بعد التعويم الرابع للجنيه .. كوارث اقتصادية تهدد مصر في 2023

الثلاثاء - 17 يناير 2023

  • الدولار تخطى عتبة 32 جنيها رسميا لأول مرة.. وصناديق خليجية تدخلت لوقف التدهور
  • الحكومة تتوسع في بيع أصول مصر لسداد فاتورة الديون التي أغرق السيسي الدولة فيها
  • بتمويل بلغ 25 مليار دولار.. مصر بالمركز الثاني ضمن أكثر الدول اقتراضًا من صندوق النقد
  • الصندوق فرض على مصر برنامج ينطلق من رفع الدعم بالكامل وتحرير سعر الصرف للجنيه
  • 100% انخفاض بقيمة الجنيه في 10 شهور..و17 مليار دولار فجوة تمويلية لأربع سنوات مقبلة
  • التضخم واصل ارتفاعه إلى  22% في ديسمبر..ومعدلاته الحقيقية بلغت 85% بعد التعويم الرابع  
  • ممدوح الولي: القادم أسوأ.. والجنيه لن ترتفع قيمته.. والمصريون على موعد مع مزيد من الأعباء

 

إنسان للإعلام- خاص:

شهدت مصر مع بدايات عام 2023، أكبر هزة اقتصادية بعد التعويم الرابع للجنيه في 11 يناير الجاري، مما أدى لانهيار غير مسبوق في قيمة العملة المصرية مقابل الدولار والذي بلغت قيمته أكثر من 32 جنيها، ولولا تدخل صناديق خليجية بضخ ربع مليار دولار لواصل الجنيه انهياره.

 وقد ترتب على ذلك ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، ومواصلة ارتفاع التضخم الذي قدرته بعض المصادر غير الرسمية ب85%.

ومن خلال سطور التالية نفتح ملف الكوارث الاقتصادية التي  تهدد مصر في عام 2023 بعد التعويم الرابع للجنيه، وما ترتب على مرونة سعر الصرف.

 ونرصد، بالتفاصيل، محاولات حكومة وبرلمان السيسي للتعتيم على الآثار الكارثية لاتفاق صندوق النقد، والغضب الشعبي المتصاعد من السياسات الاقتصادية الفاشلة للنظام العسكري الانقلابي. 

التعويم الرابع يدمرالجنيه المصري

يعيش المصريين أسوأ كارثة اقتصادية في تاريخهم، بسبب التعويم الرابع للجنيه المصري، حيث واصل تراجعه أمام العملات الأجنبية، متخطياً لأول مرة عتبة 32 جنيها للدولار الواحد في البنوك الرسمية، الأربعاء 11 يناير 2022، قبل أن يتراجع الدولار إلى أقل من 30 جنيها، ثم عادت العملة الأميركية للصعود الخميس في التعاملات المبكرة ليتجاوز سعره 30 جنيها، وسط مضاربات محمومة بين البنوك والسوق السوداء، في ظل توقعات بمواصلة العملة المحلية طريق الانخفاض.

وكشفت مصادر مصرفية لـصحيفة "العربي الجديد" أن تدخّل البنك المركزي عبر طرح دولارات في الأسواق تقدر بنحو 850 مليون دولار وراء كبح تهاوي الجنيه المتسارع أمام العملة الأمريكية.

وفقد الجنيه نحو 25% من قيمته خلال أسبوع، من بدء رحلة الهبوط الجديدة في 4 يناير 2022، وتراقص على لوحات بيع العملة لدى البنوك، بين الصعود الغالب، فوصل الدولار إلى 32.3 جنيها، ثم الهبوط مع اقتراب نهاية يوم الأربعاء بالبنوك إلى أقل من 30 جنيهاً.

تدخّل البنك المركزي عبر طرح دولارات في الأسواق تقدر بنحو 850 مليون وراء كبح تهاوي الجنيه المتسارع أمام العملة الأميركية

وتحدد بعض البنوك سعرا يصل إلى 33 جنيها مقابل عمولة تدبيره للعملاء منذ بداية العام الحالي، بينما يتوقع خبراء أن يسكن الدولار عند سعر تعادل يصل إلى 37 جنيهاً، خلال الأيام المقبلة.

