى جانب حبسه في عنبر التأديب في سجن ليمان طره". وأضافت أنه "تم نقل د. البلتاجي إلى سجن العقرب في 12 ديسمبر 2013 ليحبس في عنبر انفرادي في زنزانة لا يدخلها هواء وليس بها كهرباء؛ ما جعله يدخل في إضراب كلي عن الطعام حتى يتم نقله ويعامل كباقي المحتجزين".

وتابعت: "الاعتداءات عليه لم تتوقف، ففي 6 أغسطس 2016، "قام مسؤولان أمنيان بإجباره على خلع ملابسه وتعذيبه وتصويره عارياً"، وفق ما جاء في الرسالة.

وذكرت أسرة البلتاجي أنه "في اليوم التالي لتعذيبه، وفي أثناء حضوره جلسة من جلسات المحكمة تكلم فيها البلتاجي أمام هيئة المحكمة عن التعذيب الذي تعرض له، وبمجرد رجوعه إلى حبسه ثانية دبرت له محاولة اغتيال عرض تفاصيلها أيضاً أمام هيئة محكمة أخرى، ولكن لم تُحرك ساكناً، ولم يُفتح تحقيق بهذه الوقائع"

وأرجعت الأسرة الانتهاكات التي تمارس بحقه إلى تقديمه بلاغ يتهم فيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ومن معه بقتل نجلته الوحيدة أسماء، كما أشارت الأسرة إلى أن البلتاجي ممنوع عنه "دخول الأطعمة والشراب والأدوية من الخارج".

ورصدت الأسرة "اقتحام زنزانته ليلا بصحبة كلاب بوليسية، من قيادات أمنية بارزة، وتعطيل الكهرباء عن الزنزانة، وإصابته جسديا بسبب نشوب حريق مقصود في زنزانته الانفرادية ليلا، في وقت سابق".

واختتمت الأسرة رسالتها قائلة: "لشهور عدة لا نعلم هل هم أحياء أم أموات، حيث الزيارة ممنوعة، بجانب حرمانه من رؤية نجله أنس المعتقل معه من ثلاث سنوات".

رسالة مؤثرة

في 17 يناير 2018 نشر موقع الجزيرة نت رسالة كتبها د. البلتاجي من محبسه الانفرادي بسجن العقرب تحت عنوان "25 يناير.. ثورة أم احتلال أجنبي؟!"، تناول فيها ظروف محاكمته ورفاقه أمام القضاء المصري، والتهم الموجهة لهم. وعلق على ما يروج له الإعلام المصري بأن ثورة 25 يناير تمثل احتلالا خارجيا سهل لـ"الإخوان المسلمين" السيطرة على السلطة في مصر، وهي رسالة كاشفة لمدى صمود البلتاجي وإصراره على مواصلة طريق الثورة، وصولا الى حرية الشعب المصري. وفيما يلي نص أجزاء مؤثرة من الرسالة:

نزلتُ ظهرَ الثلاثاء 25 يناير 2011 -ومعي زوجتي وأولادي جميعا- إلى دار القضاء العالي، ثم إلى ميدان التحرير بقلب القاهرة، وانطلقنا في قلب المسيرات الحاشدة عقب صلاة الجمعة (28 يناير) من أمام مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر متجهين إلى ميدان التحرير، فحاصرتنا الشرطة وأطلقت علينا الرصاص والقنابل بين رمسيس والتحرير فسقط منا شهداء.

حينها كانت ابنتي أسماء (14 سنة يومئذ) وأخوها حسام (9 سنوات يومئذ) يدركان- كغيرهما من آلاف الشباب والفتيات المشاركين في المسيرة- أنهما يسطّران صفحة من أروع صفحات تاريخ مصر الحديث، وأنهما قد يدفعان أرواحهما ثمنا للسطر الذي يكتبانه في تلك الصفحة المجيدة.

جرت الأحداث بعد ذلك تحمل الكثير من الآمال والآلام والنجاحات والإخفاقات، حتى لقيت أسماءُ ربّها برصاص قناصة العسكر في مجزرة رابعة يوم 14 أغسطس 2013، واضطر حسام لمغادرة البلاد مع أمه وإخوته جميعا بعد أن قُتلت أخته وحُبس أبوه، وصار- وهو تلميذ في الصف الثالث الإعدادي- مطلوبا للقبض عليه مثل أبيه وأخيه (أنس)، لكنّ أحدا لم يكن يتصور أن يأتي يوم يقدَّم فيه المشاركون في ثورة 25 يناير إلى حبل المشنقة، بتهمة مساعدة القوات المسلحة الأجنبية التي احتلت أراضي الدولة وأسقطت النظام، وأجبرته بالقوة على تسليم السلطة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين!!

