مسلمو كرواتيا..اعتراف قانوني ودستوري وحقوق متساوية

الأحد - 27 فبراير 2022

  •  يتمتع مسلمو كرواتيا بوضع جيد مقارنة بالأقليات المسلمة الأخرى في أوروبا
  • حضور جيد للمسلمين في المجتمع الكرواتي رغم إن نسبتهم لاتتجاوز 1,5%
  • الاعتراف الرسمي بالإسلام حافظ على هوية المسلمين رغم الحملات الشرسة

 

 

تقع كروتيا -وهي جمهورية برلمانية- تقع في جنوب شرق أوروبا، يعيش فيها المسلمون منذ قرون.

دخل الإسلام كرواتيا متزامنًا مع الفتح العثماني لمنطقة البلقان؛ بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، حيث نشبت حرب طاحنة بين العثمانيين وسكان هذا البلد، لا سيما في منطقة سلافونيا الشرقية.

 ورغم تمكن الفتح العثماني من إخضاع بعض أراضي كرواتيا، إلا أنها لم تخضع بشكل كامل لهذا الفتح، فالعاصمة زعرب مثلاً لم تَسقُط يومًا في يد الأتراك، الذين تمكَّنوا من السيطرة على مناطق لماشيا والساحل الأدريتاكي لكرواتيا وعدة مناطق أخرى.

وحصل الاعتراف بالإسلام كدين رسمي في كرواتيا، خلال احتلال الإمبراطورية النمساوية-المجرية للبوسنة والهرسك عام 1878 وضمها إلى أراضي الإمبراطورية في العام 1908؛ وأصبح مسلمو البوسنة والهرسك، أولى الجماعات المسلمة المُعترف بصفتها الدينية في المجتمعات الأوروبية الحديثة.

وقد عملت الإمبراطورية النمساوية-المجرية على احترام التقاليد التي نشأ عليها معتنقو الإسلام، وكذلك فعلت في تعاملها مع مسلمي كرواتيا؛ فوضعت لذلك الأسس القانونية والاعتراف بالإسلام  كدين، وبذلك اكتسب مسلمو البوسنة والهرسك ومسلمو كرواتيا، حقوق المواطنة.

ولم تكن تجربة كرواتيا التاريخية مع الإمبراطورية العثمانية العامل الوحيد الذي قرب المسافات بين الكروات والإسلام، فقد ساهمت مجموعة من العوامل في تعزيز موقف المسلمين في البلاد ودفعهم إلى الاندماج في المجتمع الكرواتي، ومن أهمها:

ا- اعتراف قانون البلاد منذ 1916 بالإسلام كدين رسمي:

فقد وافق برلمان البلاد، في 27 إبريل 1916، على قرار سلطات الإمبراطورية النمساوية-المجرية بالاعتراف بالإسلام كدين رسمي، كما ضمن الدستور منذ ذلك التاريخ حماية الأقليات القومية "من أي نشاط يُعرضهم للخطر أو قد يُعرض وجودهم للخطر" ونص على أن "أي تمييز على أساس الانتماء إلى أقلية قومية محظور".

2- دور سائل الإعلام الرسمية فى نشر ثقافة احترام تقاليد الأقليات بشكل عام.

3- الاتصال الفعّال بين الحكومة والأقليات.

وأدى انفتاح أصحاب الحكم في البلاد على الدين الإسلامي خصوصًا، إلى تقبلهم إياه كواحد من مكونات الهوية والثقافة الكرواتية.

وعلى سبيل المثال في عام 2010، رفضت بعض إدارات الشرطة إصدار رخص قيادة بها صور لنساء يرتدين الحجاب لأن القانون الكرواتي لا يسمح بذلك، فاقترح وزير الداخلية تغيير القانون، وأقر البرلمان ذلك، والآن يُسمح لجميع النساء اللواتي يغطين رؤوسهن لأسباب دينية بالحصول على مثل هذه الصور على رخص القيادة دون أي عواقب أو مشاكل.

خارطة الوجود الإسلامي

يشكل المسلمون حوالي 1.5 ٪ تقريبا من سكان كرواتيا البالغ عددهم حوالى 4و5 مليون نسمة.