وفاجأت البنوك الجمهور بتغيير لحظي في سعر الجنيه، منذ 11 يناير 2022 ، ، بعد ساعات من بدء تنفيذ تعهد الحكومة لصندوق النقد الدولي، بتخفيض قيمة الجنيه مقابل الدولار، وعدم التدخل في تسعيره ومنح العملة مرونة كافية.

وفقد الجنيه أكثر من 90% من قيمته منذ شهر مارس 2022، ما أدى إلى تصاعد معدلات التضخم في أسعار المستهلكين، في المدن والريف إلى 21.9%، في ديسمبر الماضي، والتضخم الأساسي في البنك المركزي إلى 24.4%، بما يقارب نسبة الفائدة غير المسبوقة على شهادات الادخار، التي طرحها بنكا الأهلي ومصر التي بلغت 25%، وزيادة 2% عن المطروحة في بنك سي آي بي الخاص، و7% عما تدفعه البنوك على الودائع.

وبحسب مصادر، التزمت الحكومة أمام الصندوق بتطبيق سعر صرف مرن بشكل دائم، لضمان السوق المصرفية القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية والمساعدة في إعادة احتياطي نقدي الذي استنزف خلال العام الماضي، وتقليص العجز في ميزان المدفوعات ورفع الدعم عن أغلب منتجات الوقود، ورفع القيود على الاستيراد، وخفض الإنفاق على المشروعات العامة.

وأظهرت تعاملات البنوك في بيع وشراء الدولار، وجود توجه قوى من البنك المركزي والحكومة، نحو خفض قيمة الجنيه، ليتعادل مع قوته في السوق الموازية التي استقرت، خلال اليومين الماضيين، عند 32 جنيها للدولار.

واعتبر رجال أعمال تراجع الجنيه يوميا، بمثابة السير في طريق مسدود الذي يؤدي إلى نفس النتائج التي سارت الحكومة نحوه خلال السنوات الماضية، دون أن تلتفت إلى خطورته على دفع المصانع والشركات للتوقف، مع عدم قدرتها على الوفاء بمستلزمات الإنتاج، وارتفاع التكلفة، وصعوبة الحصول على قروض ميسرة، تحمي المستثمرين من الإفلاس.

وبرأي رجال أعمال عديدين، فإن الحكومة لم تعد لديها حلول، وستلجأ حتما إلى بيع أصول مهمة مملوكة للدولة تدر عوائد دولارية وكبيرة، دون أن تدرك أن السياسات النقدية التي تتبعها، ستهدر فرصتها في زيادة الموارد المالية، وأن تراجع الجنيه، بهذه الصورة، سيزيد من أعباء الموازنة العامة للدولة، والضغط اليومي على أسعار المستهلكين وقدرات المواطنين الشرائية.

وأدى الانخفاض إلى عودة سوق الذهب للارتفاع الجنوني، حيث قفز خلال ساعات يوم الأربعاء 11 يناير إلى مستويات 1870 جنيها لغرام الذهب عيار 18.

يعكس التحرك في سعر الذهب، قوة الدولار في السوق الموازية الذي يتصاعد كلما تراجع الجنيه رسميا، ما دفع تجار الذهب إلى تعليق الإعلان عن أسعار البيع والذهب لدى التجار، لحين توقف العمل بالبنوك ومعرفة سعر الدولار عند الإغلاق وبدء التعامل من جديد.

وانشغلت المحلات التجارية والأسواق بتعديلات جديدة في الأسعار، في مشهد يتكرر كل عدة أيام، مع زيادة في الأسعار، تشمل جميع السلع والمأكولات والخضروات.

وتحذّر مؤسسة فيتش المالية في تقرير عن مصر، من تعرّض اقتصاد مصر "الهش" جراء سياسية التشدد النقدي في زيادة خدمة الديون وتفاقم الضغط على الموازنة العامة.

