إثيوبيا تستعد للملء الرابع لـ "سد النهضة".. ومصر بانتظار المجهول!!

الأربعاء - 11 يناير 2023

  • تسريع وتيرة العمل للانتهاء من إنشاءات السد وتشغيل التوربينات الخاصة بالملء الرابع
  • السيسي لم ينجح في دفع الأمريكان لموقف بشأن "السد"..ودبلوماسي مصري: "لاجدوى"
  • "شراقي": كمية التخزين بالملء الرابع غير معلومة..و"المونيتور": مصر تراهن على وهم
  • وثائق بريطانية: إثيوبيا خططت للإضرار بالحق التاريخي لمصر والسودان في النيل منذ 30 عاما
  • تصاعد دور الصين  والإمارات في أزمة السد خلال 2023 نظرا لاستثماراتهما الكبيرة في اثيوبيا  
  • خبراء : لن تحمل 2023 إلا مزيدا من التعقيد في ملف أزمة السد في ظل انشغال الدول الكبري
  • صناديق خليجية تستغل أزمة المياه بمصر وتضخ 3 مليارات دولار للسيطرة على محطات التحلية
  • مصادر: حصة "السيادي المصري" في مشروعات تحلية المياه  لن تزيد على 10% إلى 25%  
  • الشركات الخليجية ستتحكم في تسعير مياه الشرب للمصريين بعد سيطرتها على محطات التحلية

 

إنسان للإعلام- خاص:

أصبح من الواضح أن ملف سد النهضة سيدخل نفقا مظلما في عام  2023، خاصة مع  انتهاء أثيوبيا من استعداداتها لإتمام الملء الرابع في يوليو المقبل،  وتسريع وتيرة العمل للانتهاء من الإنشاءات الهندسية، بالتزامن مع نجاحها في تشغيل التوربينات  الخاصة بالملء الجديد، في شهر يناير الجاري،  رغم عدم التوصل لاتفاق  نهائي مع دول المصب.

من خلال السطور التالية نرصد ملامح المخطط الأثيوبي لسد النهضة في عام 2023 وموقف الدول الكبري والدول الأقليمية منه، كما نتعرض بالتفاصيل لاستغلال دول الخليج لأزمة المياه بمصر، وسيطرتها على محطات تحلية المياه المزمع إنشاؤها خلال العام الجاري.

مزيد من التعقيد مع بداية  2023

مع بداية عام 2023، أصبح من الواضح ان ازمة سد النهضة لن تشهد إلا مزيدا من التعقيد، خاصة بعد ما أكده دبلوماسيين و مراقبون وخبراء في مجال المياه، حول إتمام إثيوبيا استعدادتها لبدء عملية الملء الرابع للسد في شهر يناير/ كانون الثاني الحالي، وذلك على الرغم من عدم التوصل إلى اتفاق بين الدول الثلاث لإنهاء الأزمة المستمرة بينها منذ أكثر من عشر سنوات.

وقالت مصادر دبلوماسية غربية وأفريقية لـصحيفة "العربي الجديد"، إن المحادثات التي أجراها المسؤولون المصريون في العاصمة الأميركية واشنطن، ديسمبر 2022 الماضي، أثناء مشاركة السيسي في قمة القادة الأميركيين والأفارقة برئاسة جو بايدن، مع المسؤولين الأميركيين، والتي تناولت أزمة سد النهضة، لم تسفر في الواقع عن أي جديد في الأزمة، وذلك على الرغم من التصريحات الأميركية الداعمة لموقف مصر.

وكان السيسي قد طالب خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن بضرورة تدخل الإدارة الأميركية لحل ما وصفها بـ"الأزمة الوجودية"، والضغط مجدداً على إثيوبيا من أجل التوصل إلى اتفاق عاجل بين كل الأطراف، والتوصل إلى "اتفاق قانوني شامل وملزم" يمكن أن يحقق شيئاً جيداً وفقاً للمعايير والأعراف الدولية.

وهو ما أكدت عليه وزارة الخارجية الأميركية بضرورة "التوصل إلى تسوية دبلوماسية تحمي مصالح جميع الأطراف"، وردت عليه وزارة الخارجية الإثيوبية مؤكدة أن أديس أبابا "ملتزمة بالمفاوضات الثلاثية، وأنها تراعي مخاوف مصر من أزمة نقص المياه".

