أشرف الشربيني يكتب: "ردة ثائر" بحث فى بقايا أشلاء الثورات

الأربعاء - 15 يونيو 2022

- أشرف الشربيني

ظاهرة انقلاب الثائرين على ثوراتهم والتنكر لمبادئهم بعد أن كانوا منادين بها مدافعين عنها، ظاهرة متكررة فى تاريخ الثورات. وهؤلاء يُحدثون من النكاية حين إرتدادهم بالجمهور المتطلع الى التغيير أكثر مما يُحدثه أعداء الثورة أنفسهم. وقليل هؤلاء الذين التفتوا لتلك الظاهرة، يحتاطون منها قبل حدوثها، او يعالجونها بعد الحدوث.

فى منتصف شهر يونيو من عام 1906 كانت حادثة دنشواى، والتى على إثرها تم إعدام مصريين أبرياء على مرأى ومسمع من أهاليهم، وذلك بعد محاكمة ظالمة بسبب ضربة شمس أماتت جندياً انجليزياً، فجعلوا موته جريمة تستوجب العقاب!

وكان أحد أعضاء تلك المحكمة، ثائر سابق انقلب على مبادئه وشعبه لصالح محتل أجنبى، اسمه (احمد فتحى زغلول).. وهو الشقيق الاصغر لسعد زغلول، اذ كان احد المشاركين فى انتفاضة احمد عرابى وأحد أشهر خطبائها، الا أنه صار – بعد هزيمة عرابى - أحد المنقلبين عليها وعلى مبادئها! وفتحى زغلول لم يكن شخصية عادية او مغمورة، انما كان من رجال القانون والقضاء المشهورين، بالاضافة الى أنه ذو ثقافة واسعة مكَّنته من ترجمة العديد من أمهات المراجع الاجنبية فى الادب والاجتماع والتاريخ والقانون، اذ كان يتقن اللغتين الانجليزية والفرنسية.

لكن السؤال كيف حدث هذا التحول فى شخصية الثائر سابقا فتحى زغلول لينتقل من النقيض الى النقيض؟

التفسير الوحيد لذلك التحول، هو (الصدمة) تلك التى تحدث فى النفس (انكساراً)، فترتد الشخصية الى أصلها، فما كانت عليه من صفات طارئة، تذهب وتختفى، وما كان فيها من صفات راسخة تظل وتبقى.

والصدمة هنا التى تعرض لها فتحى زغلول هى صدمة (هزيمة) حركة عرابى ونفى زعماء الحركة ومطاردة أنصارها، وفتحى زغلول نفسه كان واحداً من هؤلاء الذين تضرروا من هزيمة احمد عرابى، اذ تم فصله من مدرسته.. فانقلب حينذاك من النقيض الى النقيض! انقلب من ثائر مبغض لسطوة المحتل الانجليزى ومناديا بالحرية والاستقلال لبلاده وشعبه.. الى متعاون طيِّع فى يد المحتل! ممعنٌ فى اذلال المصريين! فهو لم يكتفى بأن يغادر مربع الثورة لينشغل بتدبير أحوال معيشته، إنما غادرها الى مربع الانقلاب عليها المحاربين لها!

هذا الانقلاب فى شخصية احمد فتحى زغلول لم يحدث دفعة واحدة، انما حدث تدرجاً فى الانحدار والتَسفُّل.. فبعد ان كان اسمه (فتح الله صبرى) غيَّر اسمه إلى (أحمد فتحي). ثم أوفدته وزارة المعارف المصرية في بعثة إلى فرنسا في عام 1885 لدراسة الحقوق. وهناك حصل على درجة الليسانس في القانون من باريس، فلما عاد إلى مصر أخذ يرتقي في المناصب حتى أصبح رئيساً في المحاكم الأهلية ثم وكيلاً لنظارة الحقانية. خلال هذه الفترة ترجم العديد من الكتب الغربية، وألف كتبا فى السياسة والقانون كما ساهم مع أحمد لطفى السيد فى تأسيس جريدة (الجريدة)، وكان ارتباطه بعلاقة قوية مع اللورد كرومر المندوب السامى البريطانى فى مصر سببا فى ذلك الترقى. الى أن شارك كقاضى فى محكمة دنشواى التى نظرت فى موت جندى انجليزى نتيجة ضربة شمس، فحكمت تلك المحكمة ظلما على ستة من المصريين بالاعدام وأخرين بالحبس والجلد! ولم تكن أدلة الاتهام لتؤدى لتلك الاحكام! سوى أنها رغبة المحتل الانجليزى فى تأديب المصريين وردعهم، وكانت يد المحتل فى ذلك مجموعة من رجال القانون المصريين الذين صاروا أداة طيعة فى يد الانجليز، منهم احمد فتحى زغلول! كان هذا الانقلاب فى شخصية فتحى زغلول نتيجة لـ (إنكسار) فى شخصيته أحدثته صدمة الهزيمة، الا أن فتحى زغلول بما امتلك من مهارات وثقافة واسعة، استطاع ان يتكيف سريعا مع الوضع الجديد.

نسى المصريون كل تاريخ فتحى زغلول وتذكروا فقط اشتراكه فى تلك المحكمة، فقد اعتبر المصريون ذلك الحكم (خيانة).

لم يهتم كثير من أهل الفكر والرأى بتفسير تلك الظواهر (الانقلابية) التى تصيب قادة التغيير فى المجتمعات. الا أن الامام الشهيد حسن البنا إحتاط لتكرار مثل تلك النماذج فى حركة التغيير، فحدد صفات أربعة لمن انتدب نفسه لاحداث النهضة، فقال : إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادىء تحتاج من الأمة التى تحاول هذا أو من الفئة التى تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل فى عدة امور:

  1.  إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف
  2.  وفاء ثابت لايعدو عليه تلون ولا غدر
  3.  وتضحة عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل
  4.  ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه، والإنحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره

على هذه الأركان الأولية التى هى من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادىء وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنا طويلا، وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة، أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه ، فهو شعب عابث مسكين، لايصل إلى خير ولا يحقق أملا وحسبه أن يعيش فى جو من الأحلام والظنون والأوهام. رسالة “إلى أي شيء ندعو الناس؟”

وتظل حركات التغيير فى عالمنا العربى والاسلامى مرهون نجاحها بتوفر اولئك الذى حازوا تلك الصفات، وبرأوا من المتعجلين والنفعيين من أمثال قضاة دنشواى.