وتتوقع "فيتش" زيادة ارتفاع تكلفة المعيشة مع استمرار تطبيق إصلاح الدعم الحكومي (سترفع أسعار الطاقة وسلع بطاقات التموين) وأنظمة سعر الصرف وخفض الإنفاق الرأسمالي، مع ذلك "لن يكون كافيا لتخفيف الإحباط الشعبي من ارتفاع الأسعار" ، ولا تستبعد فيتش أن تندلع في مصر ودول عديدة في المنطقة، احتجاجات مع تفاقم أسباب ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف النمو الاقتصادي وانحسار التحويلات المالية. "1"

محاولات خليجية لإنقاذ الجنيه

ومع خسارة الجنيه في يوم 11 يناير 2022 ، أكثر من 50% من قيمته أمام الدولار في أقل من عام، تدخلت صناديق استثمارات خليجية من خلال شراء سندات بنحو ربع مليار دولار ، والتي دعمت جانب العرض، بقيمة تتجاوز سبعة مليارات جنيه، فيما اتجهت المؤسسات المصرية والأجانب للبيع.

وتعبر عمليات الشراء الخليجية للسندات الحكومية عن دخول سيولة دولارية للبنوك، عن طريق بيع الدولار من قبل تلك الصناديق للحصول على الجنيه اللازم لشراء السندات التي تباع بالعملة المحلية.

وبحسب بيانات البورصة المصرية، ركزت الصناديق الخليجية على شراء سندات الخزانة المصرية استحقاق 20 أكتوبر 2025، إذ اشترت الصناديق من تلك السندات ما قيمته تتجاوز سبعة مليارات جنيه، وهو ما يأتي بعد ساعات معدودة من قيام الحكومة بإعادة فتح الاكتتاب في تلك السندات مؤخرا، وساهم تدخل الصناديق الخليجية في رفع سعر تلك السندات خلال تعاملات يوم 11 و12 يناير، رغم انخفاض العائد عليها.

وفي مقابل التدفق الدولاري الذي ساهم في خفض السعر نسبيًا  يوم 11 يناير ، فإن الطلب على الدولار لم يشهد تغيرات كبيرة منذ بداية العام الجاري، حين قرر البنك المركزي إيقاف قرار سابق بتقييد الواردات عن طريق قصرها على الاعتمادات المستندية، ليعاود العمل بمستندات التحصيل، والتي تسمح للمستوردين والتجار بسداد جزء فقط من قيمة الشحنات الواردة، واستكمال السداد بناء على جدول سداد مُتفق عليه بينهم وبين المصدرين بالخارج."2"

فخ صندوق النقد وخراب مصر

في ديسمبر 2022، وافق الصندوق على منح مصر قرضًا بقيمة 3 مليارات دولار تسدد على 46 شهرًا، فيما يبلغ عبء خدمة الدين الذي يتعيّن على القاهرة سداده خلال العام المالي 2022-2023 حوالي 42 مليار دولار، وفق البنك الدولي.

نتيجة اتفاق الصندوق الجديد، تراجع الجنيه المصري إلى مستويات قياسية جديدة، في ثالث تخفيض لقيمة العملة المصرية خلال 10 أشهر.

وانضمت مصر إلى عضوية صندوق النقد الدولي في ديسمبر/كانون الأول عام 1945، واقترضت من الصندوق أول مرة خلال حكم الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بقيمة 185.7 مليون دولار، ومرتين خلال فترة حكم مبارك، الأول بقيمة 375.2 مليون دولار والآخر بقيمة 434.4 مليون دولار، ولم تسحب قيمته وعدّ ملغيًا.

ومنذ منتصف التسعينيات حتى عام 2011، اقتصر دور الصندوق على تقديم المشاورات والمساعدات الفنية لمصر فقط، دون أن تطلب الأخيرة منه أية قروض مالية ، وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي وافق الصندوق على تقديم قرض جديد لمصر بقيمة 3 مليارات دولار، هو الرابع منذ 2016، حين وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على قرض لمصر بقيمة 12 مليار دولار.

