«معك جنيه تساوي جنيه»: تقرير حقوقي يرصد تكلفة مأساة الاحتجاز في مصر

الأربعاء - 11 مايو 2022

على مدار الساعات الماضية، نشرت منظمتان حقوقيتان مستقلتان تقريرين عن أوضاع السجون في مصر، الأول تناول التكلفة الباهظة التي يتحملها السجين وأسرته من لحظة القبض عليه مروراً لإخفائه قسرياً وإيداعه أحد أقسام الشرطة أو السجون، والثاني يتناول أوضاع السجون خلال عام 2021، والانتهاكات التي يتعرض لها السجناء.

تحت عنوان “معك جنيه تساوي جنيه”، نشرت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان تقريراً حول أثر غياب الحكم الرشيد على تكاليف تجربة الاحتجاز في مصر، كشفت من خلاله عن أن عدة ظواهر مثل الفساد، والإهمال المتعمد أو غير المتعمد، وانتهاكات القانون المباشرة، وعشوائية تصميم وتنفيذ السياسات، تتضافر لترفع من تكلفة تجربة الاحتجاز على المحتجز وأسرته.

واعتمد هذا التقرير على معلومات حصلت عليها الجبهة المصرية لحقوق الإنسان في إطار مشروع مرصد أماكن الاحتجاز، من خلال مقابلات صوتية أجريت بين عامي 2020 و2021، تضمنت معلومات حول تكاليف المعيشة والرشاوى وظروف الاحتجاز بشكل عام في 24 مقر احتجاز بين سجون وأقسام شرطة.

البداية من عمليات الضبط

ويتناول التقرير تكلفة الانتهاكات الواقعة أثناء عملية الضبط والإحضار. وبحسب التقرير: “تبدأ تكلفة الانتهاكات بالنسبة للكثير من المحتجزين بعملية الضبط والإحضار، حيث تتوارد الكثير من الأنباء بشأن قوات الضبط بتكسير وإتلاف محتويات المنازل والاستيلاء عليها، مع العلم أن الكثير من تلك المحتويات لا ينتهي بها المطاف كإحراز في القضايا.

ونقل التقرير عن محتجزين سابقين أن متعلقاتهم الشخصية كالهواتف أو أجهزة الكمبيوتر المحمولة، أو ما يتواجد داخل المنازل من أموال، أو حتى متعلقات شخصية كالملابس أو أدوات منزلية ثمينة يتم الاستيلاء عليها أثناء تفتيش المنازل.

أما التكلفة الثانية، بحسب التقرير، تأتي بسبب جريمة الإخفاء القسري، حيث تصبح الأسر عرضة للاستغلال من قبل بعض ضباط الشرطة أو المحامين الفاسدين الذين يطالبونهم بمبالغ نقدية طائلة مقابل وعود كاذبة بالحصول على معلومات عن أماكن تواجد المخفي قسرياً، أو الاتهامات التي يواجهها، أو التوسط من أجل إطلاق سراحه.

ويتابع التقرير: “كما أن الأماكن التي يودع بها المخفيون قسرياً تكون غير مجهزة أصلاً لاستقبال أي محتجزين”. ونقل التقرير عن أحد المحتجزين السابقين قوله: “إنه احتجز في غرفة في قسم الشرطة تسمى “الثلاجة”، خلت من أي مرافق حتى الحمام، وكان يضطر لدفع أموال أحد أفراد الشرطة ليسمح له بالذهاب إلى الحمام”.

أما من يتمكنون من إبلاغ ذويهم بشكل غير رسمي عن مكان إخفائهم، سواء عن طريق هواتف مهربة أو عن طريق التعاون مع بعض أفراد الشرطة، بالجهة التي تخفيهم قسرياً، فيكون أمامهم فرصة للحصول على ما يحتاجون من خلال الأفراد أنفسهم الذين ساعدوهم في إبلاغ أسرتهم بمكان تواجدهم، أو أفراد آخرين كمحتجزين، وتتحمل هذه الأسر مبالغ كبيرة من الرشاوى من أجل ضمان تعاون هؤلاء الأفراد، وقد تتعرض مستلزمات الزيارة للسرقة في النهاية.