ويعتبر الإسلام هو ثاني أكبر الأديان في كرواتيا بعد المسيحية مقارنة بـ 91.06% من المسيحيين ثم 4.57% من اللا دينيين والملحدين والمنكرين والمشككين وغيرهم.

وينتمي مسلمو كرواتيا إلى قوميات مختلفة، حيث تعود أصول 60% منهم إلى القومية البوشناقية، وهي أكبر ثاني أقلية قومية في كرواتيا، وغالبًا ما يُعرّف أصحابها أنفسهم على أنهم مسلمون أو بوسنيون، في حين تبلغ نسبة الذين ينتمون إلى القومية الكرواتية نحو 15% من المسلمين، وهي النسبة التقريبية للقومية الألبانية، بينما تحتل قومية غجر الروما المرتبة الرابعة وذلك بنسبة 8%، أما الأقليات الأخرى فتتوزع بنسب ضئيلة إلى القوميات العربية والتركية والفارسية.

ويعتبر المسلمون الذين ينتمون إلى القومية البوشناقية هم الفئة الأكثر اندماجًا وبروزًا في الحقل المهني والاجتماعي مقارنة مع المسلمين الألبان والغجر.

المساجد:

بني أول مسجد في كرواتيا عام 1969.

 أما اليوم فهناك 4 مساجد كبيرة داخل كرواتيا، ومركزان إسلاميان في كل من زغرب ورييكا.

ويوجد فى العاصمة الكرواتية زغرب واحد من أكبر وأجمل المساجد الجديدة في أوروبا، وقد تأسس منذ عام 1987، كما تم افتتاح مسجد جديد في رييكا بحلول مايو 2013.

 كما تم بناء مسجدين جديدين في كل من أوسييك وسيساك ومسجد آخر يجري النظر في تشييده في كارلوفاتش.

ويحاول المسلمون في الوقت الحالي بناء مسجد في رييكا،  كما يعتزم المسلمون بناء مسجد في دوبروفنيك على قمة الجبل خلف البلدة القديمة، ويخطط المجتمع المسلم أيضا لبناء مسجد في أوسييك وسيساك.

الهيئات الإسلامية:

تُعد منظمة المجتمع الإسلامي في كرواتيا، المنظمة الرئيسية للمسلمين هناك،  وهي مُعترف بها رسميا من قبل الدولة، أما رئيسها فهو العزيز أفندي حسانوفيتس. 

ويحظى الإسلام في كرواتيا منذ عام 1916 باعتراف السلطات الرسمية، ويعود ذلك إلى تبني البرلمان الكرواتي قرار سلطات الإمبراطورية النمساوية-المجرية عام 1912؛ ومنذ ذلك التاريخ والجمعية الإسلامية في كرواتيا تعمل ضمن إطار مؤسسي متواصل.

ولم تتعرض هوية الجمعية الإسلامية أو وحدتها منذ 1916 إلى أية تهديدات، ولا توجد أية مؤسسات موازية تجرأت على منازعتها سلطاتها أو شرعيتها ومشروعيتها المكتسبة.

الحضور التاريخي

استمر المسلمون الكروات في الحفاظ على تقاليدهم في اتباع المذهب الحنفي الموروث عن الإمبراطورية العثمانية.

وكان البوشناق قد شرعوا في الهجرة من كرواتيا بشكل مكثُف بحثًا عن فرص تعليم جامعي أفضل لأبنائهم، وعن فرص عمل تفتح أمامهم آفاقًا أوسع ليتمكنوا من العودة لاحقًا إلى كرواتيا، ويواصلوا تأكيد حضورهم التاريخي فيها -والذي يعود إلى حقبة العصور الوسطى- رغم محاولات طمسه قسرًا خلال القرن الثامن عشر.

وسجّل وجود المسلمين في كرواتيا حضوره التاريخي قبل أن تعرف دول أوروبية أخرى هذا الدين ومعتنقيه على أراضيها، فضلاً عن أن مأسسة الإسلام ودرجة اندماج المسلمين في المجتمع الكرواتي كانت جلية الوضوح.