وخلال 6 سنوات، حصلت مصر على تمويلات تقدر بـنحو 25 مليار دولار من صندوق النقد على النحو التالي، قرض بقيمة 12 مليار دولار عام 2016،  وقرض بآلية التمويل السريع بقيمة 2.7 مليار دولار عام 2020 لمواجهة أزمة جائحة كورونا، وقرض ضمن مساعدة طارئة بقيمة 5.2 مليارات دولار عام 2020، و دعم بقيمة 2.8 مليار دولار في أغسطس 2021 من مخصصات وزعها الصندوق على الدول الأعضاء من أجل مواجهة تداعيات كورونا، و قرض بقيمة 3 مليارات دولار نهاية عام 2022.

ووفق إحصائية في أكتوبر 2022، فإن مصر حلت في المركز الثاني ضمن أكثر الدول اقتراضًا من صندوق النقد الدولي، بينما حلت الأرجنتين في المقدمة.

وبحسب الإحصائية فإن صندوق النقد الدولي لديه ديون مستحقة قيمتها 102.8 مليار دولار، وتأتي الأرجنتين في المرتبة الأولى كأكبر مدين لصندوق النقد الدولي، حيث يبلغ حجم ديونها للصندوق 42.2 مليار دولار.

وتحل مصر في المركز الثاني بدين يبلغ حجمه 20.5 مليار دولار، ثم تأتي أوكرانيا في المركز الثالث بإجمالي دين 9.37 مليارات دولار، تليها باكستان في المركز الرابع بديون تبلغ 7.85 مليارات دولار، والإكوادور في المركز السادس بدين يبلغ 7.22 مليارات دولار.

وارتبطت قروض صندوق النقد الدولي لمصر ببرنامج للإصلاح الهيكلي اتفقت عليه مصر مع الصندوق يقضي بأن يمتنع البنك المركزي عن التدخل لتثبيت سعر الصرف، وأن يتركه مرنًا.

وعن أهمية مرونة سعر الصرف بالنسبة لمصر، قال الصندوق على موقعه الإلكتروني الشهر الماضي إنه في السابق، لم يكن التوجيه المكثف لسعر الصرف يعود بالنفع على مصر بشكل جيد، فقد أدى إلى فترات من تراكم الاختلالات، وهو ما أفضى بدوره إلى تراجع الأصول بالنقد الأجنبي لدى البنك المركزي والبنوك التجارية.

وأضاف: أدت عمليات تخفيض سعر الصرف هذه إلى ارتفاعات حادة في معدل التضخم، وأضعفت النشاط الاقتصادي مع فقدان المستهلكين والمستثمرين ثقتهم في سلامة أوضاع الاقتصاد المصري.

وبحسب الصندوق، فإن هدف برنامجه هو تحديد قيمة الجنيه المصري على أساس حر أمام العملات الأخرى (أي إرساء نظام سعر صرف مرن)، الأمر الذي من شأنه أن يحافظ على احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، ووفقًا لهذا البرنامج سيتحرك سعر الصرف صعودًا وهبوطًا، حيث يرتفع أو ينخفض تماشيًا مع الأوضاع الاقتصادية."3"

وقد  أظهر تقرير لخبراء صندوق النقد الدولي، صدر  يوم 10 يناير 2023، أن مصر التزمت بمرونة سعر العملة، أي تركه للعرض والطلب، ومنح دور أكبر للقطاع الخاص، ومجموعة من الإصلاحات النقدية والمالية، عندما توصلت إلى اتفاق على حزمة دعم مالي بقيمة ثلاثة مليارات دولار.

وبحسب المعلومات التي كشف عنها الصندوق مؤخرا  فإنه من بين تعهدات الحكومة المصرية للصندوق مقابل الحصول على قرض مالي إبطاء وتيرة الاستثمار في المشروعات العامة، بما في ذلك المشروعات القومية، وذلك للحد من معدل التضخم المرتفع والحفاظ على العملة الأجنبية، دون تحديد المشروعات التي ستخضع لذلك.

وأنفقت الحكومة بسخاء على مشروعات البنية التحتية على مدى السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك بناء شبكة واسعة من الطرق والجسور، فضلا عن إقامة مدن جديدة، ومشروعات حكومية بالعاصمة الإدارية الجديدة مثل الحي الحكومي.