المنع من زيارات الأهل والمحامين تكلفة أخرى تناولها التقرير، وجاء به: “في ظل توسع وزارة الداخلية في استخدام سياسة منع الزيارة عن بعض المحتجزين بعينهم، والبعض الآخر بشكل جماعي في سجون معينة، بالإضافة إلى منع الاتصالات الهاتفية بشكل تام، يضطر أهالي المحتجزين لتحمل تكاليف موازية في محاولتهم التواصل مع أقربائهم، من خلال أمين شرطة أمني يسمح للمحتجز باستخدام هاتف مقابل دفع مبلغ يصل لـ 50 جنيهاً (حوالي 2.5 دولار)”.

ويتابع التقرير: “يقع العبء الأكبر من هذه التكاليف في الزيارات القصيرة التي يقوم بها الأهل للمحتجز أثناء عرضه على المحاكم أو النيابات، ويدخل المحتجز إلى مبنى المحكمة أو النيابة بصحبة فرد شرطة تابع للمأمورية المسؤولة عن ترحيله، ويكون على الأهل رشوة أحد هؤلاء الأفراد ليسمح لهم بالتحدث إلى المحتجز لفترة لا تتجاوز نصف ساعة”.

1500 جنيه مقابل الرؤية

ونقل التقرير عن أهالي محتجزين أنهم اضطروا لدفع 1500 جنيه مصري، مقابل السماح برؤية قريبهم المحتجز. وعن الطعام المقدم في أقسام الشرطة والسجون، ففي أقسام الشرطة، أوضحت المعلومات التي حصلت عليها الجبهة المصرية أن الأقسام تتراوح فيما بينها، بين أقسام لا تقدم للمحتجزين أي طعام على الإطلاق، وبين أقسام تقدم الخبز والجبن فقط، وأقسام تقدم بعض أصناف الطعام المطبوخ بكميات قليلة جداً ورديئة الجودة لا تكفي احتياجات المحتجزين. ويشير هذا التفاوت إلى أن هناك موازنات تخصص بالفعل لأقسام الشرطة لتوفير الطعام، إلا أنها لا تستغل على الإطلاق أو تستغل استغلالاً سيئاً ينزل بجودة الطعام المقدم دون المستوى المنصوص عليه قانوناً.

أما السجون فتلتزم بشكل أكبر بتقديم وجبتي الإفطار والغداء يومياً للمحتجزين، ولكن لم تفد أي معلومات وثقتها الجبهة المصرية بقيام أي سجن بتقديم وجبة العشاء، ما يستدعي التساؤل أيضاً حول ما إذا كانت هناك موازنة تخصص لتلك الوجبات دون أن تجد طريقها للسجناء. وبالنسبة لوجبة الإفطار، تتفاوت بحسب التقرير، الكميات المقدمة للمحتجزين، فأحد السجون يقدم ثلاثة أرغفة خبز ذات حجم مناسب يومياً للمحتجز وسجن آخر رغيفين صغيري الحجم، وسجن ثالث يقدم رغيفي خبز فقط يوم الجمعة، كما تتفاوت جودة الخبز والأصناف المقدمة بجانبه كالجبن والفول والمربى والحلوى، وكذلك جودة الخضراوات التي تقدم للمحتجزين، حيث تكون في بعض الأيام طازجة، وفي أيام أخرى تقدم لهم وقد قاربت على الفساد تماماً.

أما بالنسبة لوجبة الغداء المطبوخ الذي تقدمه السجون، ويقوم على إعدادها سجناء، فقد أشارت كل المقابلات إلى أن المحتجزين المقتدرين يمتنعون عن تناوله بسبب سوء جودته وقلة نظافته.