وكان البيت الأبيض قد أعلن في 16 ديسمبر/ كانون الأول الماضي أن مستشار الأمن القومي جيك سوليفان بحث مع السيسي الشراكة الاستراتيجية متعددة الأوجه بين واشنطن والقاهرة، وأكد دعم الولايات المتحدة للأمن المائي لمصر، وكذلك القرار الدبلوماسي بشأن سد النهضة الإثيوبي الذي من شأنه حماية مصالح جميع الأطراف.

يقول أحد الخبراء الفنيين في مجال المياه، ومطلع على ملف المفاوضات مع إثيوبيا، إن أديس أبابا "تستعد حالياً لعملية الملء الرابع لسد النهضة في شهر يناير الحالي، من دون إبداء أي بادرة حسن نية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم وشامل مع مصر والسودان، يراعي مصالح الدول الثلاث، ويحفظ الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل والمقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب من المياه، وأيضاً حقوق السودان المقدرة بـ18 ملياراً".

 ويضيف المصدر أن "مصر، التي تعاني شحاً في المياه يصل إلى درجة الفقر المائي، لا يمكن أن تتنازل عن حصتها في مياه النيل".

دبلوماسي مصري سابق وخبير بالشؤون الأفريقية قال إن "التعويل على الدعم الأميركي لقضية مصر الخاصة بمياه النيل، لن يؤدي إلى أي فائدة، ذلك لأن الاتحاد الأفريقي هو المخول قانوناً بالتدخل في الأزمة، بموجب بيان مجلس الأمن الدولي، وبموجب موافقة الدول الثلاث".

وأضاف في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أنه "على الرغم من أن الاتحاد الأفريقي فشل على مدار السنوات الماضية في الوصول إلى إحراز أي تقدم، إلا أن القاهرة لا يمكن أن تلجأ إلى أي طرف خارجي آخر للتوسط في الأزمة، لأن إعلان المبادئ الذي وقعت عليه مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015 في العاصمة السودانية الخرطوم، يشترط في حال اللجوء إلى الوساطة، أن توافق الدول الثلاث عليها، وهو ما ترفضه إثيوبيا دائماً متمسكة برعاية الاتحاد الأفريقي فقط للمفاوضات دون غيره من الجهات".

وتوقع الدبلوماسي المصري السابق "مع اقتراب الملء الرابع لسد النهضة الإثيوبي، أن تثور الأزمة مجدداً بين البلدان الثلاث، لكنها ستكون ثورة كلامية فقط مثل المرات الماضية التي أعلنت خلالها أديس أبابا عن انتهاء عمليات الملء السابقة، وذلك لأنه لا يوجد شيء جديد في القضية".

وأضاف أن "الدبلوماسية المصرية تسعى دائماً لإقناع المجتمع الدولي، خصوصاً دول العالم الكبرى، بأن السد الإثيوبي مشكلة تهدد الأمن والسلم الدوليين، لأنها تشكل خطراً على حياة الملايين في مصر، ولكن كل ذلك لن يؤدي إلى نتيجة، إلا في حال أثبتت القاهرة بالأدلة القاطعة أن السد تسبب في ضرر جسيم لها، بحسب إعلان المبادئ".

وينص إعلان المبادئ بشأن سد النهضة في المبدأ الثالث وهو "عدم التسبب في ضرر ذي شأن" على أنّه "ستتخذ الدول الثلاث كافة الإجراءات المناسبة لتجنب التسبب في ضرر ذي شأن خلال استخدامها للنيل الأزرق/ النهر الرئيسي"، و"على الرغم من ذلك، ففي حال حدوث ضرر ذي شأن لإحدى الدول، فان الدولة المتسببة في إحداث هذا الضرر عليها، في غياب اتفاق حول هذا الفعل، اتخاذ كافة الإجراءات المناسبة بالتنسيق مع الدولة المتضررة لتخفيف أو منع هذا الضرر، ومناقشة مسألة التعويض كلما كان ذلك مناسباً".

وحول هذا البند، اعتبر الدبلوماسي المصري السابق أنّ "البند يشترط أن يكون الضرر (ذا شأن)، وهي جملة مطاطة لا يمكن إثباتها بسهولة، كما أن إثبات الضرر يقع على عاتق الدول المتضررة بطبيعة الحال، وهو ما يتطلب أدلة قاطعة تقدمها هذه الدولة إلى العالم، وبناء عليه يمكنها أن تطلب تدخل مجلس الأمن، وهو الأمر المستبعد في الوقت الحالي".