كما بدأت العمل في مشروع للسكك الحديدية فائقة السرعة، ومشروع آخر لإقامة محطة للطاقة النووية، تبلغ كلفة كل منهما نحو 30 مليار دولار 

وبموجب خطاب النوايا الذي تم الكشف عن بنوده، قالت مصر إنها ستسمح لأسعار معظم منتجات الوقود بالارتفاع حتى تتماشى مع آلية مؤشر الوقود في البلاد، لتعويض التباطؤ في مثل هذه الزيادات خلال السنة المالية الماضية

كما تعهدت مصر للصندوق بعدم التدخل في أسواق العملة الأجنبية لتحقيق الاستقرار أو لضمان سعر للصرف، إلا في حالات التقلب الشديد. وسُمح للجنيه المصري بالتقلب أكثر من ذي قبل منذ خفضت قيمته للمرة الثالثة في أقل من عام الأسبوع الماضي.

كما وافقت مصر على تعزيز كفاءة سياستها النقدية من خلال التخلي عن معظم برامج الإقراض المدعوم، وضمان أن تظل أسعار الفائدة بين البنوك "مرتبطة ارتباطا وثيقا" بنطاق أسعار الفائدة الذي يقرره البنك المركزي."4"

كما قال صندوق النقد الدولي، الثلاثاء 10 يناير 2023، إن مصر تواجه فجوة تمويلية بقيمة 17 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة، لتكون قادرة على المضي قدما بموازناتها القادمة."5"

ووفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، وجدول استحقاقات أقساط وفوائد الدين الخارجي على مصر، في ديسمبر الماضي، فإن مصر ملزمة بسداد نحو 83.8 مليار دولار عن خدمة الدين الخارجي خلال السنوات الخمس المقبلة، ما لا يقل عن 10 مليارات دولار منها يلزم تسديده قبل نهاية عام 2026 لصندوق النقد الدولي ، ويبلغ عبء خدمة الدين الذي يتعين على مصر سداده خلال العام المالي 2022-2023 حوالي 42 مليار دولار، وفق البنك الدولي."6"

ارتفاع التضخم يهدد حياة المصريين

وفي ظل التراجع المستمر  للجنيه المصري، واصل معدل التضخم السنوي في مصر الارتفاع ليبلغ نحو 22% في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وسط ارتفاع أسعار الغذاء نتيجة انخفاض قيمة العملة المحلية ونقص العملة الأجنبية، بينما طالب صندوق النقد الدولي الحكومة بتشديد سياستها النقدية لمواجهة ذلك.

وأفاد الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري، أن “معدل التضخم السنوي بلغ 21.9% في شهر ديسمبر 2022 مقابل 6.5% في الشهر نفسه من العام السابق (2021)”، وأرجع الجهاز الزيادة في معدل التضخم إلى ارتفاع أسعار الطعام والمشروبات بنسبة 38%

وفي مؤتمر صحفي، أوضحت رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي في مصر إيفان هولر أن "الانخفاض المستمر في قيمة العملة في وقت ترتفع فيه أسعار السلع العالمية، أدى إلى الضغط على الأسعار المحلية وارتفاع التضخم".

وطالبت هولر من الحكومة المصرية لمواجهة التحدي “استعادة استقرار الأسعار عبر تشديد السياسة النقدية، وحماية المعرّضين للخطر من خلال دعم الميزانية الموجَّه بعناية إلى المحتاجين”.

وبسبب أزمة النقد الأجنبي التي أسهم فيها خروج نحو 20 مليار دولار من مصر بسبب قلق المستثمرين عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، قامت معظم البنوك بتقييد السحب بالدولار خارج مصر، كما رفعت عمولة استخدام البطاقات الائتمانية في عمليات الشراء في الخارج من 3% إلى 10%.

