مسلمو أستراليا.. تحديات التغريب تهدد الأجيال الجديدة

الأحد - 4 سبتمبر 2022

  • وزيران من الأقلية المسلمة لأول مرة بعد حضور إسلامي مبكر يمتد لأربعة قرون
  • عام 1963 بُني أول مسجد في ملبورن.. وحاليا يوجد في أستراليا مئات المساجد
  • عدد السكان المسلمين وصل إلى 800 ألف نسمة بما يمثل 3% من إجمالي السكان

 

إنسان للإعلام- خاص

ضمّت حكومة أستراليا الجديدة، التي شكلت في يونيو 2022م،  إلى صفوفها وزيرين من الأقلية المسلمة لأول مرة في تاريخ البلاد، وأديا القسم على القرآن الكريم بعد تنصيبهما.

إدهام نور الدين هوسيك وزير الصناعة والعلوم ذو الأصول البوسنية، وآن عزة علي وزيرة الطفولة والتعليم والشباب ذات الأصول المصرية؛ وهما يمثلان فصلا من رواية طويلة تحكي قصة دخول الإسلام إلى أستراليا.

الموقع والسكان

أستراليا، ورسميًّا: كومنولث أستراليا (Commonwealth of Australia)‏، تقع بأكملها في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وتحيط بها البحار من جميع الجهات، فيحدها المحيط الهادي من الشرق، والمحيط الهندي من الغرب والجنوب، وبحر تيمور من الشمال، وتحيط بها عدة جزر، أهمها وأكبرها جزيرة تسمانيا في الجنوب الشرقي، ويفصل بينها وبين نيوزيلندا في الجنوب الشرقي بحر تاسمان، وتبلغ مساحة أستراليا 7,686,850 كم⊃2;.

وهي تنقسم إلى ست ولايات ومقاطعتين أساسيتين، وتعتبر بلداً يتمتع باستقرار وتنوع ثقافي، وباقتصاد من أقوى اقتصادات العالم، وهي الدولة الوحيدة بحجم قارة، كما أنها أكبر جزيرة في العالم، وتحتل المرتبة السادسة من بين أكبر دول العالم مساحةً.

وعلى الرغم من أن معظم أستراليا مناطق شبه قاحلة، إلا أنها تمتلك مجموعة متنوعة من البيئات، وهي تصنف ضمن البلدان ذات التنوع الحيوي الشديد وذات المناخات المتعددة نظراً لمساحتها الكبيرة.

سكان أستراليا هم مهاجرون أو من ذرية مهاجرين قدموا إلى أستراليا من 200 بلد منذ إنشاء بريطانيا العظمى لأول مستوطنة عام 1788، وفي عام 1945 قدر عدد سكان أستراليا بحوالي 7 ملايين نسمة، معظمهم من البريطانيين والأيرلنديين والأسكتلنديين، ومنذ ذلك الحين استقر في أستراليا أكثر من 6.5 مليون مهاجر، ويبلغ عدد سكان أستراليا حوالي 26 مليون نسمة حاليا، و وفق إحصاءات عام 2021، وصل عدد السكان المسلمين إلى نحو 800 ألف نسمة، بما يمثل نحو 3% من إجمالي عدد السكان.

لا ديانة رسمية للدولة

ليس لأستراليا ديانة رسمية، حيث تمنع المادة 116 من الدستور الأسترالي الحكومة الاتحادية من تأسيس أي ديانة، أو فرض أي شعائر دينية، أو منع حرية ممارسة أي دين.

 وفي إحصاء عام 2011 كان 61.1% من الأستراليين نصارى، وعرَّف 22.3% من السكان أنفسهم على أنهم لادينيون، وعرَّف 7.2% أنفسهم على أنهم: 2.5% بوذيون، و2.2% مسلمون، و1.3% هندوس، و0.5% يهود، ولم تقدم النسبة المتبقية (9.4%) إجابة ملائمة على هذا السؤال، وفي عام 2016 زادت نسبة المصرحين باللادينية إلى 30.1%، واختار 9.6% آخرون ألا يجيبوا عن سؤال الدين.

