عام على "استراتيجية السيسي المزعومة": مصر "للخلف در" في حقوق الإنسان

السبت - 17 سبتمبر 2022

  • تصاعد مستمر للانتهاكات والاعتقالات.. والاستراتيجية المزعومة لم تكن سوى "حبر على ورق"
  • "كوميتي فور جستس ": النظام قنن الأوضاع الاستثنائية الخاصة بتأمين المنشآت العامة ومكافحة الإرهاب
  • بعد "الاستراتيجية"  بـ 100 تم رصد 1046 اعتقالًا تعسفيًّا في 10 محافظات و187 حالة إخفاء قسري   
  • خلال 100 يوم توالت أحكام الإعدام والقتل بالإهمال الطبي وتعرّض 53 معتقلا للتدوير..والأرقام لا تكذب  
  • "الشبكة المصرية": خلال العام الأول استشهد 45  معتقلا سياسيا ونفذ حكم الإعدام بحق 7 مواطنين
  • رغم  "الاستراتيجية " مازال  56 صحفيا وإعلاميا رهن الاعتقال..وحبس المئات من المحامين والحقوقيين
  • "الشبكة المصرية : "الاستراتيجية" أكذوبة إعلامية لم تتحقق على أرض الواقع والنظام بحاجة لصدق النوايا
  • الانتقادات مستمرة لمصر من المنظمات الدولية و5 منها تطالب  بوقف التدهور "غير المسبوق" لحقوق الإنسان
  • الإدارة الأمريكية تحجب 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية عن مصر بسبب الانتهاكات الحقوقية

 

إنسان للإعلام- خاص

بعد مرور عام من صدور "استراتيجية السيسي الحقوقية" التي أصدرها النظام في 11 سبتمبر 2021 ، عادت مصر للخلف مراحل عديدة في حقوق الانسان بعد التصاعد المستمر للانتهاكات.

 وقد نجحت كثير من المنظمات الحقوقية في رصد تصاعد الانتهاكات خلال هذا العام ومنها تزايد الاعتقالات وصدور أحكام بالإعدام وتزايد حالات القتل بالإهمال الطبي داخل السجون، والتوسع في الإخفاء القسري.

من خلال سطور هذا الملف نرصد بالأرقام هذه الانتهاكات، والانتفاضة الحقوقية ضد نظام السيسي، ونكشف عدم انخداع الغرب والامريكان "ببروباجندا" إعلام السيسي.

الاستراتيجية الوطنية .. حبر على ورق

في العاشر من سبتمبر/ أيلول 2021، أعلن السيسي إطلاق ما أسماه "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، وذلك في حفل مبهرج من داخل العاصمة الإدارية الجديدة، حضره العديد من الشخصيات الدبلوماسية، المصرية والدولية، بجانب ممثلي عدد من الجهات الرسمية وبعض الشخصيات العامة، وتناقلته العديد من وسائل الإعلام على الهواء مباشرة.

الاستراتيجية المكوَّنة من 78 صفحة، وتهدف بحسب ديباجتها إلى "النهوض بكل حقوق الإنسان في مصر، من خلال تعزيز احترام وحماية كل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتضمّنة في الدستور والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية والإقليمية المنضمة إليها مصر، تحقيقًا للمساواة وتكافؤ الفرص دون أي تمييز"، قوبلت باحتفاء كبير لدى إعلام الدولة ونوافذه في الداخل والخارج.

وسبق هذا الإعلان بعض الخطوات التي اتّخذتها السلطات، واستبشر بها المراقبون كبادرة حسن النوايا، من بينها إطلاق سراح بعض سجناء الرأي من بين نشطاء المجتمع المدني، وحلحلة بعض القضايا على رأسها القضية رقم 173 المعروفة إعلاميًا بـ"قضية التمويل الأجنبي"، حينها صعّد البعض من منسوب تفاؤله بشأن الوضع الحقوقي في مصر.

الاستراتيجية المعلنة أحدثت سجالًا داخل الشارع المصري آنذاك، بين من يراها خطوة تقدمية نحو تغيير جذري في سياسة مصر الحقوقية، وآخرين يعتبرونها مجرد محاولة لمغازلة المجتمع الدولي الذي تتصاعد حملاته وانتقاداته إزاء الوضع الحقوقي المصري، والذي بلغ مستويات غير مسبوقة من الانتهاكات.

ولكن بمرور الأيام لم تتعدَّ كونها حبر على ورق، في ضوء الانتهاكات التشريعية والحقوقية التي شهدتها الساحة المصرية  ومنذ الوهلة الأولى للإعلان عن تلك الوثيقة، ذهب حقوقيون إلى أن هذا التحرك يأتي في سياق "تسييس" الملف الحقوقي، حيث ربطوا بين توقيت الإعلان عنها ومناقشة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لمسألة حجب جزء من المعونة المقدَّمة لمصر.