ولا يتجاوز الاحتياطي النقدي لدى القاهرة 34 مليار دولار، من بينها 28 مليارًا ودائع من دول الخليج الحليفة، لكن ديون مصر الخارجية تضاعفت بأكثر من ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة لتصل الى أكثر من 155 مليار دولار."7"

وفي نفس السياق، قدم "ستيف هانك"، الخبير الاقتصادي أستاذ الاقتصاد المعروف بجامعة "جونز  هوبكنز"، تصورا صادما للغاية عن معدلات التضخم الحقيقية في مصر، قائلا إنها تبلغ 85%، وهو رقم يختلف كثيرا عن الأرقام الرسمية التي أعلنتها الحكومة المصرية عن التضخم في ديسمبر/كانون الأول الماضي، والتي بلغت 21.9%.

ووفقا لحسابات "ستيف هانك"، فإن معدل التضخم الحقيقي في مصر يجعلها في المركز الخامس من بين أسوأ 20 دولة على مستوى العالم من حيث ارتفاع تلك المعدلات، لتتخطى بذلك الأرجنتين وغانا ، كما احتلت مصر أيضا المركز الخامس عالميا أيضا من حيث انخفاض قيمة عملتها المحلية خلال العام الماضي."8"

وعن اثر التعويم على الأسواق المصرية ، قال الخبير الاقتصادي ممدوح الولي انه ليس هناك  أي تفاؤل فيما يخص استقرار سعر الصرف، وقال إن “المرونة في السوق ابتدأت الآن وحصل تحريك للسعر داخل الجلسة أكثر من مرة”

وأشار في حوار مع المسائية على الجزيرة مباشر، إلى أن ما حدث من تحريك للسعر، “مقصود لتوصيل رسالة للمضاربين أن السعر الموجود في السوق السوداء   (33 جنيهًا) ليس عادلًا، ويجب أن يكون أقل من ذلك”، متابعًا أن الدفاع عن سعر الصرف مرهون بتوافر الدولار في الجهاز المصرفي.

وتحدث عن وجود أزمة حقيقية في الدين الخارجي، وأكد أنه “لا يتوقع حل مشكلة التضخم في شهر أو شهرين، فكل التوقعات تشير إلى زيادة في معدلات التضخم وليس العكس، وبيانات الصندوق أفادت بأن بيانات العجز التجاري سيزيد خلال السنوات المقبلة. المشكلة كبيرة”.

من جهتها، ترى الأستاذة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عالية المهدي أن التقلبات والتغييرات في سعر الصرف لن تنتهي قريبًا، وستأخذ وقتًا حتى تدخل دولارات جديدة للقطاع المصرفي.

وقالت الدكتورة عالية المهدي للمسائية إن “الدولارات التي حصل عليها البنك المركزي من الأفراد مقابل عوائد بقيمة 25% بلغت 4 مليارات دولار، وهناك توقع لدخول ودائع عربية بأرقام ليست كبيرة، لكن هذا لن يمنع اضطراب سعر الصرف لفترة وجيزة”

ولا ترى الخبيرة الاقتصادية أي فائدة قريبة وسريعة على الاقتصاد المصري من وجود سعر صرف مرن، “بل ستأخذ وقتًا طويلًا حتى تظهر”."9"

وعن الأفق المستقبلية في عام 2023 ، لتدعيات تحرير سعر الصرف الرابع ،اكد خبراء ان هناك قرار برفع فاتورة الكهرباء للمرة التاسعة في عهد   السيسي، على استهلاك المواطنين والمحال التجارية والمصانع، وذلك رغم ركود تضخمي يضرب الأسواق المحلية.

 ووفق ما نقله موقع "البورصة" الاقتصادي المحلي، فإن وزارة الكهرباء تدرس حساب تعرفة أسعار الاستهلاك بإعداد الحسابات الخاصة بتكلفة إنتاج وبيع الكيلووات للمستهلكين، وسيناريوهات الأسعار المقرر تطبيقها تموز/ يوليو المقبل."10"

وفي ظل هذه الأوضاع الاقتصادية المتأزمة وتصاعد أزمة الدولار، واصل  القطاع الخاص غير النفطي في مصر انكماشه في ديسمبر 2022 للشهر الخامس والعشرين على التوالي، تحت ضغط التضخم وضعف العملة واستمرار القيود على الواردات.

وارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز غلوبال لمديري المشتريات في مصر إلى 47.2 في ديسمبر من 45.4 في نوفمبر، لكنه ظل دون مستوى الـ50 الفاصل بين النمو والانكماش.