وكان أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة عباس شراقي قد كتب في منشور على صفحته في "فيسبوك": "لا أحد يعلم بالتحديد كمية التخزين التي ستتم في عملية الملء الرابع لسد النهضة"، مضيفاً أنّ "إثيوبيا أيضاً لا تعلم كمية التخزين في الملء الرابع".

وأشار إلى أنه "يتم رصد سد النهضة وجميع المتغيرات التي تحدث فيه، من خلال أقمار اصطناعية قادرة على رصد الأهداف بدقة كبيرة على سطح الأرض"، وذكر أن الأقمار الاصطناعية "رصدت بدقة ما يحدث في سد النهضة، ورصدت في 20 ديسمبر الماضي عودة دوامات خفيفة بالسد، ما يدل على تشغيل ضعيف لأحد التوربينين والمياه القليلة التي تأتي لسد النهضة من بحيرة تانا وبعض الأمطار"."1"

أما إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، فهي تتبع نهجا يرتكز أكثر على الدبلوماسية ولا يربط المساعدات بهذه القضية ، لكن علاقات إدارة "بايدن" توترت مع إثيوبيا بسبب مخاوف تتعلق بانتهاكات حقوقية في الحرب ضد المتمردين في منطقة تيجراي والتي توقفت بعد إبرام اتفاق سلام الشهر الماضي."2"

المونيتور: مصر تراهن على الوهم الأمريكي

وقد كشف  موقع "المونيتور"  تركيز الدبلوماسية المصرية على حث الولايات المتحدة الأمريكية للعب دور حاسم في استئناف المحادثات بشأن سد النهضة الإثيوبي، مشيرا إلى أن أديس أبابا استغلت مشاركتها في قمة الأمم المتحدة للمناخ (COP27) في مدينة شرم الشيخ المصرية لتسليط الضوء على السد كـ "مفتاح للتعاون الإقليمي بمجال الطاقة المتجددة".

وذكر الموقع، في تقرير له مؤخرا، أن القاهرة تأمل، مع مطلع 2023 ، في استئناف المفاوضات المتوقفة مع السودان وإثيوبيا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل ، شريان الحياة المائي الرئيسي لمصر، وتراهن على دور حاسم لواشنطن في هذا الصدد.

وأضاف أن المبعوثة الأمريكية الخاصة للتنوع البيولوجي والموارد المائية "مونيكا مدينا" تحدثت في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 17 نوفمبر/تشرين الثاني2022، عن دور الولايات المتحدة في حل الصراع على المياه، قائلة: "عينت الإدارة الأمريكية مبعوثًا خاصًا للقرن الأفريقي (مايك هامر)، وهو يعمل بجد لإيجاد حل".

وشددت "مدينا" على "الحاجة إلى ضمان الوعي الكافي بعدم إهدار المياه، فضلاً عن توفير حلول تكنولوجية منخفضة التكلفة لتحسين كفاءة الاستخدام"، مشيرة إلى أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لديها مجموعة متنوعة من البرامج لمساعدة المزارعين في أفريقيا على إدارة موارد المياه.

وكان الرئيس الأمريكي "جو بايدن" قد جدد دعم بلاده لأمن مصر المائي وحقوقها في نهر النيل، خلال لقائه السيسي  على هامش قمة المناخ، وذلك في أول زيارة يقوم بها إلى مصر منذ توليه منصبه ، دون تحريك للواقع في أزمة السد .

وفي سياق متصل، شارك مسؤولون مصريون وأمريكيون مؤخرًا في مؤتمر نظمه المجلس القومي للعلاقات الأمريكية العربية، ومقره واشنطن، وناقشوا أزمة السد الإثيوبي دون وضع حلول حقيقية لحلحلة الأزمة."3"

وثائق بريطانية: هدف إثيوبيا إبطال الحقوق المصرية والسودانية 

ومؤخرا كشفت وثائق بريطانية، أن تحدي الحقوق التي يتمسك بها السودان ومصر، وإبطالها، هو أهم الدوافع وراء مشاريع إثيوبيا لإنشاء سدود على النيل الأزرق؛ مصدر أكثر من 80% من مياه نهر النيل الرئيسي.

وقالت الوثائق، التي نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"،  في ديسمبر 2022، إن الإثيوبيين أبلغوا البريطانيين بذلك قبل 3 عقود مضت.