100 يوم من تصاعد الانتهاكات

وبالرغم من "البرمجندا" لهذه الاستراتيجية ، وجدنا بعد 100 يوم من اصدارها ، تقريرا لمنظمة "كوميتي فور جستس " يؤكد رصد 1046 اعتقالًا تعسفيًّا في 10 محافظات مصرية مختلفة، و187 حالة اختفاء قسري، منهم 11 شخصًا تمَّ إخفاؤهم داخل مقارّ الاحتجاز بعد حصولهم على حكم بالبراءة من محكمة أمن الدولة طوارئ وتمَّ تدويرهم على قضايا جديدة، خلال 3 أشهر في الفترة من 10 سبتمبر/ أيلول 2021 إلى 10 ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه.

واستعرض التقرير أبرز الانتهاكات التشريعية الصادرة في تلك الفترة، منها موافقة البرلمان المصري في 31 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على مقترح الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم 136/ 2014، فيما يتعلق بتأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، ليصبح قانونًا مستمرًّا بدلاً من أنه كان مقتصرًا تنفيذه على عامَين فقط.

وفي الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني أقرَّ البرلمان تعديلات قانون مكافحة الإرهاب، أبرزها المادة "32 مكرر"، والتي تعطي رئيس الجمهورية الحق في فرض عقوبات تصل للسجن المشدد على من يخالف التدابير المخوَّل له اتخاذها بموجب المادة 53 من القانون ذاته، وهي الصلاحيات التي تتعارض ومبادئ العدالة في القانون الدولي الخاص بحقوق الإنسان.

كما رصدت المنظمة عددًا من التجاوزات القضائية المسيَّسة التي تفتقد لأبجديات العدالة والنزاهة -من وجهة نظرها-، منها الحكم بالإعدام على 3 متّهمين في القضية رقم 3354/ 2020 جنايات أمن دولة طوارئ العجوزة، المعروفة إعلاميًّا بـ"خلية المرابطين"، في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، والسجن المشدد 15 عامًا، و10 سنوات لآخر، وعاقبت متَّهمة ثالثة بالسجن 3 سنوات في اتهام عدد من الأشخاص بالانضمام لجماعة إرهابية بالقضية رقم 345 لسنة 2021 جنايات أمن دولة، المعروفة باسم "داعش الزاوية الحمراء".

وفي خلال تلك الفترة تعرّض 53 متهمًا للتدوير (إعادة الاعتقال في تُهم جديدة بعد البراءة أو انتهاء مدة الحبس الاحتياطي القانونية)، مثل محتجزي معسكر قوات الأمن المركزي بأسوان، الذين حصلوا على قرار بإخلاء السبيل وفوجئوا بقوات الأمن تقوم بنقلهم في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني من أسوان إلى التجمع الخامس بالقاهرة لمقرّ نيابة أمن الدولة العليا، للتحقيق معهم على ذمة القضية 2380/ 2021 حصر أمن دولة عليا، ثم نقلهم إلى سجن القناطر للرجال في رحلة دامت 72 ساعة، وذلك عقب يومَين فقط من نجاتهم من الموت بسبب السيول التي غمرت أسوان خلال نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

وفي شهرَي أكتوبر/ تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني تمَّ رصد وفاة 10 محتجزين داخل مقارّ الاحتجاز المصرية، معظمهم نتيجة الإهمال الطبّي، على رأسهم البرلماني السابق حمدي حسن، الذي توفي داخل سجن العقرب سيّئ الصيت، نتيجة الحرمان من الرعاية الصحية لمدة 8 سنوات منذ احتجازه عام 2013.

وفي ختام تقريرها، شدّدت "كوميتي فور جستس" على أنه لا أثر يُذكر لبنود ومحاور تلك الاستراتيجية التي وصفتها بـ"الوهمية" على أرض الواقع؛ لافتة إلى أن استمرار الانتهاكات وتسييس القضاء وتفصيل القوانين لقمع الأصوات المعارضة مستمر وبلا هوادة، يبرهن ما أثاره البعض حين تمَّ الإعلان عن تلك الوثيقة بأنها كانت بروباغندا لا أكثر."1"

الأرقام تدحض أكذوبة السيسي

وعلى الرغم من وعود قائد الانقلاب المتكررة بالنهوض بملف حقوق الإنسان، وإطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق التي أتمت عاما منذ تدشينها،  شهد الملف أوضاعا كارثية كشف عنها عدد من المنظمات الحقوقية، لتبرهن أن  إستراتيجية حقوق الإنسان ما هي إلا وهم و"حبر على ورق" أراد به السيسي معازلة الخارج لتقليل حجم الضغط الدولي عليه، لتضاف إلى سلسلة وعود الخائن السيسي كما كل مشاريعه التي تذهب أدراج الرياح.

