جمهورية تتارستان

الخميس - 8 يوليو 2021

 

جمهورية تتارستان هي إحدى الجمهوريات الإسلامية السوفييتية الواقعة في منطقة الفولغا وتنسب إلى التتار، والتتار شعب كبير من شعوب الأمة التركية، وقد نقل التتار الإسلام إلى شمالي أوروبا، فوصلت الدعوة الإسلامية بجهودهم إلى روسيا الأوربية، وإلى فنلندا وبولندا ودول شبه جزيرة اسكندنافية عامة، ولقد تمسك الشعب التتري في تتاريل بعقيدتهم، وصمدوا لتحدي قياصرة روسيا طيلة أربعة قرون، ولم ينجح السوفيت رغم الحملات الشرسة في زعزعة إيمان التتار، ولا زال الإسلام دين الأغلبية في جمهورية تتارستان رغم تهجير العديد من الروس إليها، وخضعت للحكم الشيوعي في 27/5/1920م·

الموقع والجغرافيا:

تقع على السفوح الغربية لجبال الأورال الفاصلة بين آسيا وأوروبا بمساحة تبلغ نحو 70 ألف كم² وسكانها يقتربون من أربعة ملايين نسمة.

وتوجد جمهورية تتارستان تحديدا شرقي روسيا، وفي القسم الأعلى من حوض الفولغا، تحدها بشكيريا من الشرق، وادمورت وماري من الشمال والشمال الغربي، والجوفاش من الغرب، وهي جمهوريات صغيرة لها حكم ذاتي، وتتبع جمهورية روسيا الاتحادية، وعاصمة البلاد كازان (قازان) وتوجد على الضفة اليسرى لنهر فولغا·

السكان والنشاط البشري:

غالبية السكان من التتار، وهم شعبة من الأمة التركية، وينتشرون في بقاع أخرى غيرها، فتوجد منهم جماعات في غربي سيبريا، يشكلون معظم سكان شبه جزيرة القرم، غير أن السوفيت أرغموا التتار على الهجرة وألغوا جمهوريتهم، وسكان جمهورية تتارستان حوالي ثلاثة ملايين ونصف، يشكل التتار أغلبيتهم، ويعتنقون جميعًا الإسلام، ولقد هجَّر الروس إليها أعدادًا من روسيا الأوروبية للتقليل من الأغلبية الإسلامية، والتتار عمومًا يشكلون القومية الخامسة في الترتيب بين القوميات في الاتحاد السوفيتي -سابقا-، وينتشرون في مناطق متعددة من البلاد، ويصل عددهم حوالي 6.5 مليون نسمة، وتصل نسبة المسلمين في تتارستان 65% تقريبًا·

والجمهورية غنية بثروتها الزراعية، وكذلك بثروتها المعدنية، وأهم منتجاتها الحبوب: كالقمح، والشعير، والشوفان، ويعتبر النفط موردًا هامًّا فيها، ويستخرج من حوض نهر كاما، وأطلق على هذه المنطقة باكو الجديدة، وإنتاجها من النفط يزيد على عشرين مليون طن سنويًّا·

اللغة:

يتكلم التتار اللغة التترية، وهى عبارة عن فرع من عائلة اللغات التركية وهي لغة رسمية في تتارستان كالروسية استخدم التتار أوّلًا الحروف العربية حتى عام 1927 حيث استبدلت بالأحرف اللاتينية ومنذ العام 1939 استعمل الحرف الكيريلي، ولكن أعيد الحرف اللاتيني مؤخرا.

اقتصاد تتارستان:

جمهورية تتارستان غنية بثروتها الزراعية وكذلك بثروتها المعدنية، وأهم منتجاتها الحبوب: كالقمح، والشعير، والشوفان، ويعتبر النفط موردًا هامًّا فيها، ويستخرج من حوض نهر كاما، وأطلق على هذه المنطقة باكو الجديدة وإنتاجها من النفط يزيد على عشرين مليون طن سنويًّا.