أرض خصبة للدعوة

رغم ذلك، تعتبر أستراليا أرضاً خصبة للدعوة الإسلامية، ولكن الأقلية المسلمة هناك تعاني من مشكلة الهوية الإسلامية المعرضة للذوبان، خصوصاً لدى الجيل الثاني من أبناء المسلمين، وبخاصة فيما يتعلق بالقوانين الأسرية والقوامة على الزوجة والأبناء وحق الطلاق، وغير ذلك من القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية، هذا إلى جانب الإعلام بما فيه من مساوئ تستقطب الجيل الثاني في بلاد المهجر.

والمسلمون في أستراليا أحد التجمعات الإسلاميّة المهمة في الخارج، وهذه الأقلية لها وضعها المتميّز ودورها الفعّال، والإسلام في أستراليا له وجود ظاهر وضارب في القدم، فالمساجد شُيّدت هناك قبل دور العبادة الأخرى، وهي قديمة وتاريخيّة، بِنيت في غرب أستراليا مع بداية اكتشاف الإنجليز لهذه القارة، وعدد المساجد كان في عام 1982م لم يكن يتجاوز 20 مسجداً، بينما وصل الآن إلى 50 مسجدا جامعا ومئات المساجد الصغيرة والمراكز الإسلاميّة التي تؤدي دورها في المجالات الدينيّة والدنيويّة، وإرشاد المسلمين لما فيه الخير.

وعندما اكتشف الإنجليز أستراليا منذ قرابة 200سنة استعانوا ببعض الأفغان الذين يجيدون رعاية الإبل ليساعدوهم في اكتشاف المناطق المجهولة في القارة الواسعة، وكان من بين هؤلاء الأفغان سبعة مسلمون يرجع الفضل إليهم - بعد الله - سبحانه - في انتشار الإسلام بالقارة، وقد تكاثر المسلمون وبنَوا لأنفسهم مسجداً في مدينة "أولايد" جنوب أستراليا عام 1889م، إلا أنّ هؤلاء المسلمين بدؤوا في الذوبان في المجتمع الأسترالي، ولم يجدوا ما يقاومون به التيار الغربي والمجتمع الأسترالي صاحب العادات والتقاليد البعيدة عن الإسلام.

بداية الهجرات الإسلامية

أما أوائل المسلمين الأستراليين فقد وصلوا إلى شمال أستراليا في القرن 16م، أي قبل استيطان الأوروبيين هناك، وقد كانوا مجموعات من المسلمين الإندونيسيين الذين جاؤوا لممارسة أعمال الصيد، وتبع ذلك وصول أعداد من مسلمي الهند وباكستان وتركيا ولبنان وألبانيا، ممن هاجروا إلى أستراليا بعد الحرب العالمية الثانية.

ثم عرفت أستراليا الإسلام مرة أخرى في عام 1840 (أو 1850، أو 1860 في مصادر) مع وصول المستعمرات الغربية للمنطقة، حيث أراد المستعمر الإنجليزي استكشاف الصحراء الأسترالية الشاسعة من أجل استغلال ثرواتها، فاستخدم الإنجليز المسلمين الأفغانيين والباكستانيين لنقل البضائع وتشييد الطرقات، وكان يقدر عددهم في عام 1931 بنحو 393 رجلًا.

ثم تتابعت هجرات المسلمين إلى أستراليا بعد ذلك منذ عام 1916، واستمرت حتى بداية الحرب العالمية الثانية، ثم توقفت، واستؤنفت بعد ذلك بأعداد كبيرة منذ عام 1954.

وقد تزامن نشاط المسلمين الأفغان مع إنشاء سلسلة المدن والمساجد التي شيدوها عبر طريق القوافل التي سلكوها داخل أستراليا، والتي أطلق عليها “غان تاونز”، واتخذ المسلمون الأفغان مدينة أديلايد في جنوب أستراليا مركز تجمع لهم، وأسسوا هناك المساجد الإسلامية المعروفة حتى الآن، ومنها مسجد بيرث الذي أسس سنة 1910.

