دجاجة تبيض ذهبا.. هكذا ابتلعت المخابرات المصرية "الشرقية للدخان"!

الأحد - 4 سبتمبر 2022

  • هذه تفاصيل نهب أرض ومصانع أقدم شركة دخان مصرية نشأت عام 1920
  • وقائع فساد وتدليس صاحبت عملية دخول المخابرات كشريك بمصانع الشركة
  • لماذا سعت جمهورية العسكر الاقتصادية للسيطرة على صناعة السجائر؟

 

إنسان للإعلام- خاص

في سياق تنافس شركات الجيش والمخابرات المصرية للاستيلاء على أي امتيازات اقتصادية، ونهب الشركات المصرية العريقة، استحوذت شركة المخابرات (المتحدة للتبغ) على السجائر في مصر، بعدما سيطرت على الإعلام وصناعة الدراما.

تم تغيير اسم مُصنع جميع سجائر "مارلبورو" و"ميريت" و"إل إم" إلى "الشركة المتحدة للتبغ" UTC التابعة مباشرة لجهاز المخابرات العامة إثر حصول الأخيرة رسمياً على رخصة إنتاج السجائر التقليدية والإلكترونية في مصر.

أعلنت شركة "فيليب موريس" لإنتاج السجائر في مصر، 31 أغسطس 2022، تغيير اسم المُصنِع لمنتجاتها كافة من السجائر إلى "الشركة المتحدة للتبغ"، التابعة مباشرة لجهاز المخابرات العامة، وذلك بعد حصول الأخيرة رسمياً على رخصة لإنتاج السجائر التقليدية والإلكترونية في مصر.

ما يحدث هو عملية نهب لأعرق شركة سجائر مصرية (الشرقية للدخان إيسترن كومباني التي تأسست 1920) والتي تجني أرباحا هائلة، عبر سعي المخابرات لمشاركتها في كعكة الأرباح بقضم أكبر قطعة فيها، وهو السجائر الأجنبية.

أجبرت شركة المخابرات (المتحدة)، التي لا يتوافر أي معلومات منشورة عنها، الشركة الشرقية للدخان (إيسترن كومباني)، يوم 29 مايو 2022 على المساهمة في رأسمال مالها البالغ 100 مليون جنيه بنسبة 24 بالمائة، وفقا لـ "بيان" تلقته البورصة المصرية.

كما أجبرتها على توفير قطعة أرض ومباني مخصصة لإنتاج منتجات سجائر فيليب موريس لشركة المخابرات (المتحدة للتبغ)، وكذا تأجير خطوط الإنتاج وماكينات مستغلة في إنتاج منتجات فيليب موريس، لتضع أسمها فقط على المنتجات!

وبدأت "المتحدة للتبغ" في تصنيع منتجات السجائر الأجنبية مارلبورو وميرت وL&M» في مصر، عبر مصانع وماكينات وعمال الشركة الشرقية للدخان يوم 31 أغسطس 22، وقامت بتغيير اسم شركة فيليب موريس مصر باسمها، بحسب صحيفة "المال".

وبذلك أصبحت المتحدة للتبغ هي ثاني شركة لتصنيع السجائر في مصر، على الورق، بمعدات وأرض وخبرات الشركة الشرقية العريقة لنهب جزء من كعكة الدخان.

ويلخص الصحفي فتحي أبو حطب المقيم في كندا عملية النهب بقوله: "يعني تبقى صاحب الشغل كله ويدخلوا عليك يأخذوا الشغل وخطوط الانتاج وتتحول لمساهم بنسبة 24%!!

كيف استولوا عليها؟

كانت المتحدة للتبغ هي الشركة الوحيدة التي تقدمت رسميا للحصول على رخصة تأسيس مصنع سجائر ثان في المزايدة التي طرحت 2 أغسطس 2021، مما مهد الطريق أمامها للحصول على ترخيص ودخول السوق المصرية.

ورفضت ثلاث شركات هي بريتش أمريكان توباكو ومجموعة المنصور للتوزيع (وكيل إمبريال) واليابانية الدولية جي تي آي، التقدم بعروضها للمزايدة، بسبب ما اعتبرته "الاحتكار" الذي مارسته شركة المخابرات في عرضها.

حيث تم وضع مناقصة تشترط أن تمول الشركة الشرقية للدخان الحكومية 24% من الشركة الجديدة أي تملك 24% منها دون أن تتحمل أي نسبة من قيمة الرخصة، وإلزام الشركة الجديدة ببيع السجائر بسعر أعلى 50% من سعر الشرقية للدخان، وكذا منع الشركة من إنتاج سجائر من الفئة السعرية الشعبية التي تسيطر عليها الشركة الشرقية عبر سجائر كليوباترا، والتي تمثل 98% من مبيعاتها.

