مسلمو الغابون... نجاحات سياسية كبيرة

الخميس - 26 مايو 2022

  • اعتناق الرئيس "بنجو" الإسلام حقق صعودا سياسيا للمسلمين رغم أنهم أقلية
  • الغابون عضو في منظَّمة التعاون الإسلامي منذ عام 1974
  • يحقُّ للأقلية المسلمة بثُّ البرامج الدينية مرة أسبوعيا على قناة الدولة
  • إقبال كبير على اعتناق الإسلام بين الوثنيين والمسيحيين رغم حملات التنصير الشرسة

 

تشير التقديرات إلى أن وصول الإسلام إلى دولة الغابون الواقعة على الساحل الغربي الأوسط لقارة أفريقيا كان في القرن الحادي عَشَرَ،عن طريق مجموعات دعوية من المرابطين والموحدين المغاربة.

قام المرابطون والموحدون  ببناء المساجد والزوايا، والمراكز الإسلامية مناطق التجمعات البشرية، لاسيما على ضفاف نهري أجوى والغابون. واستمروصول الدعاة إلى الغابون حتي ضعف سلطان المسلمين في شمال إفريقيا.

وفي منتصف القرن التاسع عشر عاد الإسلام مع الجنود السنغاليين من قبائل المولوف والتوكولور المسلمين، الذين كانوا مندمجين في القوات الفرنسية، كوحدات وطنية تحت قيادة ضباط فرنسيين، وقد عسكر هؤلاء في ليبرفيل، وكان بعض هؤلاء الجنود بعد اتمامهم مدة الخدمة العسكرية يفضلون الاقامة في الغابون للاشتغال بالتجارة في المراكز التي توجد بمحاذاة نهر أوجوي.

 وقد تزوج بعض هؤلاء الجنود بالمسيحيات وكان الأطفال ينشأون بين الاسلام والمسيحية.

 كما استمر وصول الجنود المسلمين، من مالي و السنغال سنين طويلة حتى الحرب العالمية الثانية، وكان يعود بعضهم الى أوطانهم بعد فترة الخدمة والبعض يبقى في الغابون، وبواسطة هؤلاء الذين استقروا في الغابون انتشر الاسلام، وبدأ يتزايد.

انتشار الإسلام بعد الاستقلال:

وبعد الاستقلال هاجر العديد من المسلمين من مالي، وبنين والسنغال.  وفي عام 1973م اعتنق رئيس الجمهورية السابق "البرت برنارد بونجو "، المولود عام 1935م، الإسلام وسمي نفسه" عمر بنجو" وأسلمت معه أسرته ومعظم أفراد قبيلة البنجوى، فأصبح هناك عدد كبير من الوزراء المسلمين بالغابون.

وفى عام 2004، عُقد فى  مدينة  "ليبرفيل" العاصمة، أول مؤتمر لمسلمى الغابون؛ بهدف الترويج للإسلام بوصفه ديناً يجسد التسامح والوحدة، من خلال الممارسات والتنظيم الملموس.

 وصدر عن هذا المؤتمر ميثاق الديانة الإسلامية وقرار بإنشاء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى الغابون، وهو مؤسسة تُوحّد جميع المسلمين الغابونيين.

ووقّع خلال المؤتمر رؤساء 34 منظمة إسلامية غابونية على الاتفاق لإجراء أعمال منسقة.

وفى عام 2018، أعلنت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، مدينة " ليبرفيل" عاصمة الغابون، عاصمة الثقافة الإسلامية، لتكون فرصة لتقديم صورة عن التنوع والغنى الثقافى للمدينة واكتشاف ثقافتها، كما كانت تلك السنة مناسبة لتعريف المجتمع الدولى بالقيم التى ينطوى عليها تاريخ المدينة.

ويُعد الإسلام دين الأقلية فى الغابون، حيث تبلغ نسبة المسلمين ما يقرب من 12%، ويعيش 90٪ من المسلمين بالعاصمة وبعض المدن الريفية، وهم فى الغالب من المهاجرين من دول غرب أفريقيا.

ورغم أن النصرانية، هى دين أغلبية السكان في الغابون، إلا أن الدولة عضو في منظَّمة التعاون الإسلامي منذ عام 1974م.