وفي أوائل القرن العشرين الميلادي جاءت الموجة الثالثة من المهاجرين المسلمين إلى أستراليا، وقد شهدت تلك المرحلة بشكل لافت هجرة مسلمي ألبانيا، وكان من آثار هذه الهجرة بناء الألبان أول مسجد في شيبارتون فيكتوريا سنة 1960، وقد بنى الألبان أيضاً أول مسجد في ملبورن سنة 1963، وكذلك وصل لأستراليا في تلك المرحلة المسلمون البوسنيون الذين كان لهم نشاط فعال في المجتمع الإسلامي الأسترالي، في حين ضعفت نسبة المهاجرين المسلمين من أصول غير أوروبية في ذلك الوقت.

تعداد الجالية الإسلامية

في خبر نشر عام 2014 ظهر أن نسبة المسلمين في أستراليا هي حوالي نصف مليون مسلم (2%)، وفي تعداد عام 2016 ظهر أن 54.6٪ من الأستراليين نصارى، وكان نصيب الأقلية المسلمة 2.6٪.

 وفي حوار أجري مع مفتي المسلمين في أستراليا عام 2002 ذكر أن "تعدادهم رسميًّا يتجاوز 700 ألف مسلم عن طريق إدارة الهجرة، ولكنهم أكثر بكثير، خاصة بعد الهجرة الأخيرة لمسلمي الشيشان والبوسنة والعراق وبقية البلاد الإسلامية"، وقد وصل المسلمون من حملة الجنسية الأسترالية في عام 2001 إلى 36% من إجمالي المسلمين، يليهم اللبنانيون (10%)، ثم الأتراك (8.5%)، ثم حملة جنسيات أخرى متعددة.

وفي أستراليا الكثير من المساجد التي تتمركز في المدن الكبرى، يضاف إليها الكثير من المصليات أيضاً، وتوفر معظم الجامعات والمستشفيات الكبرى غرفاً خاصة لأداء الصلاة، وتنظم معظم المساجد في أستراليا دورساً دينية وحلقات لتحفيظ القرآن الكريم ودروساً في اللغة العربية لأطفال المسلمين.

أنشطة وتكتلات وتحديات

تأسست أول جمعية إسلامية في أستراليا في الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي، في ولايتي فكتوريا ونيوساوث، وسجل أول نشاط للجمعية الإسلامية في فكتوريا في عام 1957، والتي جمعت المسلمين من مختلف العرقيات العربية والتركية والهندية وغيرها، إلى أن استقل الأتراك عنها بتأسيس جمعية خاصة بهم في منطقة كوبرق في عام 1971، ومن أشهر المجلات الإسلامية في أستراليا: مجلة سلام، التي يصدرها اتحاد رابطة الطلبة والشباب المسلمين في أستراليا، ومجلة نداء الإسلام، التي تصدرها حركة الشباب الإسلامي.

وقد اهتمت كل جنسيّة بالمحافظة على هويّتها بعدة طرق مثل: إنشاء المدارس والجمعيّات الإسلاميّة، كالجمعيّة الإسلاميّة التركيّة، والمصريّة، والهنديّة. ويمثل هذه الجمعيّات على مستوى الولاية مجلس إسلاميّ يضمّ مندوبين عن هذه الجمعيّات، وعلى مستوى أستراليا كلها يجمع هذه المجالس مجلس أعلى هو "الاتحاد الأسترالي للمجالس الإسلاميّة" الذي يعتبر الممثل الرسمي لعموم المجالس الإسلاميّة لدى الحكومة الأستراليّة، ويحصل على إعانات حكوميّة لتنمية المجتمع الإسلاميّ هناك، كتعيين الأئمة وصرف رواتبهم، والمساهمة في بناء المساجد والمدارس، والقيام ببعض الأنشطة الإسلاميّة للطلاب المسلمين داخل المدارس الأستراليّة.