وعقب توقيع الاتفاق تبين أن ما تم ترويجه قبل الرخصة شيء والوضع الفعلي الآن شيء آخر تماماً لصالح شركة المخابرات كما يقول خبراء اقتصاد.

وحققت شركة الشرقية للدخان (إيسترن كومباني)، صافي أرباح بقيمة 4.252 مليار جنيه خلال تسعة أشهر من مارس حتى نوفمبر 2021، بحسب موقع "حابي" الاقتصادي 29 مايو 2022.

وارتفع إجمالي المبيعات بنسبة 6% ليصل إلى 51.466 مليار جنيه خلال الفترة يوليو 2021 – مارس 2022 مقابل 48.741 مليار جنيه بالفترة المقارنة.

وارتفعت الإيرادات خلال نفس الفترة إلى 12.781 مليار جنيه مقابل 12.148 مليار جنيه بالفترة المماثلة العام الماضي.

ولترسيخ هذا النهب، بصم مجلس النواب في 22 فبراير 2022 على تعديلات على قانون جهاز المخابرات العامة، متسقة مع سياسة نظام عبد الفتاح السيسي نحو تحويل شركات المخابرات والقوات المسلحة (الجيش) إلى شركات خاصة.

وقد منحت التعديلات الحق لجهاز المخابرات العامة في تأسيس الشركات بجميع أنواعها، أو المساهمة في شركات قائمة أو مستحدثة، فضلاً عن تولي أفراد الجهاز مناصب أعضاء ورؤساء مجالس الإدارة في الشركات المختلفة.

وحسب موقع مدى مصر (خاص) فقد تلا رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي، أحمد العوضي، التعديلات على مسامع النواب والصحفيين بداية جلسة عامة بشكل عاجل وغير مدرج على جدول أعمال الجلسة، ولم يصحبها توزيع تقرير اللجنة المتضمن نص التعديلات ورأي اللجنة فيها على النواب والصحفيين، وهو أمر نادر الحدوث داخل البرلمان.

في الوقت نفسه، أخبر مسؤولو التحرير في عدد من الصحف مندوبيهم داخل مجلس النواب بعدم كتابة تفاصيل التعديلات ولا الموافقة عليها، بحسب ما قاله صحفيون برلمانيون للموقع ذاته، وقام موقع صحيفة الأهرام (حكومية) بالفعل بحذف خبر موافقة البرلمان على قوانين المخابرات بعد نشره.

وحسب "مدى مصر" لم يعترض أي نائب على عدم توزيع التقرير الخاص بالتعديلات عليهم، وقد شهدت القاعة حضورًا مكثفًا من النواب من ممثلي جميع الهيئات البرلمانية الذين وافقوا على التعديلات فور استعراض العوضي لها ومطالبته النواب بالموافقة عليها، كونها تصب في خانة المصلحة العامة للبلاد وأمنها القومي، كما يقال.

وقبل إصدار القانون الجديد تستحوذ المخابرات العامة -حسب مراقبين وناشطين- على عدد من المؤسسات الكبرى، أبرزها مجموعة "إيجل كابيتال للاستثمارات المالية" التي تمتلك بدورها "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" المهيمنة حالياً على أغلب وسائل الإعلام المصرية.

كما تمتلك شركة "بريزنتيشن سبورتس" المسيطرة على أغلب الأنشطة الرياضية في مصر، وشركة "استادات" التي تتولى ملف تطوير الملاعب، والتي استحوذت على أغلب الملاعب المصرية.

وتستحوذ المخابرات العامة في مصر على عدد من الشركات والمؤسسات المالية الكبرى، كما تمتلك العديد من الشركات العاملة في السوق المصرية، مثل شركة "النيل للمقاولات"، وغيرها من شركات التسويق العقاري، بالإضافة إلى شركات مستحدثة جديدة مثل مصنع المستنسخات الأثرية بمدينة العبور، الذي يعد الأول من نوعه في مصر والشرق الأوسط، وشركة "كنوز مصر للنماذج الأثرية".

غموض .. غموض

المفارقة أنه لا أحد يعرف شيء عن جميع المساهمين في شركة المخابرات وأسهمهم ولا رئيس أسم الشركة.

ويوم 20 يونيو 2022 قال هاني أمان الرئيس التنفيذي للشرقية للدخان لموقع "مصراوي" "إن الشرقية للدخان اشترت حصة في الشركة المتحدة من أحد المساهمين فيها".

قال" هذا المساهم لم يتخارج لكنه خفض حصته، دون أن يفصح عن اسم الشريك"، موضحا أن شركة المتحدة للتبغ، هي شركة مؤسسة من عدد من المساهمين بينهم فيليب موريس، دون الإفصاح عن الباقين.