كيف وصل الإسلام إلى تتارستان؟

وصل الإسلام إلى هذه المنطقة في بداية القرن الرابع الهجري، عندما وصل التجار المسلمون إلى حوض نهر الفولغا، وأسلم شعب البلغار، وأرسل إليهم الخليفة العباسي المقتدر (295هـ - 320هـ) من يفقههم في الدين، وكان الإسلام يسود منطقة الحوض الأدنى من نهر الفولجا، بل تجاوزها إلى منطقة القرم في شمال البحر الأسود، غير أن الدفعة الأساسية للدعوة الإسلامية في حوض الفولغا وصلت بإسلام التتار، فعندما احتلها قياصرة روسيا في سنة (960هـ - 1552م) كان الإسلام منتشرًا بين سكانها، واضطهد أهلها، وحاول الروس جذبهم إلى المسيحية بالقوة والقهر، ولكنهم فشلوا، ولقد بذلت الإمبراطورة كاترين الثانية جهودًا جبارة في هذا المجال في سنة (1192هـ - 1778م)، فأمرت بأن يوقع كل من الذين اعتنقوا المسيحية (الجدد) على إقرار كتابي يتعهد فيه بترك (خطاياه)، ويتجنب الاتصال بالكفار، ويظل على الدين المسيحي، وطبق هذا بالقوة على التتار المسلمين، ولكنهم كانوا مسيحيين اسمًا، ثم تخلصوا من هذا التعسف، وظلوا على إسلامهم، ولقد دونت أسماؤهم في السجلات المسيحية زورًا، ووقف التتار في ثبات وقوة ضد المنصرين وحملاتهم، وشهد القرن التاسع عشر الميلادي عدة قوانين تحد من انتشار الدعوة، لدرجة أن القانون الجنائي الروسي كان يعاقب كل شخص يتسبب في تحويل مسيحي روسي إلى الإسلام بالأشغال الشاقة، ورغم هذا انتشرت الدعوة بصورة سرية، ولما صدر قانون حرية التدين في روسيا القيصرية في سنة (1323هـ - 1905م) حانت الفرص للدخول في الإسلام بصورة جماعية، فلقد بلغ عدد من أعلنوا إسلامهم في سنة (1324هـ - 1906م) ثلاثة وخمسين ألفًا، وفي سنة 1909م دخلت 91 أسرة في الإسلام·

وسارت الدعوة الإسلامية قدمًا في حماسة بالغة، وكان كل مسلم داعية إلى دينه، ولقد خدمت الدعوة الإسلامية هجرة جماعات ممن احترفوا الحياكة في القرى الإسلامية في زمن الشتاء، واعتنق هؤلاء الإسلام، وعند عودتهم إلى قراهم تحوّلوا إلى دعاة للإسلام، وأثمرت دعوة التتار أنصارًا في سيبريا وغيرها، وقبل استيلاء السوفيت على السلطة كان في مدينة قازان عاصمة جمهورية تترستان، جامعة إسلامية بها سبعة آلاف طالب في مستهل القرن العشرين - وكان بها مطبعة أخرجت مليون نسخة من مائتين وخمسين كتابًا في سنة 1320هـ - 1902م، كما كان بمدينة قازان مكتبة إسلامية يزورها عشرون ألف قارئ سنويًّا، وانتشرت المساجد حتى بلغت مسجدًا لكل ألف مسلم في الجمهورية، والآن عدد المساجد بها ثلاثة عشر مسجدًا، وهكذا كان الإسلام مزدهرًا بها قبل الثورة الماركيسية في روسيا·

ولقد أنشئ في قازان مركز للدعوة الإسلامية، واجتهد علماء قازان في نشر الدعوة، وطبعوا منشورات لها، واهتموا بالتعرف على الإسلام باللغة التتارية، وانتشر الدعاة (مليات) وطلاب جامعة قازان في القرى والفيافي يدعون الناس للإسلام، ونشطوا في هذا الأمر بعد صدور قانون حرية التدين في روسيا سنة 1905م، ونجحوا في بث الدعوة الإسلامية بين تتار سيبريا، وبعد أن استولى السوفيت على الحكم، انقلبت الأوضاع، وواجه التتار حربًا قاسية على معتقداتهم، فأغلقت المدارس الإسلامية، ودمرت المكتبات والمطابع الإسلامية في قازان عاصمة تتاريا، وواجه المسلمون مواقف مؤلمة، ثاروا ضد الاضطهاد الديني، وقدموا العديد من الشهداء، حتى أولئك الذين تعاونوا مع الشيوعيين في البداية، مثل السلطان علي أوغلي، والذي دعاه السوفييت باسم عالياف، وقد نادى بتوحيد المسلمين في روسيا في كيان دولة واحدة تتحد مع السوفيت على مستوى واحد، فقبض عليه سنة (1342هـ - 1923م)، وأعدم في سنة (1356هـ - 1937م)، ولقد رفض السوفيت وحدة الأراضي الإسلامية، بل أخذوا يجتهدون في تفتيتها إلى قوميات للقضاء على الوحدة·

ولقد أدمج الروس كل المناطق الإسلامية التي توجد في روسيا الأوربية في إدارة دينية واحدة، مقرها في مدينة أوفا عاصمة جمهورية بشكيريا، وتشرف على المسلمين في سيبريا أيضًا، وجردوا هذه الإدارة من كل السلطات، فأصبحت أمرًا شكليًّا، ولكن في الآونة الأخيرة تغيرات الأمور مع تنامي دعوات الحرية والانفتاح التي شهدته فدرالية روسيا·

تتارستان في زمن روسيا القيصريّة:

عندما احتلّ قياصرة روسيا جمهوريّة تتارستان في عام 1552 ميلاديّ، وكان الاسلام منتشرًا أصلًا بين سكانها، ولكنّ الرّوس اضطهدوا التّتار، وحاولوا تحويلهم  إلى المسيحيّة، ولكنّهم فشلوا في هذا، وبذلت الإمبراطورة كاترين الثّانيّة جهودًا إضافيّة في هذا الشّأن في عام 1778 ميلاديّ، وأمرت أن يوقّع كلُّ معتنقي المسيحيّة الجُدد على تعهُّد كتابي أن لا يتعاملوا مُجدّدًا مع المسلمين، وأن يبقوا على الدّين المسيحيّ، ولكنّهم كانوا مسيحيّين بالاسم فقط، وبقي إسلامهم سرّيًّا، ثُمَّ تخلّصوا من هذه الأحكام الجائرة.

كما شهد القرن التّاسع عشر عددًا من القوانين التي تحدُّ من انتشار الدّعوة الإسلاميّة، وكان القانون الجنائيُّ الرّوسيُّ يُعاقب كلّ شخص يتسبّب في تحويل أيِّ روسي إلى الاسلام بالأشغال الشّاقّة، وبقيت الدّعوة إلى الاسلام في تتارستان سرّيّة حتّى صدور قانون حرّيّة الأديان، وظهر المسلمون الجُدد إلى العلن، وكان عددهم حوالي ثلاثة وخمسين ألفًا.

محنة تتار ستان فى زمن السوفيت:

بعد استيلاء السّوفييت على الحكم، واجه التّتار حربًا شرسة على معتقداتهم، وأغلقت المدارس الإسلاميّة، ودمرت المطابع والمكتبات الإسلاميّة، وأدمج الرّوس كلّ المناطق الإسلاميّة في روسيا الأوربيّة تحت إدارة دينيّة واحدة، مقرها مدينة أوفا، وهي عاصمة جمهوريّة باشكورستان، وتشرف على المسلمين في جميع سيبريا، ولكنّهم جرّدوا هذه الإدارة من كل صلاحيّاتها، فأصبحت إدارة شكليّة، ولكنّ هذا كلَّ انتهى عندما صدر قانون حرّيّة الأديان.

ومع ذلك ظل الاسلام في تتارستان يحتل مكانة مهمّة عند كلِّ مسلم، وعلى الرّغم من معاناتهم، إلّا أنّ تتارستان شهدت صحوة إسلاميّة واسعة في الفترة الأخيرة، وبلغت نسبة المسلمين حوالي سبعين في المئة من تعداد السّكّان، وبلغ عدد حُفّاظ القرآن الكريم حوالي ثلاثين ألف مسلم، وقاموا بإعادة إعمار المساجد والآثار الإسلاميّة التي تعرّضت للهدم والإزالة في فترة حُكم قياصرة روسيا، ولكن ينقصهم مُعلّمون قادرون على تعلّيم اللّغة العربيّة.

استقلال تتارستان:

في 30 أغسطس 1990 أُعلنت تتارستان سيادتها بإصدار إعلان سيادة جمهورية التتار الاشتراكية السوڤيتية وفي 1992 عقدت تتارستان استفتاءا على الدستور الجديد.

 صوت 62% لصالح الدستور.

 في دستور تتارستان 1992، عُرفت تتارستان كدولة سيادية. إلا أن المحكمة الدستورية الروسية اعتبرت أن الاستفتاء والدستور غير دستوريين.

و طُرحت المادة 1 و3 من الدستور عام 2002 لاستفاء جديد باعتبار تتارستان جزء من روسيا الاتحادية.

وفي 15 فبراير 1994، أُبرمت معاهدة حول تحديد الموضوعات القضائية والتفويض المتبادل للسلطة بين هيئات الدولة في روسيا الاتحادية والهيئات الحكومية في جمهورية تتارستان.

 وتم التوقيع على اتفاقية بين حكومة روسيا الاتحادية وحكومة جمهورية تتارستان ("حول تعيين حدود السلطة في مجال العلاقات الاقتصادية الخارجية"). تم تجديد اتفاقية تقاسم السلطة في 11 يوليو 2007، على الرغم من تقليص الكثير من السلطة المفوضة إلى تتارستان.

في 20 ديسمبر 2008، رداً على اعتراف روسيا بأبخازيا وأوستيا الجنوبية، أعلن المجلس الملي للشعب التتاري تتارستان كجمهورية مستقلة وطالب الأمم المتحدة بالاعتراف بها.

 إلا أن هذا الإعلان قوبل بالتجاهل من قبل الأمم المتحدة والحكومة الروسية. في 24 يوليو 2017، انتهت اتفاقية الحكم الذاتي الموقعة عام 1994 بين موسكو وقازان، مما يجعل تتارستان آخر جمهورية روسية تفقد وضعها الخاص.