هذا ليس تهويلا لجذب التعاطف الإنساني مع قضيتنا ومظلوميتنا، وليس نزيفا من أثر السجن الانفرادي والتعذيب والحرمان من كل الحقوق لأكثر من أربع سنوات، ولكنها واحدة من أبشع جرائم الانقلاب العسكري الدموي الذي جري في مصر في 3-7-2013... وهي جريمة تزوير التاريخ في محاولة لتغييب وعي المصريين بشأن واحدة من أنصع صفحات التاريخ الحديث، وهي ثورة 25 يناير.

واليوم يعتبر الانقلاب ونظامه الحاكم في مصر بشكل رسمي ثورة 25 يناير "احتلالا أجنبيا"،... يقول النظام ومؤسساته الرسمية إنه جرى في 28 يناير 2011 بالفعل واستهدف إسقاط الدولة المصرية وتسليمها للإخوان.

حين بدأت هذه المحاكمات في يناير 2014 بعد عدة أشهر من الانقلاب تعاملنا مع هذه الرواية الهابطة باعتبارها مسرحية هزلية تهدف لاستمرار حبسنا أطول وقت يمكن ثم تنتهي إلى لا شيء، ولكننا في نهاية المطاف وجدنا أن المحكمة تعلن في نص حكمها "أن المحكمة تطمئن تمام الاطمئنان إلى تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة التي أكدت صحة هذه الوقائع"!

ظللنا طوال المحاكمات نطلق النكات ونحن نسمع ونناقش الشهود من رجال الشرطة والمخابرات ونطرح عليهم الأسئلة: كيف دخل هذا العدد الكبير من المسلحين الأجانب، أكثر من 800 بعرباتهم وأسلحتهم الثقيلة إلى عمق أكثر من 300 كم من الحدود الشرقية ثم عادوا مرة ثانية بعد ارتكابهم كل هذه الجرائم المسلحة وخرجوا دون أن يراهم أحد أو دون أن تصورهم قنوات الإعلام ودون أن يتعرض واحد منهم للقتل أو الإصابة أو القبض عليه أو إحراز مخلفات سلاح أو سيارة أو غيرها من آثارهم؟! هل القوات المسلحة وقيادتها لم تكن على علم بدخول هذه القوات الأجنبية حتى خروجها أم إنها علمت وعجزت عن مواجهتها وصدها أم إنها تواطأت مع المسلحين الأجانب ضد سلامة أراضي ومنشآت الدولة؟!

كيف مرت 200 سيارة عليها أكثر من 800 أجنبي مسلح مدججين بالأسلحة فوق كبري السلام وقناة السويس دون أن يتعرض لهم الطيران المصري بالقصف أو قوات الجيش الثاني الميداني بالاشتباك المتبادل؟!

كيف لم يتم توثيق فضائي أو عسكري أو سياسي أو حتى تحقيق صحفي في هذه الوقائع الخطيرة منذ 28 يناير 2011 حتى 3-1-2013 . ثم ظهرت هذه الاتهامات فجأة بعد الانقلاب العسكري؟ّ!

هل قامت الخارجية المصرية بإبلاغ المؤسسات الدولية بوقوع هذا العدوان – من منظمات رسمية تنتمي لدول شقيقة قريبة (وتشارك في السلطة فيها: حزب الله، الحرس الثوري، حماس)- وهل طالبت الخارجية المصرية بتسليم متهمين في تلك الأحداث؟!

هل اعتبرت القيادة السياسية والعسكرية هذا الذي جرى في البلاد على يد تلك القوات الأجنبية المسلحة (من تدمير وحرق وإتلاف وتخريب وقتل وسيطرة) احتلالا أجنبيا وعدوانا يحتم الرد عليه أم اعتبرته مجرد رحلة سياحية في أراضي الدولة على السلطات المصرية حمايتها وتأمينها وتيسير مهمتها!!

عشرات بل مئات الأسئلة الساخرة ألقيت في وجه الشهود من ضباط الشرطة والأمن الوطني والمخابرات العامة والذين ظلوا في حماية هيئة المحكمة وغياب الإعلام الجاد الحر يعيدون في تفاصيل تلك الرواية الهابطة ويتهربون من الأسئلة وهيئة المحكمة تؤكد حقهم في رفض الإجابات متى شاؤوا، بل كثيرا ماكانت هيئة المحكمة تبادر برفض توجيه السؤال لأسباب رأتها.

ثم أصدرت حكمها بإجماع الآراء وموافقة مفتي البلاد على الحكم بالإعدام شنقا (حضوريا) على 9 من بينهم رئيس الجمهورية المنتخب في الانتخابات الحرة الوحيدة التي جرت في البلاد، وحين عرضت هذه الأحكام على محكمة النقض، قررت في 15-11-2015 نقض الحكم الذي وصفته بالمعيب لما شابه من قصور في التثبت وفساد في الاستدلال، وأكدت محكمة النقض أن تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة لا تصلح أن تكون دليلا كافيا بذاته ولا تعتبر قرينة مستقلة على ثبوت الاتهامات ومن ثم قضت المحكمة بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى.