ونقلت عن مسؤول ملف المياه في الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية وممثل لندن في المباحثات متعددة الأطراف بشأن المياه، "جريج شيبلاند"، حديثه عن جوانب سلبية في ملف المياه بالشرق الأوسط.

وأوضح أن ذلك يرجع لـ"الافتقاد المعتاد للتفاهم بين المصريين والإثيوبيين" و"بين العرب والإسرائيليين" بشأن المياه.

ولم تكشف الوثائق ما إذا كان البريطانيون قد أبلغوا، في حينه، مصر سواء بموقفهم من الطرح المصري أو بالتبرير الإثيوبي لمشاريع بناء السدود على النيل الأزرق.

وبينت أنه تمت مصارحة أديس أبابا أنه من الممكن أن تكون هناك مشكلات بشأن النيل بين دول الحوض أقل مما يعتقد المعلقون لو سعت إثيوبيا لتنمية الأنهار الأخرى في شمال البلاد، مع استبعاد النيل الأزرق؛ وهو ما "سيكون أكثر جدوى اقتصاديا لإثيوبيا"، وأقر مسؤول مائي إثيوبي بصحة هذا الطرح.

وفي وثائق أخرى، عرضتها "بي بي سي" سابقا، خلصت بريطانيا عام 1990، إلى أن مصر "لن تقبل أن تكون رهينة لسلاح المياه الاستراتيجي"لكن ما حدث في عهد السيسي غير هذه النظرية .

وتوقع البريطانيون، في عام 1961، بأنه إذا امتلك الإثيوبيون المال، فسوف يدفعهم هذا إلى اتخاذ سياسات مائية تضع القاهرة في موقف بالغ الصعوبة، وعبرت تقارير دبلوماسية بريطانية عن "الشفقة" على وضع مصر في هذه الحالة.

وتجمدت مفاوضات السد الإثيوبي منذ أكثر من عام، فيما توجهت مصر إلى مجلس الأمن الدولي في يوليو/تموز الماضي، رافضة خطوات أديس أبابا في الملء "المنفرد" للسد خشية تأثيرها على حصتها المائية."4"

الصين والامارات واللعب بورقة سد النهضة

أصبح من الواضح ان الدور الصيني والإماراتي سيتصاعد في أزمة سد النهضة ،خلال العام الجديد 2023 ،  لما يتمتعا به من استثمارات كبيرة في هذا السد .

وقال دبلوماسي مصري سابق، إن مصر "تنظر بقلق إلى محاولات التمدد الصيني في منطقة القرن الأفريقي، ويتمحور القلق المصري خصوصاً حول أزمة سد النهضة والموقف الصيني الذي بدا في أكثر من مناسبة داعماً لإثيوبيا.

ويتعزز القلق المصري، وفق المصدر الذي تحدث لـ"العربي الجديد"، "في ظل تراجع الدور الأميركي الملحوظ في المنطقة،  بعد فشل السياسة الأميركية في التعامل مع أزمة الحرب الأهلية الإثيوبية، التى نشبت على مدار العام الماضي 2022 ، بين جبهة تحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية، وفشلها أيضاً في التعامل مع أزمة انقلاب السودان".

وقال المصدر إن "الصين تأتي على رأس الدول الفاعلة في إثيوبيا، تليها الإمارات، وتركيا، الولايات المتحدة الأميركية"، مشيراً إلى أنه "باستثناء أميركا، فإن مصر لم تحصل على موقف داعم لها في قضية سد النهضة من الدول الأخرى ذات التأثير في إثيوبيا".

وأكد الدبلوماسي المصري أن "الحليفين الاستراتيجيين الكبيرين لإثيوبيا، هما الصين والإمارات"، لافتاً في السياق إلى "اعتراض الصين وروسيا على إصدار بيان لمجلس الأمن بشأن أزمة تيغراي، في مارس/ آذار الماضي، واعتبارهما ما يجري هناك شأناً داخلياً، وذلك على الرغم من أن البيان كان ضعيفاً للغاية"

وأكدت مصادر دبلوماسية أن تحركات مصر بالقرن الأفريقي بلا فائدة حقيقية للموقف المصري، ولم ينتج عنها أي تعاون ثنائي، ولا عسكري، ولا اقتصادي، والدور المصري في هذه المنطقة ضعيف للغاية".

وأضاف المصدر أن الصين "أصبح لديها نفوذ يتضخم في الدول الثلاث الأهم في منطقة القرن الأفريقي وهي جيبوتي وإثيوبيا وإريتريا، وحتى كينيا".