وارتفع المؤشر الفرعي للإنتاج إلى 44.8 من 40.8 في نوفمبر، وارتفع المؤشر الفرعي للطلبيات الجديدة إلى 45.5 من 41.4.

وقالت ستاندرد آند بورز غلوبال: "وفقا للمشاركين في المسح، فإن انخفاض النشاط عموما يعكس ظروف ضعف الطلب، حيث دفع ارتفاع الأسعار العملاء إلى مزيد من الخفض في الإنفاق"، وجاء الانكماش لأسباب، منها ارتفاع تكلفة المواد واستمرار القيود على الواردات."11"

تعتيم برلمانى على الأزمة وغضب شعبي

وفي سياق متصل فرضت حكومة السيسي تعتيما على خطواتها المتتالية مع الصندوق ، وقالت مصادر نيابية مصرية، لـصحيفة "العربي الجديد"، إن رئيس مجلس النواب حنفي جبالي، اجتمع أخيراً مع رؤساء اللجان النوعية، والهيئات البرلمانية للأحزاب، على خلفية تصاعد حدة انتقادات النواب للحكومة بسبب الأزمة الاقتصادية، ومطالبة البعض منهم بتغيير السياسات الاقتصادية الراهنة جراء معاناة المواطنين من موجة الغلاء، وانفلات أسعار السلع الأساسية.

وكشفت المصادر أن جبالي وجّه النواب بعدم انتقاد السياسات الاقتصادية علناً، المالية منها والنقدية، سواء في الجلسات العامة للبرلمان أو في وسائل الإعلام، إضافة إلى عدم التقدم ببيانات عاجلة أو أسئلة أو طلبات إحاطة بشأنها، ولو بشكل مؤقت، بدعوى أهمية الوقوف إلى جوار الدولة ومؤسساتها في أزمتها الحالية، والتصدي لمحاولات "زعزعة الاستقرار" من جانب البعض في الداخل والخارج.

وأضافت المصادر أن جبالي لم يبد اعتراضاً بشأن انتقاد النواب للحكومة ووزرائها في الملفات الخدمية التي تهم المواطنين، مثل التموين والصحة والتعليم والإسكان والإدارة المحلية، من دون التعرض إلى السياسات المالية أو النقدية للدولة، أو الحديث عن أولويات الإنفاق العام. ويأتي ذلك خصوصاً أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه الحكومة، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، قد حظي بموافقة سابقة من البرلمان.

وتابعت المصادر أن جبالي أكد، في اجتماعه مع رؤساء اللجان وممثلي الأحزاب، أن تحديد سعر صرف الجنيه مقابل الدولار هو اختصاص أصيل للبنك المركزي المصري، ولا علاقة للبرلمان به من قريب أو بعيد، والذي اختصه الدستور بسلطات محددة مثل التشريع، وممارسة الرقابة على أعمال الحكومة، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية متناسيا ان القانون عزز سلطات المراقبة على كل اجهزة الدولة .

وترافق اجتماع رئيس البرلمان مع مطالبة بعض النواب الحكومة بتقديم استقالتها، بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية، على أثر تخفيض قيمة الجنيه للمرة الثالثة في أقل من 10 أشهر، وتسجيل سعر صرف الدولار، في تعاملات متقلبة يوم أمس الأربعاء، 30.20 جنيهاً في المصارف الرسمية، مقارنة مع 15.70 جنيهاً في 20 مارس/آذار الماضي، أي بنسبة خفض بلغت نحو 77 في المائة من قيمته.

وجاءت محاولات رئيس البرلمان لثني النواب عن التحدث في السياسات الاقتصادية العامة للدولة، في ظلّ محاولات أخرى للتعتيم على موضوع موافقة الحكومة المصرية على شروط صندوق النقد الدولي، التي أعلن عنها الأخير من جانب واحد الثلاثاء 10 يتاير 2022، للحصول على قرض بقيمة نحو ثلاثة مليارات دولار. كما أعلن عن جدول متابعة أداء الاقتصاد المصري لربطه بالموافقة على قيم الدفعات التي سوف تستلمها مصر في إطار البرنامج الذي يستمر 4 سنوات.