الآن نعيش مرة ثانية فصول هذه المسرحية الهزلية الهابطة أمام دائرة أخرى تحاكم البعض منا للمرة الرابعة، قاضٍ مخصوص لمتهمين مخصوصين، وهو القاضي الذي قضى باستمرار حبس الأستاذ مهدي عاكف – مريض السرطان ذي التسعين عاما – حبسا احتياطيا مستمرا بالمخالفة لكل الأعراف الإنسانية والقانونية والحقوقية حتى مات موتا غير رحيم، هو أقرب للقتل العمد. وتجري فصول المسرحية الجديدة وسط صمت إعلامي إذ كثيرا ما يستدعي الأمن الإعلاميين الحاضرين بعض الجلسات الهامة عيانا أمامنا، ليعطي التعليمات حول ما ينشر وما لا ينشر.

أردت بهذه الحقائق أن يعلم الشعب المصري الذي لا أشك في وعيه وفطنته أبدا، حقيقة موقف النظام الإنقلابي من ثورة 25 يناير وحقيقة ما وصل إليه حال القضاء المصري في ظل الانقلاب

تجري فصول المسرحية هذه المرة بعد أن جرى تعديل قانون محكمة النقض وتم تشكيل عشرات من الدوائر الجديدة من خارج محكمة النقض، وستكون الأحكام هذه المرة نهائية باتة ننتظر تنفيذها ليهددونا بحبل المشنقة يقترب من رقابنا.

لسنا قلقين من هذه المحاكمات ولا من أحكامها الجائرة المعلومة مسبقا، ولسنا قلقين من التنكيل الذي يتعرض له الأحرار الآن داخل السجون بعد أن تحولت مصر كلها إلى سجن كبير، وليعلم نظام الانقلاب ومساندوه أننا لن نتراجع عن موقفنا من اعتبار ما جرى في 3-7-2013 انقلابا عسكريا دمويا مجرما، جر البلاد إلى هوة سحيقة من الخراب والدمار والأحقاد والثارات والانهيار الشامل في حياة المصريين حاضرا ومستقبلا.

أردت أن يدرك ثوار يناير الذين جمعتهم الثورة العظيمة بكل طيفهم السياسي والوطني ثم فرقتهم الأحداث بعد ذلك حجم التآمر ، ليس فقط على نتائج الثورة ، بل حتى على تاريخها وصفحاتها الوضاءة، لعلنا نستدرك مافات ونعيد الاصطفاف الوطني على قاعدة أكثر صلابة مستفيدين من دروس وأخطاء الماضي التي وقعنا فيها جميعا.

أردتُ ان أضع جميع الأحرار في العالم من سياسيين، حقوقيين، إعلاميين، أكاديميين وغيرهم - أمام مسؤولية أخلاقية تاريخية تمنعهم من الوقوف موقف المتفرج أمام محاكمات وأحكام إعدام ظالمة تطال زمرة سياسية بناء على رواية ملفقة هابطة لأحداث ثورة يناير 2011 التي يعلم العالم حقيقتها.

أردت أن يعلم الجميع أننا سددنا وما زلنا نسدد من أرواحنا ودمائنا وحرياتنا وأولادنا فاتورة ثورة يناير المجيدة،  نقول هذا ليس منة منا على الوطن وعلى الثورة، وإنما فداء للحرية والكرامة التي حلمنا بها وجاهدنا في سبيلها، وحفاظا على مستقبل وطن حلمنا لكل من فيه بالحياة الكريمة العزيزة".

*****

من أقواله:

- "المهم الآن هو كيف نستكمل المسير بما يجعلنا قادرين على تحقيق شعار الثورة الأول (تغيير ــ حرية ــ عدالة اجتماعية).

- "التغيير يجب أن يكون حقيقيا وكاملا وجذريا ولا يسمح بإعادة إنتاج الماضى وهذا يشمل التطهير وإعادة البناء على قواعد جديدة"

- "نحتاج تشريعات تؤسس للسلطة القضائية المستقلة لنطمئن أن تحقيقات النيابة ومحاكمات القضاء  لن تعد تخضع لأية مطالب فوقية أو توجيه من خارج ضمائر القضاة"

- "نحتاج لدور رقابى يطمئن الجماهير بشأن الجديد فى تشكيلات وآداء وصلاحيات الأجهزة الأمنية وكيف نضمن ألا تعيد إنتاج الماضى وألا يكون الأمن الوطنى طبعة جديدة من أمن الدولة"

- "نحتاج لمراجعة موازنة الدولة لتعديل هياكل الأجور والدخول وتحقيق أولويات علاج المرضى وسكن المشردين وتوفير الوظائف والرقى بالعشوائيات بما يحقق العدالة الاجتماعية".