وأشار المصدر نفسه إلى أن "الصين لديها استثمارات ضخمة في إثيوبيا وسد النهضة منذ عام 2011، أبرزها ما يتعلّق بمشروعات زراعية لاستصلاح مليوني فدان من الأراضي، وإقامة مصانع عملاقة سيتم تشغيلها بالطاقة الكهربائية المستولدة من السد، وكذلك مشروع القطار الكهربائي من أديس أبابا إلى جيبوتي".

وأشار إلى أن بكين "قدمت تمويلاً قيمته 1.2 مليار دولار في 2012 لبناء شبكة خطوط لنقل الكهرباء من السد إلى المدن الإثيوبية، هذا إلى جانب اتفاق مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد خلال زيارته إلى بكين في 2019 على قرض بقيمة 1.8 مليار دولار، وعمل شركتين صينيتين في بناء السد من الباطن".

وقال المصدر إن "الصين تفضل عدم الانخراط في أزمة سد النهضة، لأسباب عدة؛ أولها دعمها للحكومة الإثيوبية، وعلمها بأنها لن تقبل بأي وساطات لأن السد بالنسبة لها عامل حاسم لشرعيتها".

وتابع أن "الصين تخشى أيضاً من أن تُستَغل وساطتها لصالح مصر في نهر النيل، لإضعاف موقفها كدولة منبع للعديد من الأنهار الدولية، خاصة نهر الميكونغ الذي تحرّض الولايات المتحدة دول مصبه لمواجهة الصين" ، وتعد الصين أكبر شريك تجاري للقارة السمراء، وقد بلغت قيمة التجارة المباشرة بين الطرفين في عام 2019 أكثر من 200 مليار دولار."5"

لا أفق للحل..والفشل يلاحق الدبلوماسية المصرية

ورغم مرور سنوات على توقيع اتفاق المبادئ بين مصر والسودان وإثيوبيا في عام 2015 لا تزال أزمة سد النهضة تبحث عن حل.

ويرى مراقبون أن أزمة سد النهضة لم تتجاوز  التهديدات والأصوات المرتفعة ولم يعد أمام الأطراف الثلاثة سوى الطرق القانونية والدبلوماسية والحوار، مع استبعاد كامل لأي حل عسكري .

وعن افق الأزمة في المرحلة المقبلة، تقول الكاتبة السياسية المصرية المتخصصة في الشأن السوداني أسماء الحسيني، إن المساعي المصرية لحل أزمة سد النهضة فشلت، ولا يخلو أي لقاء دولي سواء على مستوى القيادة السياسية أو الحكومة إلا وعبرت مصر عن موقفها تجاه تلك الأزمة لتجدد دعوتها للحل والاتفاق القانوني الملزم فيما يتعلق بالتشغيل والنواحي الفنية، وفي كل مرة تعلن مصر عن موقفها الثابت فيما يتعلق بعدم التفريط في نقطة مياه.

وتابعت: “تزامنا مع التحركات في الخارج من أجل قضية السد، نجد أن هناك إجراءات داخلية مصرية لترشيد استهلاك المياه والحد من الفاقد حتى لا تتفاقم أزمة نقص كميات المياه والوصول إلى عجز مائي بنسبة أكبر، لأن مصر تواجه فقرا مائيا حتى في ظل حصتها الكاملة في نهر النيل المقدرة بـ 55 ونصف مليار متر مكعب من النيل”، مضيفة: “فكيف سيكون الحال إذا ما نقص متر مكعب من المياه”."6"

وتؤكد الباحثة أماني الطويل، في مقال لها بموقع اندبندنت عربي ، أن أزمة سد النهضة تبدو  مثيرة لكثير من التساؤلات في هذه المرحلة عقب الملء الثالث لبحيرته واتمام الاستعداد للملء الرابع ، وتوقف المفاوضات بين الدول المعنية الثلاث لما يزيد على عام، في وقت تحافظ كل الأطراف على مواقعها من الأزمة من دون التحرك قيد أنملة نحو الحل.

وقالت: في هذا السياق يمكن رصد بعض التصريحات السياسية التي وإن أعادت تكرار مواقفها، لكنها تشير على نحو ما إلى حال تململ واضحة قد تعقبها متغيرات جديدة تعود لعدد من العوامل المتعلقة ببعض أطراف الأزمة.