 وعلى خلاف الأقليات المسلمة الأخرى في أوروبا، فإن البوشناق قريبون جدًا، على المستوى الثقافي، من كل الشعوب المجاورة لهم؛ فاللغة لا تختلف عمليا عن لغات الشعوب الجارة لهم، وتنتمي إلى الأصول الجنوب سلافية المشتركة، كما أن كل تلك الشعوب عاشت نفس التاريخ، وخضعت لسلطة إمبراطوريتين تختلفان كليًا حضاريًا وثقافيًا (الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية-المجرية)، وقد تركت تلكما الثقافتان آثارهما النسبية في حياة الشعبين البوشناقي والكرواتي.

ويذكر التاريخ الكرواتي لمواطنيه المسلمين مشاركتهم العسكرية والمدنية في الدفاع عن بلادهم خلال الاعتداء الصربي (1991-1995)، ومساندتهم لشعبها كونهم جزءًا من هذه الأرض، وهي المحطة التي ساهمت -بلا شك- في الاعتراف بوجودهم وتثبيت وضعهم القانوني، ولا سيما من خلال مؤسسة الجمعية الإسلامية التي عقدت اتفاقًا مع الحكومة حددت فيه نسبة مساهمة الدولة في دعم التعليم الديني في المدارس، إضافة إلى جبهة العمل الديمقراطية المختصة بالنشاطات السياسية.

وبعد مشاركتهم الفعلية، عسكريًا ومدنيًا في الدفاع عن كرواتيا، ومساندتهم لشعبها خلال الاعتداء الصربي بين 1991 إلى 1995، ركّز مسلمو كرواتيا اهتمامهم على تنميتهم الذاتية وتأسيس مؤسسات قومية بوشناقية، وانخرطوا في كفاح مستمر ينشدون اعترافًا كاملاً بحقوق أقليتهم وتثبيت وضعهم القانوني، وتحقيق اندماجهم الكامل في النسيج الاجتماعي الكرواتي.

انفتاح المتبادل بين الحكومة والمسلمين:

تظل الحكومة الكرواتية منفتحة على اندماج المسلمين في المجتمع الكرواتي ، وهناك تطلعات مماثلة من قبل الجالية المسلمة في كرواتيا للاندماج، حيث تقدم الجالية المسلمة في كرواتيا نموذجًا مقنعًا للدول الأوروبية الأخرى.

كما تجنبت كرواتيا إثارة المشاعر المعادية للإسلام ، على عكس دول أوروبا الوسطى الأخرى، على الرغم من وجود اعتداءات عنصرية في بعض الأحيان ضد المسلمين ، إلا أنها كانت حوادث فردية.

وينص الدستور الكرواتي على حقوق متساوية بغض النظر عن الدين ويحظر التحريض على الكراهية الدينية.

وتعترف كرواتيا  بالزواج الديني، وتعترف وزارة التربية والتعليم بالشهادة الممنوحة من المدرسة الثانوية للجالية المسلمة في زغرب، كما يمنح المسلمون إجازات مدفوعة الأجر للاحتفال بشهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، ويُسمح لهم بحضورة صلاة الجمعة ثم العودة إلى العمل.

المؤسسات والهيئات الإسلامية

تعتبر الجمعية الإسلامية في كرواتيا المرجع الرسمي للمسلمين الكروات، وعلى غرار أغلب الكنائس الكاثوليكية الرومانية، أبرمت عقدًا مع الحكومة الكرواتية حدد نسبة مساهمة الدولة في دعم التعليم الديني في المدارس والمجالس الإسلامية منذ استقلال كرواتيا، والذي يشمل آلاف الطلبة وعددًا من المرشدين الدينيين المتطوعين في صفوف الجيش والشرطة والمستشفيات والسجون.

مؤسسات سياسية واجتماعية أخرى

هناك حزب سياسي يتبنى أجندة مسلمي كرواتيا، وهو حزب العمل الديمقراطي، ووجود مثل هذا الحزب يُعَد تطورًا ذا قيمة فيما يخص أوضاع المسلمين ، ومن خلال الحزب نجح ثلاثة نواب للمسلمين فى الوصول للبرلمان الكرواتي.