دفع هذا نشطاء للتساؤل: من هم المساهمين؟ ومن مدير الشركة؟ ومن هو المساهم الذي باع 24 بالمائة من أسهم الشركة لتخفيض حصته؟ وهل يعقل أن تبيع فيليب موريس جزء من حصتها للشركة الحكومية دون مقابل!!

وهل هناك علاقة بين الشركة المتحدة للتبغ، والشركة المتحدة للخدمات الاعلامية، والشركة المتحدة الرياضية، والمتحدة للصيدلة، والمتحدة للبترول  والمتحدة للتجارة والتوزيع، والمتحدة للإلكترونيات والمتحدة للصناعات الغذائية؟

وفي 30 مايو 2022 قالت الشرقية للدخان إن الجمعية العامة للشركة وافقت على الاستحواذ على حصة 24% في رأسمال الشركة المتحدة للتبغ – الذراع المصرية لعملاق صناعة التبغ فيليب موريس بعدما أصبحت تابعة للمخابرات– والبالغة قيمته 100 مليون جنيه، وفقا لـ "بيان" تلقته البورصة المصرية.

لكن حقيقة الخبر هو مساهمة الدولة ممثلة في الشركة الشرقية في موازنة شركة المخابرات بـ 24% من ميزانيتها لتصبح المتحدة للتبغ ثاني شركة لتصنيع السجائر في مصر علي قفا الشركة الأم (ايسترن كومبني).

وفي 17 أبريل 2022 أعلنت فيليب موريس (التي تنازلت لشركة المخابرات عن شركتها) أنها اتفقت مع إيسترن كومباني لتصنيع السجائر محليا، وبعد حصولها على الترخيص، ستؤجر إيسترن كومباني خطوط الإنتاج للشركة لمدة ثلاثة أعوام وفي الوقت ذاته ستواصل إيسترن تصنيع منتجات فيليب موريس على نفس الخطوط حتى نهاية العام!!

خلاصة القول، هو نهب شركة المخابرات للشركة الشرقية للدخان، أو الدجاجة التي تبيض ذهبا 24 ساعة يوميا بدون توقف أصبحت في حجر جهاز المخابرات المصرية.

جمهورية العسكر الاقتصادية

ويشير تقرير نشره موقع "درج" عن كيفية عمل جمهورية العسكر الاقتصادية، 29 سبتمبر 2021 ، إلى أن المؤسسة العسكرية احكمت قبضتها على الحياة السياسية وضاعفت دورها الاقتصادي السابق من خلال تعديل قانون العطاءات العامة عام 2018 ما ساعد الشركات التابعة للقوات المسلحة على الفوز بنصيب الأسد في المناقصات الحكومية المباشرة.

ووثق التقرير احتكار القوات المسلحة والمخابرات المصرية العامة لعديد من مشروعات الدولة وأعمال المقاولات العمومية، بأسعار أعلى من الشركات الخاصة، والتربح بطرق قد تكون غير مشروعة عن طريق إضافة رسوم إشراف تعادل نصف قيمة ميزانية الاعمال، واستغلال مقاولي الباطن للتغطية على ضعف جودة الإنشاءات ونقص الخبرة التقنية.

أوضح أن هذه التعديلات ساهمت في استحواذ الشركات التي توصف بـ “السيادية” على مشروعات الدولة الكبيرة، مثل بناء العاصمة الإدارية الجديدة، ومشروعات بناء 21 طريقاً سريعا، وتطوير البني التحتية والاستثمار في القطاع العقاري.

وأججت تلك المشروعات جدلاً حول تنامي شبهات الفساد، وزادت من تحدي القطاع الخاص، ونشوء طبقة جديدة من رجال الأعمال غالبيتهم متقاعدين عسكريين أو لديهم علاقات قوية مع المؤسسات “السيادية” أو بالمحافظين المحليين.

وتستحوذ شركة وادي النيل للمقاولات والاستثمارات العقارية المملوكة بالكامل للمخابرات العامة على 40٪ من عقود بناء وإعادة إعمار المشافي، بالإضافة الى توريد المعدات الطبية لوزارة الصحة بحسب تصريح مساعد رئيس الشركة للمشروعات والمتابعات عبد الستار محمد لصحيفة الدستور المحلية العام 2019.

كما تلعب الهيئة الهندسية وإدارة المشاريع الكبرى في القوات المسلحة بالتنسيق مع هيئات المجتمعات العمرانية الجديدة دورا كبيرا في منح هذه العطاءات عبر التلزيم او المناقصات غير التنافسية.