وأضافت ان القاهرة  تحاول دائماً القيام بأمرين، الأول الحفاظ على مستوى من العلاقات مع السودان يسمح بالتنسيق الدائم في هذا الملف على رغم الأزمات الداخلية التي يعانيها، وعلى مستوى مواز فإنها تحاول أن تحافظ على موقف عربي مناصر لها وللخرطوم بهذا الملف الحساس لدولتي الممر والمصب.

وقالت إنه على المستوى الإثيوبي فربما تغيرت لهجة الخطاب السياسي الإثيوبي أثناء ملء بحيرة السد من خطابات عدائية إلى خطابات جديدة تدعو إلى استئناف التفاوض في شأن الأزمة، وذلك من دون التحدث عن تغير إجرائي من قبيل التفاهم حول قواعد الملء والتشغيل.

وعلى المستوى السياسي الدولي فإن الانشغال العالمي بالحرب الروسية - الأوكرانية يجعل إمكان انفلات الموقف ممكناً على المستوى الإقليمي، إذ إن الإدارة الأميركية تبدو منشغلة بل ومرتبكة بتطورات أزمة الحرب أكثر من اهتمامها بأي ملف آخر، وذلك بالنظر إلى ارتباط نتائج الحرب بطبيعة النظام الدولي على الصعيد المستقبلي من ناحية، وطبيعة وزن وتأثير الولايات المتحدة فيه من ناحية أخرى.

وقالت أنه   على المستوى السياسي الإقليمي يبدو أولاً أن القاهرة غير منزعجة في هذه المرحلة من عمليات ملء السد، وذلك لعدد من المعطيات العملية ومنها أن عمليات الملء تتم تحت مظلة فيضان كبير لنهر النيل، وذلك على مدى السنوات الثلاث الماضية، وبالتالي فإن حجم التأثير على حجم المياه المتدفقة يبدو هامشياً ولا يبرر لجوء القاهرة إلى أي أداء يمكن وصفه بالخشن خلال هذه المرحلة، بينما قد يكون هذا الإجراء مبرراً في مراحل الجفاف الممتد، وبالتالي تأثر التدفقات المائية القادمة لكل من مصر والسودان بذلك على نحو مؤثر في الحاجات المائية الملحة لمصر، وثانياً فإن حجم الملء الذي تقوم به إثيوبيا فعلياً مغاير لما تقوله إعلامياً، إذ لم يتجاوز ملء السنوات الثلاث 17 مليار متر مكعب من المياه، مع الأخذ في الاعتبار حجم المنصرف من المياه سنوياً من الفتحات السلفية للسد، وهي العملية الضرورية لعمليات الملء ذاتها ولكن كل ذلك سيكون له أشد الضرر في المراحل المقبلة .

وأضافت: وعلى المستوى الإثيوبي فإن التحرك السياسي للدولة يحاول السير في نطاق أكثر شمولاً من أزمة سد النهضة، ذلك أنه يتحرك استراتيجياً في محاولة لتقويض حق القاهرة في حصتها التاريخية من مياه نهر النيل، إذ عقدت الخارجية الإثيوبية أخيراً مؤتمراً في شأن الأنهار العابرة للحدود في محاولة لتأمين موقف إثيوبي مناصر لها في هذا الطرح، وتنشيط "اتفاق عنتيبي" في شأن نهر النيل لتجاوز مصر والسودان، وهو أمر على المستوى العملي صعب في ضوء موقف دولي وأفريقي يتطور نحو إدراك مسالب سد النهضة على دولتين بحجم مصر والسودان، في وقت يتهدد دولة السد نزاعات داخلية حقيقية مهددة لوجودها الذي تستمده حتى اللحظة الراهنة من دعم الأطراف الدولية لفكرة استمرار الدولة الإثيوبية موحدة، وهو دعم ليس بالضرورة نجاحه طوال الوقت، نظراً إلى ضغط العوامل الداخلية الإثيوبية، خصوصاً ما يتعلق بالصعوبة البالغة التي تواجهها مسألة الاندماج الوطني، وكذلك الانشغال الدولي الراهن بتداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية على مجمل النظام الدولي، وطبيعة آلياته المتعددة التي تواجه حالياً التهديد بآليات روسية - صينية مشتركة، مثل "تحالف شنغهاي" و"آلية بريكست" وغيرها.