ونشرت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان تقريرها الذي حمل عنوان "الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان: بين الواقع المؤلم وصناعة الأوهام.. مصر إلى أين؟ "

ورصد الشبكة الحصلية الأولية لانتهاكات حقوق الإنسان خلال العام الأول للإستراتيجية، حيث شهد وفاة 45 معتقلا سياسيا وجنائيا، وتنفيذ حكم الإعدام بحق 7 وإصدار 32 حكماً بالإعدام، وإحالة أوراق 6 معتقلين متهمين في قضايا سياسية للمفتي ، كذلك استمرار حبس 56 صحفيا واعلاميا، وحبس المئات من المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وقالت الشبكة إن الأرقام الواردة في التقرير "تؤكد أكذوبة هذه الاستراتيجية؛ فالانتهاكات لازالت مستمرة وأحكام الإعدامات السياسية لا تزال في ارتفاع، وأعداد المعتقلين السياسيين أيضا في ارتفاع، مع تدوير المئات من  المعتقلين المخلى سبيلهم، سواء الحاصلون على أحكام بالبراءة أو بقرارات من النيابة، أو الذين أمضوا فترة محكوميتهم، ولم يكونوا مطلوبين في قضايا أخرى، أو صدر بحقهم أحكام أخرى، وغير ذلك من الانتهاكات الحقوقية في طول البلاد وعرضها، والتي تفتقد لأدنى المعايير الدولية لحقوق الإنسان".

وأكدت الشبكة المصرية أن "مصر لا تحتاج إلى إطلاق استراتيجية لحقوق الإنسان لصيانة حياة وكرامة المواطن المصري؛ ولكنها تحتاج إلى تطبيق عادل ومنصف لمواد الدستور وللقوانين".

كما بينت أن الاستراتيجية القومية لحقوق الإنسان "أكذوبة إعلامية لم تتحقق على أرض الواقع"، وشددت على أن "السلطات المصرية أحوج ما تكون إلى صدق النوايا وإخلاص العمل، وإذا أرادت تحويل الاستراتيجية إلى واقع ملموس؛ فعليها أن تفي بوعودها المتعلقة بإيقاف كافة أشكال الانتهاكات، وإخلاء سبيل جميع المعتقلين السياسيين، والتوقف عن اعتقال المزيد منهم، ومحاسبة المتورطين في كافة أشكال الانتهاكات".2022.  "2"

وفي ظل سياسات القتل البطئ داخل سجون السيسي  شهدت مصر خلال يومين فقط وفاة 3 محتجزين سياسيين داخل السجون وأماكن الاحتجاز المختلفة  أرجعت للإهمال الطبي نظراً إلى أوضاع السجون المزرية.

الوفاة الأولى كانت للمعتقل "محمد زكي"، يوم السبت 10 سبتمبر/ أيلول الجاري، داخل محبسه في سجن "جمصة"؛ إثر تدهور حالته الصحية.

و"زكي" كان محبوسا على ذمة القضية 345 لسنة 2014 جنايات عسكري كلي الإسماعيلية، والمعروفة إعلاميا بحريق مجمع المحاكم في الإسماعيلية -شمال شرق مصر- وصدر ضده حكم بالسجن لمدة 15 عاماً.

كما توفي "حسن عبدالله حسن" (63 عاما) من مدينة السويس –شمال شرق مصر- حيث لفظ أنفاسه الأخيرة يوم الإثنين الثاني عشر من سبتمبر/أيلول الجاري، وذلك إثر تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة داخل محبسه في سجن "وادي النطرون"، نقل على إثرها إلى المستشفى ، وزارته أسرته بحسب المنظمات الحقوقية، خلال الأيام الماضية وكان يتمتع بصحة جيدة ، أما حالة الوفاة الثالثة فتعود للسجين السياسي، "شعبان فؤاد" داخل محبسه في سجن ترحيلات "شبين الكوم" في دلتا مصر، الإثنين الثاني عشر من سبتمبر/ أيلول الجاري."3"

وتأكيدا على الأرقام السابقة كشفت منظمة “كوميتي فور جستس” في تقرير لها نشرته في أغسطس الماضي إهدار حقوق المواطنين بفجاجة، وسط أزمة مالية عالمية ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي في مصر، خلال الربع الثاني من عام

وأشارت إلى أنه خلال فترة التقرير تم رصد 1516 انتهاكًا، وقعت في غضون الثلاث أشهر بين إبريل – ويونيو 2022، توزعت بين الحرمان من الحرية تعسفيًا، والتي كان لها النصيب الأكبر بواقع 1403 انتهاكًا مرصودًا، تليها الانتهاكات ضمن الاختفاء القسري بواقع 74 انتهاكًا مرصودًا ثم سوء أوضاع الاحتجاز والوفاة داخل مقار التعذيب، وأخيرًا التعذيب بواقع 20، 12، 7 انتهاكًا مرصودًا على الترتيب.