ونقل التقرير عن سجناء قولهم: “السجناء يستلمون اللحوم جافة وسيئة الرائحة والملمس، كما أن أصناف الخضار تقدم غالباً مسلوقة وحسب دون أي إضافات، ما ينفي الصورة المتداولة التي يتباهى بها مسؤولون بوزارة الداخلية حول المنتجات الغذائية التي تصنع داخل السجون”.

وزاد التقرير: “لا يأكل من ذلك الطعام سوى المعدومين الذين ليس بمقدورهم شراء الطعام، ومن لا يستقبلون الزيارات”.

التجريد وإعادة تجهيز الزنازين

وثقت الجبهة أيضاً التجريدات المتكررة التي تقوم بها إدارات السجون ومصلحة السجون بين الحين والآخر، وتكون تكلفتها على المحتجزين كبيرة للغاية، حيث يتعين عليهم إعادة فرش الغرف وتجهيزها من الصفر كما تم تجهيزها عند دخولهم إلى السجن أول مرة.

وبحسب التقرير، “صارت هذه التجريدات بمثابة الروتين في بعض السجون، كسجن القناطر على سبيل المثال”. ونقل التقرير، عن أحد المحتجزين السابقين في سجن القناطر، أن التجريدات حالياً صارت تحدث مرة كل أسبوعين تقريباً، وأن هذه التجريدات تكون من الأساس عقوبات جماعية غير قانونية، ويكون سببها إما أن أحد المتواجدين في الزنزانة دخل في مشادة مع أحد المخبرين أو غير ذلك، أو أن الإدارة وجدت أشياء ممنوعة مع أحد المحتجزين، فتقوم بتوقيع العقوبة على الجميع.

وتابع المحتجز السابق في شهادته: “كثيراً ما تتعرض متعلقات السجناء التي يتم تجريدها للسرقة، من قبل أفراد الشرطة”.

ونقل التقرير عن أحد المحتجزين في سجن دمو قوله: “الأغراض المجردة تنقل خارج العنابر، ويفرزها المخبرون والأمناء، ويستولون على ما ينال إعجابهم منها، ثم ترمى باقي المتعلقات”.

واختتمت الجبهة تقريرها بعدة توصيات، حيث دعت مجلس النواب المصري إلى مراجعة قانون ولائحة تنظيم السجون، بالإضافة للقرارات التنفيذية المكملة لهما، لسد الفجوات التشريعية التي تغفل شروط الجودة للخدمات المقدمة للمحتجزين.

كما قدم التقرير عدة توصيات إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، منظمة حكومية، منها، إدراج الرقابة على الفساد ورشادة السياسات المتبعة داخل مقار الاحتجاز ضمن أولويات المجلس في الرقابة على سير حقوق الإنسان، والانتباه لشكاوى المحتجزين وأسرهم المترتبة على فساد أو سياسات تضعها مقار الاحتجاز وفتح حوار مجتمعي بشأنها، ومخاطبة الجهات المعنية مثل قطاع السجون وجهاز حماية المستهلك لوضع حد للاستغلال الذي يتعرض له أهالي السجناء من قبل منافذ البيع التي تضطرهم لشراء سلع وخدمات بأسعار مبالغ فيها.

مقابر لحقوق المصريين

وفي تقرير حمل عنوان “سجون مصر: مراكز إصلاح وتأهيل أم مقابر لحقوق المصريين”، قالت منظمة “كوميتي فور جستس” إنه خلال عام 2021 شهد المجال الحقوقي في مصر تغيرات كبيرة، كان أهمها إلغاء حالة الطوارئ واستبدالها بتعديلات قمعية أفرغت الإلغاء من مضمونه وكرست “الطوارئ” ودولة “الاستثناء” في بلدٍ لم يتغير مسمى “السجون” بها سوى اسم، ولا تتناول “استراتيجية حقوق الإنسان” بها إلا الدعاية الخارجية لضمان استمرار الدعم الدولي السياسي والمادي للنظام القائم.