وطبقاً لهذه المعطيات فربما يكون من المصلحة الإثيوبية في هذه المرحلة الوصول إلى تفاهم ما مع كل من القاهرة والخرطوم حول قواعد الملء والتشغيل على الأقل، وهي المسألة المؤثرة بشكل كبير في السودان، خصوصاً في ما يتعلق بعملية تشغيل سدوده وتوليد الكهرباء منها.

أما على المستوى السوداني فإن التوافق مع القاهرة حول سد النهضة يرتبط أولاً بمصالح سودانية استراتيجية مرتبطة بعدم السماح لإثيوبيا بالتغول إقليمياً على الوزن السوداني على رغم مشكلاته الداخلية، وكذلك ضمان عدم تعطل أو أذى السدود السودانية وبخاصة "سد مروي"، كما يضمن للسودان قدرة على مواجهة إثيوبيا تفاوضياً في مسألة النزاع الحدودي في بعض مناطق الفشقة، وهي تملك أوراقاً للضغط.

وإجمالاً قد يكون مشهد سد النهضة مرشحاً للتغير خلال الفترة المقبلة، بخاصة أن أطرافه الإقليمية أصبحت واعية أن مجموعة من الأخطار تتهددها، وأن التعويل على موقف دولي هنا أو هناك مناصر لأي طرف لم يعد قادراً على فاعلية حقيقية في ضوء أزمة النظام الدولي، وهو الأمر الذي يعرض الإقليم وأطراف النزاع إلى أخطار وجودية."7"

صناديق خليجية تستغل أزمة  تحلية المياه في مصر

وفى ظل الأزمة المتصاعدة لسد النهضة، تبحث الحكومة المصرية مع 3 صناديق سيادية خليجية، للاستثمار في برنامج البلاد لتحلية المياه، بقيمة إجمالية تصل إلى 3 مليارات دولار.

وتتنافس شركات تابعة لصناديق سيادية خليجية من بين 28 من مقدمي العروض على عقود إنشاء 21 محطة لتحلية المياه والتي ستطرحها الحكومة على القطاع الخاص، وفق تصريحات "عاطر حنورة"، مدير الوحدة المركزية للشراكة بين القطاعين العام والخاص في وزارة المالية

وفي حين لم يكشف "حنورة" عن هوية الشركات التي تقدمت بالعروض، نقلت "بلومبرج" عن مصادر مطلعة قولها إنها شركة "أكوا باور" التابعة للصندوق السيادي السعودي، وشركة "أيه دي كيو القابضة" الإماراتية التابعة لصندوق أبوظبي السيادي، وجهاز قطر للاستثمار.

وأضاف "حنورة" أن الشركات التابعة للصناديق السيادية الخليجية، تقدمت بعروض ضمن تحالفات مع مستثمرين محليين وأجانب آخرين، موضحا أن كل تحالف يضم شركة محلية واحدة على الأقل.

ووفق مصدر مطلع، فإن ممثلي البلدان الثلاثة "أبدوا جميعاً ترحيباً كبيراً بالاستثمار في مشروعات تحلية المياه في مصر"، مشيرا إلى أن "المناقشات حالياً تدور حول مدى مشاركة الصندوق السيادي المصري مع الصناديق العربية الثلاثة في هذه المشروعات".

وأكّد مصدر آخر أن "المفاوضات الآن حول حصة السيادي المصري في المشروعات، والتي لن تزيد عن 10% إلى 25% في مشروعات لتحلية مياه البحر باستخدام الطاقة المتجددة، ضمن خطة البلاد الاستراتيجية التي تستهدف تحلية 2.9 مليون متر مكعب يومياً".

وانتهت في ديسمبر الماضي ، الماضي الفترة المحددة للتقدم بالعروض لإنشاء 21 محطة في المرحلة الأولى البالغة قيمتها 3 مليارات دولار من خطة الحكومة لإنشاء محطات تحلية المياه، والتي قيمتها الإجمالية 8 مليارات دولار، ومن المقرر توقيع العقود الخاصة بمحطات تحلية المياه العام المقبل.

ومن أبرز هذه الشركات المهتمة بالاستثمار في الخطة المصرية، شركة حسن علام القابضة، والنويس، وشنايدر إليكتريك، بالإضافة إلى تحالف مكون من ماتيتو هولدنجز وسكاتك سولار وأوراسكوم كونستراكشون.

وستعلن الحكومة عن التحالفات الفائزة بتطوير 4 من تلك المحطات بحلول منتصف يناير/كانون الثاني أو أوائل فبراير/شباط، حسبما قال "حنورة"، مضيفا أن المحطات الأربع تقع في مرسى مطروح والعلمين (شمال غرب).