وبغضِّ النظر عن العلاقات الاقتصادية والتطويرية مع الدول العربية الغنية، فإنَّ إسلام الرئيس الغابوني، عمر بونغو في سنة 1973م، كان سببًا فعَّالًا في دخولها منظَّمة التعاون الإسلامي، حيث أثمرت العلاقات الاقتصادية ثمارًا سياسية؛ ووقفت الغابون بجانب الدول الإسلامية في قضاياها في المحافل الدولية؛ مثل القضية الفلسطينية.

وبعد إسلام رئيس الدولة، تحسَّنت أوضاع الأقلية المسلمة وقَوِيت مكانتهم في الدولة؛ حيث حكم عمر بونغو البلاد حتى وفاته في عام 2009م، ثم استلم ابنه "علي" الحُكم من بعده.

والحكومة الغابونية تحتفل بالأعياد الإسلامية بوصفها أعيادا وطنية مثل اليوم الأول من رمضان وعيد الفطر  وعيد الأضحى، وهي عُطَل رسمية في البلاد.

 ويحقُّ للأقلية المسلمة بثُّ البرامج الدينية مرة واحدة في الأسبوع على قناة الدولة، وهذا الحقُّ يستخدمه المسلمون في إذاعة خطبة الجمعة.

ومعظم المسلمين فى الغابون من السنة، ويتبعون المذهب المالكى، وهناك نسبة من الشيعة أيضاً.

عدد لا بأس به من المساجد

يوجد عدد لا بأس به من المساجد والمدارس الإسلامية المُلحَقة بها في مدن الغابون وقراها، وفي مقدِّمتها العاصمة ليبرفيل التي تحتضِن أكثر من 10 مساجد، أشهرها مسجد المَلِك الحسن الثاني، فضلاً عن مركز إسلامي كبير، وهناك عدة مساجد في أكبر موانئ البلاد بورت جنتيل، وتوجد مساجد في معظم القرى والمدن، غير أن الملاحَظ أن أغلبَ هذه المساجد حالتها غير جيدة؛ فهي قديمة وبالية إلا القليل منها، وهو ما يتطلَّب تدخُّل الدولة والجمعيات الخيرية الإسلامية لتطوير وترميم هذه المساجد.

الهيئات والمؤسسات الإسلامية:

يوجد بالغابون أكثر من 10 هيئات ومؤسسات إسلاميَّة، منها: الجمعية الإسلامية، والجمعية الثقافية، والرابطة الإسلامية العالمية، والمركز الإسلامي بالغابون، والوِكالة الإسلامية الإفريقية، والمركز الثقافي الإسلامي المُلحَق بمسجد الحسن الثاني بالعاصمة ليبرفيل، وتتنوَّع أنشطة هذه المنظمات بين دعم الدعوة الإسلامية، وبين إعداد الدعاة والأئمة والخطباء وتقديم الدعم لهم، وتُعقَد اجتماعات مشترَكة لهذه المنظمات لتنسيق العمل فيما بينها، ومنْع التضارب بين أنشطتها؛ لضمان توظيف إمكاناتها المالية المتواضِعة لخدمة الدعوة.

ويعتبر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الهيئة الرئيسية في البلاد، والمنوط به رعاية مسيرة الدعوة الإسلامية؛ عبر إمداد المساجد الموجودة في أغلب مدن البلاد بالأئمة والخطباء ومقيمي الشعائر، وإقامة ندوات وفعاليات لتنمية الوعي الديني للمواطنين، بالإضافة لإعداد الطلاب لاستكمال دراساتهم في الجامعات الإسلامية الكبرى طبقًا لنظام المنح أو التكفل بنفقاتهم؛ سعيًا لاستكمال النقص الكبير في أعداد الدعاة القادرين على تنشيطِ الدعوة في طول البلاد وعرْضها، والتنسيق مع الهيئات المناظِرة لها في العالم الإسلامي، وكذلك إعلان بدايات الأشهر العربية والأعياد وشهر رمضان، وترخيص مؤسسات اللحم الحلال.