وكان السيسي، قد رد على الانتقادات الموجهة إلى حكومته، قائلاً: "أقول لمن يفزعون الناس ويثيرون البلبلة: بطلوا هري (كلام لا يجدي)، واسمعوا منا ليس لأننا أصدق من الآخرين، ولكن لأننا ندرك حجم التحدي أكثر من غيرنا". وأضاف السيسي أن "أي اجتهاد من الآخرين بشأن الأزمة الحالية ليس مكروهاً أو مرفوضاً، ولكنه يتسبب في بلبلة، ويزعج الناس".

واستطرد السيسي، خلال فعاليات مؤتمر التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي: "مصر لم تدخل حروباً أو مغامرات ضيّعت فيها أموالها، ولكنها أحداث خارجية دفعت البلاد ثمنها، وإذا كانت الظروف صعبة، فإن المصريين لن يتخلوا عن وطنهم. والحرب الجارية في أوكرانيا ليست مصر طرفاً فيها، ولكنها تدفع الثمن مثل جميع دول العالم"."12"

وأثار تحرك سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، مؤخرا، جدلًا على منصات مواقع التواصل الاجتماعي، وتصاعد الغضب الشعبي بين المصريين الذين طالبوا السيسي وحكومته بالرحيل والتوقف عن تخريب مصر13"

المصادر:

  1. عادل صبري، "مصر تتجرع "الدواء المر" من صندوق النقد: الجنيه إلى القاع" ، العربي الجديد ، 12 يناير 2023، https://cutt.us/VklId
  2. سارة سيف الدين و محمد عز، "دولارات خليجية تنقذ الجنيه من انهيار غير مسبوق " مدي مصر ، 11 يناير 2023، https://cutt.us/zKNC6
  3. " ما الذي يفعله صندوق النقد الدولي في مصر؟" ، الجزيرة مباشر ، 11/1/2023، https://cutt.us/VGLFs
  4. "مصر تتعهد لصندوق النقد بإبطاء المشروعات القومية وزيادة أسعار الوقود" ، العربي الجديد ، 10 يناير 2023 ، https://cutt.us/uh1qo
  5. "صندوق النقد: مصر تواجه فجوة تمويلية بقيمة 17 مليار دولار خلال 4 سنوات" ، الخليج الجديد ، 10 يناير 2022 ، https://cutt.us/sLSQD
  6. "من الأرجنتين إلى مصر.. كيف وقعت مصر في فخ صندوق النقد الدولي؟"، الجزيرة مباشر، 12/1/2023 ، https://cutt.us/rgQ4I
  7. "مصر.. ارتفاع التضخم إلى 22% وصندوق النقد يطالب بتشديد السياسة النقدية" ، الجزيرة مباشر، 11/1/2023، https://cutt.us/AiEll
  8. "رقم صادم.. أستاذ اقتصاد عالمي يكشف نسبة التضخم الحقيقية في مصر"، الخليج الجديد ، 11 يناير 2023 ، https://cutt.us/YR9j6
  9. "كيف ستؤثر خطوة تحرير سعر صرف الجنيه المصري في السوق؟ "، الجزيرة مباشر،  12/1/2023، https://cutt.us/C3Ln9
  10. "هل يلغي السيسي دعم الكهرباء؟.. 4 سيناريوهات صعبة بانتظار المصريي"، عربي21 11 يناير 2023 ، https://cutt.us/Tp5wL
  11. "استمرار انكماش نشاط القطاع الخاص بمصر للشهر الـ25 على التوالي" عربي21 ، 4يناير 2023 ، https://cutt.us/E86ZR
  12. "تعليمات للنواب بعدم انتقاد السياسات الاقتصادية العليا"، العربي الجديد، 12 يناير 2023، https://cutt.us/fOlmH
  13. "مصر.. انخفاض الجنيه أمام الدولار يثير سخطا وغضبا على مواقع التواصل" ، الجزيرة مباشر، 11/1/2023، https://cutt.us/f3Q4y