ويوضح أحد المصادر أنه من ضمن تلك المشروعات المقرر تنفيذها، 3 محطات تحلية مياه في محافظة البحر الأحمر (جنوب شرق)، بطاقة 50 ألف متر مكعب يومياً، كما تشمل الخطة تنفيذ محطة تحلية مياه في رأس سدر (شمال سرق) بطاقة 70 ألف متر مكعب يومياً، وتشييد محطة تحلية قرب الدقهلية (دلتا النيل/شمال) بقدرة 35 ألف متر مكعب يومياً.

ولفت المصدر أيضاً إلى أن مصر تخطط لتنفيذ محطتين في محافظة السويس (شمال شرق) لإنتاج 359 ألف متر مكعب يومياً.

كما تعتزم تدشين محطتي تحلية في محافظة البحيرة تشمل محطة إدكو ورشيد (شمال) بطاقة 30 ألف متر مكعب يومياً، ومحطة كفر الدوار (دلتا النيل/شمال) 75 ألف متر مكعب يومياً.

بدوره، أفاد مصدر ثالث بأن الحكومة "ستشتري إنتاج المياه المحلاة من المشروعات، وستتم إتاحة أراضٍ لتنفيذ محطة الطاقة المتجددة في مناطق تابعة لهيئة الطاقة المتجددة المصرية في شرق وغرب النيل".

وتابع: "في حال استخدام شبكة الكهرباء لنقل الطاقة الكهربائية المنتجة من الطاقة المتجددة لتحلية المياه، سيتم تحديد رسوم لنقل هذه القدرات".

وكانت مصر أعلنت، في وقتٍ سابق من هذا العام، سعي صندوق مصر السيادي لطرح عدد من الفرص الاستثمارية المتاحة بقطاع تحلية المياه وإعادة تدوير استخدامها، بالشراكة مع صناديق عربية وأجنبية.

وتسابق مصر الزمن لتأمين احتياجاتها من المياه العذبة، وتحتاج الدولة إلى 114 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنوياً لتلبية احتياجات سكانها البالغ عددهم أكثر من 100 مليون نسمة، لكنها تحصل على نصف هذه الكمية فقط من موارد طبيعية، والباقي عبر إعادة تدوير مياه الصرف الصحي الزراعية

وتواجه مصر عجزاً واسع النطاق في المياه، يخشى المسؤولون أن يزداد سوءاً، بسبب سدّ الطاقة الكهرومائية العملاق الذي تملؤه إثيوبيا من مياه الرافد الأساسي لنهر النيل، والمياه الجوفية، واستيراد مزيد من الغذاء بدلاً من ري مزيد من المحاصيل."8"

المصادر:

  1. "سد النهضة: إثيوبيا تستعد للملء الرابع دون حل الأزمة" ، العربي الجديد ، 03 يناير 2023، https://cutt.us/0lcTq
  2. "بلينكن وأوستن يلتقيان السيسي في واشنطن" ، الخليج الجديد 15 ديسمبر 2022 ، https://cutt.us/GbW3P
  3. "المونيتور: مصر تراهن على أمريكا لاستئناف محادثات سد النهضة" الخليج الجديد ، 27 نوفمبر2022 ، https://cutt.us/VcqRz
  4. "وثائق بريطانية: هدف إثيوبيا بالنيل الأزرق هو إبطال الحقوق المصرية والسودانية" ، الخليج الجديد، 9 ديسمبر 2022 ، https://cutt.us/sz2Yo
  5. "الصين في القرن الأفريقي: خطر على موقف مصر بأزمة سد النهضة" ، العربي الجديد، 9 يناير 2022، https://cutt.us/y6n1Q
  6. "بعد سنوات من توقيع اتفاق المبادئ أزمة سد النهضة لا تزال تبحث عن حل"، 18 أكتوبر، 2022، موقع الراكوبة السوداني، https://cutt.us/fHlTq
  7. أماني الطويل كاتبة وباحثة ، "تساؤلات المرحلة... أزمة سد النهضة إلى أين؟" ، موقع اندبندنت العربية ، 29 سبتمبر 2022 ، https://cutt.us/hO4VB
  8. "صناديق سيادية خليجية تتنافس للاستثمار في محطات تحلية مياه مصر، الخليج الجديد ، 12  ديسمبر 2022 ، https://cutt.us/lKTvm