الغزو التنصيرى:

المنظمات التنصيرية وصلت إلى الغابون في صُحبة الاستعمار الفرنسي، وسعى المنصِّرون لأكثر من مائة عام لاستهداف المسلمين والوثنيين، ورغم الظروف الصعبة لم تنجح بعثاتُ التنصير في تحقيق شيء ذي أهمية في صفوف المسلمين خلال قرن، رغم تنوُّع انتماءاتها، وفي مقدمتها الرابطة الوطنية الإنجيلية، ومنظمة أطباء بلا حدود، وبلاك الكنسية، وجمعية تبشير الكنيسة الإنجيليكانية، وشهود ياهوا، وجمعية تنصير الشباب، ومجلس الكنيسة المسيحية الأمريكية.

 واقتصرت نجاحات هذه المنظمات على إغراء آلاف الوثنيين باعتناقِ المسيحية، غير أن جهودهم تلقَّت صدمةً كبيرة؛ بعد إعلان الرئيس السابق عمر بنجو اعتناقه الإسلام ومعه عدد كبير من قبيلة البانجوي، وفشَلِ سياسات تهميش المسلمين التي تبنَّاها الاستعمار الفرنسي لمدة طويلة وبعد سيطرة المنظَّمات التنصيرية على المؤسسات التعليمية لعقود طويلة، ومحاولتها صبغ المواطنين بالصِّبغة العلمانيّة الفرانكفونية.

لهذا السبب، رفضت الأغلبيةُ من المسلمين، إلحاق أبنائها بالمدارس الكاثوليكية، وفضَّلوا الأمية الدينية على تلقِّي علومهم في هذه المدارس؛ خوفًا على هويتهم، وهو ما أثَّر بالسلب على وعيهم الديني، رغم الجهود التي قامت بها بعض المؤسسات الإسلامية الداخلية والخارجية على حدٍّ سواء لإصلاح هذه الأوضاع، لا سيما بعد اعتناقِ الرئيس الراحل عمر بونجو، وقراره انضمام الغابون لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وقطْع العلاقات مع إسرائيل، وهي الحِقبة التي شهِدت إعادة الاعتبار للهُويَّة الدينية لمسلمي الغابون، ورفع القيود عن مدارسهم ومؤسساتهم الدينية.

التحديات:

هناك صعوبات تُواجِه الدعوة الإسلامية؛ نتيجة الضغوط التي عانتْ منها البلاد لسنوات طوال، ومن هذه التحيات:

  1. واجه التعليم الإسلامي في الغابون حملة شرسة في ظل الاستعمار الفرنسي، فى ظل صبغ البلاد بالصبغة الفرنسية الثقافية .
  2. اقتصار التعليم الإسلامي على تعليم القرآن الكريم، ومازالت المدارس الإسلامية تحتاج إلى الكتب الإسلامية باللغة الفرنسية .
  3. تدنى المستوى الاقتصادى لدى نسبة كبيرة من المسلمين.

متطلبات:

  • الحاجة شديدة لدُعاة مؤهَّلين، يتمتَّعون بقسطٍ وافرٍ من الثقافة الإسلامية ويُجيدون اللغة الفرنسية؛ حتى ينجحوا في التواصل مع الأغلبية المسلمة .
  • ضرورة إنشاء عدد كبير من المدارس الإسلامية ومدِّها بالكوادر المؤهَّلة، مع التوسع في تقديم مِنحٍ لأبناء الغابون لاستكمال دراساتهم في الجامعات الإسلامية الكبرى، ومن ثَمَّ العودة للقيام بدَورٍ دعوي مهمٍّ تحتاجه البلاد بشدة.

مستقبل الإسلام:

رغم الأوضاع المعقَّدة التي يُعاني منها المسلمون، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، فإن كل الدلائل تُشير إلى أن المستقبل مبشِّر؛ فهناك إقبال على اعتناق الإسلام بين صفوف الوثنيين وبعض النصارى؛ بفضل قوَّته الذاتية، ومخاطبته لعقل ووِجدان الأفارقة، ولكن هذا الأمر مشروط بوجود اهتمامٍ عربي وإسلامي، وتنشيط جهود بعض المؤسسات الإغاثية الإسلامية والعربية، ومنها رابِطة العالَم الإسلامي، ولجنة مسلمي إفريقيا، وجمعية الدعوة الإسلامية العالميَّة، وبعض الجهود الدعويَّة للأزهر الشريف والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر.

وبمزيد من الاهتمام يمكن تنشيط مسيرة الدعوة الإسلامية بشكل يضع الإسلام في المكانةِ التي يستحقُّها.