وروي المقاول محمد علي، الذي نشر سلسلة فيديوهات تحدث فيها عن فساد المؤسسة العسكرية في مصر لموقع "درج" آلية طرح العطاءات العامة من الالف الى الياء بحسب ما عايشها لعقد وأكثر.

قال إن الجيش يقوم "بتزبيط أوراق العطاءات بطريقة احترافية حتى اذا قام الجهاز المركزي للمحاسبات أي الهيئة الخاصة بالرقابة المالية على جميع أجهزة الدولة بالمراجعة لا يجد اي اخطاء او ثغرات".

أوضح ان الاوراق المرتبطة بـ "إجراءات المناقصة العادلة" تتم على الورق فقط أمام المشاركين في جلسة فتح العطاءات، وتكون صحيحة بنسبة 100 %، لكنه أكد أن المقاول الذي سيفور بالعطاء يكون محددا مسبقا وبالتعاون مع هذه الجهات السيادية "لأننا نحن من كان يقوم بطبخ ما وراء ذلك الأوراق".

قال: " على سبيل المثال سوف اتقدم بعرض بـ 100 مليون جنيه، ثم ابدأ مفاوضات بيني وبينهم حول ذلك السعر ثم بعد الاتفاق يقول لي تعامل مع الشركات كذا وكذا وكذا، ومن ثم أرسل مندوب شركتي لشراء كراسات التقديم وبدء الإجراءات الرسمية. تتم الإجراءات بطريقة طبيعية وتبدو حقيقية لكنها في الاصل منظمة معهم وفي النهاية يرسو العقد علي.

أوضح: يرسل المقاول علي مالك "شركة أملاك للمقاولات" مندوبا من شركته لشراء كراسات العطاءات لـ 6 شركات مثلا. وتقوم شركته بدفع ثمن الكراسات بـ 200 ألف جنيه.

ثم يجلس محمد وشركته مع هؤلاء المنافسين في مقر شركته ويقومون بتعبئة كراسات العطاء. بحيث تقدم شركة (A) سعر بـ 100 مليون جنيه مصري، شركة (B) سعر بـ 90 مليون جنيه مصري، وتقدم "شركة أملاك للمقاولات" عرض سعر بـ 85 مليون جنيه مصري.

ثم تعطي الكراسات لهذه الشركات لتقوم بختمها ووضع خطاب الضمان الابتدائي في المظروف ثم تقديمها بنفسها. ثم تقدم العطاءات أمام لجنة من 6 او 7 اشخاص.  عند فتح المظاريف أمام اللجنة تكون شركة “املاك للمقاولات” الاقل سعرا ويقبل العرض الخاص بها.

وخلص قائلا: ” أنا أقوم بنفس الدور مع هذه الشركات. يعني شيلني واشيلك"، مؤكدا أن "هذه التعليمات كانت تأتي من كبار المسؤولين ولا أحد يستطيع ان يقول لا.

ويقول محمد علي أن صلاته القوية بالمؤسسات السيادية ساعدته على الفوز بنصيب الأسد من العطاءات التي طرحت قبل أن يقرر الهرب من مصر عندما ساءت علاقته بالمؤسسات العسكرية نتيجة تأخر دفع مستحقاته.

قال: بسبب علاقاتي هذه انا كنت بوزع الشغل على المقاولين ولم يكن أحد يجرؤ يقولى لا. انا كان عندي المقدرة اطلّع اي مقاول خارج تعاقدات الجيش.

وقال إن الوحيدين الذي لم يقدر على إخراجهم كانوا أصحاب شركتي مقاولات أخذت عطاءات بالمليارات خلال العقدين الماضيين.

بحسب دراسة ليزيد صايغ، الباحث رالئيسي، بمركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط فإن جميع الكيانات والمرافق والأصول العسكرية تخضع حصرا لسلطة المحاكم العسكرية.

وبالتالي فان حقوق الشركاء من رجال الأعمال المدنيين المنخرطين في المشروعات المشتركة أو حتى كمقاولين من الباطن تقع في مساحة قانونية رمادية

وحسب مؤشر الشفافية الدولية تراجعت مصر للمركز 117 بين 180 دولة لعام 2020، بعد أن كانت في المركز 106 عام 2019 محققة 33/ 100 نقطة فيما أصبح ترتيبها الـ 11 على الدول العربية لعام 2020.

ــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر التقرير

  • درج، مصر: هكذا تعمل جمهورية العسكر الاقتصادية

https://daraj.com/80065/

  • الجزيرة نت (يفتح الباب لمزيد من النشاط الاقتصادي للجهاز .. البرلمان المصري يقر تعديل قانون المخابرات)، https://bit.ly/3q8iUY0