وبالإضافة إلى هذه المجالس هناك عدة جماعات إسلاميّة تحاول المحافظة على الهويّة الإسلاميّة، على رأسها "جماعة التبليغ والدعوة" التي تتخذ من المساجد مركزاً لنشاطاتها، وهناك كذلك "اتحاد الجماعة الإسلاميّة"، وكان يُعرف قبل عدة سنوات بالاتحاد الأسترالي لجمعيّات الطلاب المسلمين، ويتكون في أغلبه من جمعيّات الطلبة المسلمين في المدارس والجامعات الأستراليّة، وبالأخص الطلاب الماليزيين. ولهذه الجماعة أنشطة متعددة خاصة في مجال إحياء المناسبات الدينيّة داخل المجتمعات الطلابيّة.

ومن المشكلات التي تواجه تلك المجالس والجماعات ضعف التنسيق والتعاون المشترك فيما بينها، وتقوقع كل جنسيّة على نفسها إلى حد كبير. إضافة إلى ذلك هناك مشكلة ضعف الكوادر الإسلاميّة المؤهلة للعمل في المجال الدّعوي، خاصة تلك التي تتقن اللّغة الإنجليزيّة حتى تتمكن من تعليم مبادئ الإسلام واللغة العربيّة للأجيال المسلمة التي تعاني ضعفاً شديداً في ذلك.

مستقبل الدعوة الإسلاميّة

ومستقبل الدعوة الإسلاميّة في أستراليا يبشر بالخير إلى حد كبير، فأستراليا قارة تتبنى سياسة التعدّد الحضاري الثقافي، ورغم كثرة الأديان هناك إلا أنّ الحكومة لا تعترف إلا بالمسيحيّة والإسلام واليهوديّة والبوذيّة. والتعدّد الحضاري والثقافي، ووجود حريّة العبادة يعطي المجال للداعية الإسلاميّ لنشر الدين الحنيف والعلوم والمفاهيم الإسلاميّة بين السكان، خاصة مع حرية العمل الدعوي، ووجود التآلف بين جميع المسلمين، وتوحيد طوائفهم لخدمة الإسلام والمسلمين، ونشر الدعوة، ولذلك تعتبر أستراليا من أفضل وأنسب بلاد العالم صلاحيّة وخصوبة وملاءمة لبيئة الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى -، وهي تشهد بفضل الله - تعالى -صحوة دينيّة دعويّة فكريّة قلما تشهدها دولة من الدول، وهذه الصحوة أثمرت عن زيادة المقبلين على الإسلام الذين يتزايد عددهم كلّ يوم.

فآلاف الأستراليّين دخلوا الإسلام، وحسُن إسلامُهم، وازداد يقينهم بالله على الرغم من شدة التحدّيات الصليبيّة والصهيونيّة في مواجهتهم، وأعداد هؤلاء تزداد يوماً بعد يوم ببركة الإسلام، وجهود الدعوة، وهم يعتزون بإسلامهم، وقد أصبحنا نرى المرأة المسلمة تسير في شوارع أستراليا ملتزمة بالزيّ الإسلاميّ بكل عزة وفخر بعد أن كانت تستحي من إظهار إسلامها، ومع هذه الصحوة الإسلاميّة زاد الإقبال على المساجد، وخاصة المركز الإسلاميّ في "سيدني"، وهناك آلاف المصلين رجالا ونساء يشاركون في صلاة الجمعة، ويحرصون على حضور الدروس الدينيّة.

المصادر:

  • الجزيرة نت، الحكومة الجديدة ضمت وزيرين مسلمين لأول مرة.. قصة دخول الإسلام أستراليا، https://bit.ly/3TGTaQ3
  • المستودع الدعوي الرقمي، أستراليا، https://dawa.center/country/AU
  • مداد، أحمد أبو زيد محمد، مسلمو أستراليا وخطر ذوبان الهوية، https://bit.ly/3BdOABK
  • ويكيبيديا، الإسلام في أستراليا، https://bit.ly/3ARAPY5