وأوضحت المنظمة أن السجون ومقار الاحتجاز في مصر شهدت خلال 2021 انتشار عدوى كورونا في عديد من المقار التي وُثق بها انتهاكات لحقوق الإنسان، والغياب التام لآليات وتطبيقات العزل والعلاج، فضلاً عن الوقاية وحماية أرواح النزلاء. وفي ظروف أخرى، كان سوء المعاملة والحرمان المتعمد من الرعاية الصحية سبباً في دفع بعض الضحايا لمحاولة الانتحار حرقاً في مجمع سجون طرة.

وتابعت: “شهد العام أيضاً إعلان حملة تطعيم نزلاء السجون بلقاح “كورونا” وسط شكاوى وإشكالات عديدة تتمثل في عدالة التوزيع والحق في الوصول للقاح، وكذا إعلان وزارة العدل تفعيل “تجديد الحبس عن بعد” بمعرض القاهرة للتكنولوجيا، وإعلان وزارة الداخلية بانتهاء “أكبر مجمع للسجون في مصر”؛ فيما يمثل مزيداً من التنكيل بتغريب النزلاء وقطع التواصل عن ذويهم؛ خاصة أولئك المعاقبين تعسفياً بالحرمان من الزيارات والرعاية الصحية”.

تقنين للانتهاكات الحقوقية

وزاد التقرير: “شهد عام 2021 استمرار التحالف بين السلطات التشريعية والتنفيذية لتقنين انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين، وذلك من خلال تقنين التعسف في تنظيم عمل الجمعيات الأهلية بإصدار اللائحة الجديدة لقانون الجمعيات في فبراير/ شباط 2021، في خطوة ثابتة لاستئصال العمل الأهلي من المشهد المصري. وفي مايو/ أيار 2021، صدر القانون 71/2021 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات المتعلق بتجريم تصوير ونشر وقائع جلسات المحاكم بدون تصريح”. كما صدر في يوليو/ تموز 2021 القانون 135/2021، الذي يتيح فصل موظفين من عملهم في المجلس الإداري للدولة ممن “يمسّون بالأمن القومي” أو يشتبه في انتمائهم إلى جماعات “إرهابية”.

وتناول التقرير قيام السلطات المصرية في العام الجديد بتنفيذ حكم الإعدام بحق 18 متهماً في قضيتين، بحسب ما تمكن فريق مراقبة المحاكمات من رصده، هي القضية 12749/2013 (جنايات مركز كرداسة) المعروفة باسم “قضية اقتحام مركز شرطة كرداسة”، حيث تم تنفيذ الإعدام بحق 17 متهماً في 24 و26 أبريل/ نيسان 2021، والقضية 106/2019 (جنايات أمن الدولة العليا) المعروفة باسم “محاولة اغتيال مدير أمن الإسكندرية”، حيث أعدمت السلطات متهماً واحداً في يوليو/ تموز 2021. بينما سجل فريق مراقبة المحاكمات إصدار جهات التقاضي أحكاماً بالإعدام بحق 49 شخصاً خلال عام 2021، في 11 قضية جميعها ذات طابع سياسي. كذلك تم تأييد حكم الإعدام بحق 41 متهماً في ثلاث قضايا ذات طابع سياسي.

وذكرت “كوميتي فور جستس” في تقريرها أنها خلال عام 2021، تمكنت من رصد 7369 انتهاكاً داخل 66 مقراً رسمياً وغير رسميٍ للاحتجاز، توزعت بين 19 محافظة بمختلف أنحاء الجمهورية وعبر عديدٍ من أنماط الانتهاكات؛ تصدرها الحرمان من الحرية تعسفياً بواقع 4885 انتهاكاً، يليه الاختفاء القسري بواقع 1668 انتهاكاً، وسوء أوضاع الاحتجاز بواقع 598 حالة، والتعذيب 156 حالة، والوفاة داخل مقار الاحتجاز بـ62 حالة.

المصدر: القدس العربي