ركز النشاط السياسي لجبهة العمل الديمقراطية في كرواتيا على نقد السياسة الخارجية الكرواتية تجاه دولة البوسنة والهرسك في بدايات عقد التسعينات من القرن الماضي، وكذلك على تحقيق الاعتراف بالأقلية البوشناقية وتمكينها من جميع حقوقها بشكل يضمنه القانون.  ولجبهة العمل الديموقراطية في كرواتيا اليوم 15 مقرًا فرعيًا.

ويلعب منتدى "الصحوة" الاجتماعي البوشناقي في كرواتيا المؤسس سنة 1991، دورًا مهمًا في تأكيد المخزون الكبير لدى الفاعلين الثقافيين البوشناقيين وتشكيلهم مصدرًا ومعينًا مميزًا تنهل منه الثقافتان البوشناقية والكرواتية.

 ويضم منتدى "الصحوة"، إلى جانب خيرة المؤهلات والنخبة البوشناقية في كرواتيا، متعاونين من كرواتيا وباقي دول المنطقة. وينشط المنتدى في مجالات ثقافية متعددة منها النشر والتوزيع والمسرح والفنون الشعبية... إلخ.

كما تأسست الجمعية الوطنية البوشناقية في كرواتيا سنة 1993، وتضم 11 فرعًا، وتهدف إلى النضال من أجل حماية وتنمية حقوق المواطنين المنحدرين من القومية البوشناقية بصفتهم مواطنين كرواتيين كاملي الحقوق، وأيضًا بصفتهم جماعة أقلية. وتُصدر هذه الجمعية عددًا من الكتب والمجلات لأقلام بوشناقية.

تحديات تواجه مسلمي كرواتيا

من التحديات الكبرى التي يواجهها مسلمو كرواتيا، تبرز مسألة الحفاظ على استمرار ووحدة واستقلالية الجمعية الإسلامية في كرواتيا، باعتبارها فرعًا أصيلاً من الجمعية الإسلامية الأم في البوسنة والهرسك.

هذه الاستقلالية -المطلوبة للحفاظ على وحدة واستمرارية نشاط الجمعية الإسلامية في كرواتيا- ستوضع تحت محك حقيقي عندما يتم تقديم القانون الأساسي المنظم لعمل الجمعية الإسلامية في البوسنة والهرسك، خاصة بعد حدوث تطورات وتغيرات جذرية أدت إلى إيجاد حقائق جديدة، وبروز أصحاب مصالح متضاربة خلال العقدين الماضيين.

ومن التحديات أيضاً الأجيال التى نشأت فى ظل الشيوعية لا تعرف شيئا عن الاسلام ، لا تعرف شيئا عن دينها، حتى أصبح البعض يرى أن زواج المسلمة من نصراني لا شئ فيه

وهناك تحديات أخلاقية ، خصوصًا في مرحلة الشباب والمراهقة؛ حيث يتعرَّض أبناء المسلمين لموجات نشر التفسخ والانحلال الأخلاقي، كما توجد حملات إعلامية شرسة ضد الإسلام في كرواتيا؛ حيث يُصور الإسلام على أنه وحش، ويحاولون إظهار المسلمين كأنهم مصاصو دماء.

 وقد تم إصدار قانون يجرم ازدراء الأديان ، من خلال تبني البرلمان الكرواتي قانونًا يجرم ذلك، وهو ما تجلى في إحالة إحدى الصحف الكرواتية للقضاء؛ لقيامها بإعادة نشرالرسوم المسيئة للرسول - صلى الله عليه وسلم-بعد المظاهرات المنددة بهذه الرسوم من قِبل مسلمي كرواتيا.

كما يعد غياب التعليم الديني أو المدارس الإسلامية من التحديات الكبيرة التي تواجه المسلمين، فأبناء المسلمين يدرسون في 171 مدرسة كرواتية، ليس بينها سوى مدرسة إسلامية واحدة.

 ومن التحديات أيضاً افتقادُ الإمكانيات المالية الكفيلة بتمويل الأنشطة، سواء في المساجد أو المراكز الإسلامية أو المدارس، وهو ما ظهر جليا في العجز عن ترميم العديد من المساجد.