وذكرت المنظمة إلى أن أعمال الرصد خلال فترة التقرير شملت 8 محافظات مصرية، تصدرتها محافظة القاهرة، التي وقعت بها النسبة الأعلى من الانتهاكات المرصودة وهي 55 بالمئة تقريبًا من إجمالي الانتهاكات المرصودة بواقع (848/ 1516) انتهاكًا، تليها محافظة الشرقية، التي وقعت بها ما يمثل نحو 41 بالمئة من الإجمالي في هذا الصدد (626/1516). "4"

سجون مصر مقابر  

وبالرغم من إعلان السيسي ونظامه، بعد تشييد مجمع سجون وادي النطرون الجديد، أن السجون ستشهد طفرة غير مسبوقة في مصر، خرج تقرير لمنظمة “كوميتي فور جستس” الحقوقية في نهاية عام 2021 ، ضمن مشروع “مراقبة الانتهاكات داخل السجون ومراكز الاحتجاز المصرية” ليكذب كل ذلك ، وجاء التقرير تحت عنوان: “سجون مصر.. مراكز إصلاح وتأهيل أم مقابر لحقوق المصريين؟!”

أكد التقرير، إن في عام 2021 شهد رصد 7369 انتهاكًا داخل 66 مقرًا رسميًا وغير رسميٍ للاحتجاز، توزعت بين 19 محافظة بمختلف أنحاء الجمهورية وعبر عديدٍ من أنماط الانتهاكات ، تصدرها الحرمان من الحرية تعسفيًا بواقع 4885 انتهاكًا، يليه الاختفاء القسري بواقع 1668 انتهاكًا، وسوء أوضاع الاحتجاز بواقع 598 حالة، والتعذيب 156 حالة، والوفاة داخل مقار الاحتجاز بـ62 حالة ، وعلى صعيد المحافظات، قالت المنظمة إن محافظة القاهرة تصدرت محافظات مصر بنحو 68 بالمئة تقريبًا (5026/ 7369)، تليها محافظة الشرقية التي تم تسجيل نحو 16 بالمئة (1225/7369) من إجمالي الانتهاكات المرصودة ، أما من حيث أنواع مقار الاحتجاز، أشارت المنظمة إلى أنه من بين 1144 انتهاكًا تمكنت من تحديد المقار التي وقعت بها، تصدرت السجون المركزية/ العمومية/ الليمانات بنحو 66%(763/1144)، تليها الأقسام والمراكز الشرطية بنحو 20% (229/ 1144)، ثم معسكرات الأمن المركزي بواقع 93 انتهاكًا، ودور الرعاية الخاصة بالأطفال الأحداث بواقع 31 انتهاكًا ، أيضًا في عام 2021، عمل فريق التوثيق بـ”كوميتي فور جستس” على التحقق من قيام السلطات المصرية بانتهاكات بحق 495 ضحية في السجون ومقار الاحتجاز المصرية ، وتم توثيق 591 انتهاكًا تم بحق 187 ضحية منهم، ما بين الاعتقال العشوائي بحق مواطنين لا ينتمون لأي خلفيات سياسية أو أيدولوجية، والاختفاء القسري، وتعرض الضحايا الإناث للاعتداء والتحرش الجنسي."5"

وفي تقرير آخر في النصف الاول من عام 2022 ، قالت منظمة "كوميتي فور جستس": إن الجميع توقع حدوث "انفراجة" في المشهد الحقوقي المصري بناءً على ما صورته وعود النظام في نهاية عام 2021؛ ولكن الواقع أثبت أن تلك التصريحات ليست إلا حملة دعائية يستهدف منها النظام الخارج، بينما لم يستفد منها أي من معتقلي الرأي أو الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وأضافت المنظمة أن المستجدات السياسية الداخلية والخارجية ألقت بظلالها على الواقع الحقوقي المصري، مشيرة إلى تسريبات صحيفة "الغارديان" بشأن التعذيب داخل مقار الاحتجاز، وتصريحات الناشط المفرج عنه رامي شعث، حول أوضاع السجون في مصر، ورد النظام المصري عليهما ببيانات نفي.

واستدلت المنظمة على أن ما حدث من قبل الجهات الأمنية بمصر مع العديد من الإضرابات العمالية والاحتجاجات الشعبية، مثل فض اعتصام عمال شركة "يونيفرسال" بالقوة، وإضراب العاملين في شركة المستودعات المصرية العامة، والاحتجاجات التي عُرفت إعلامياً باسم "تظاهرات عزبة فرج الله"في محافظة المنيا، واعتقال عدد من المشاركين في تلك الفعاليات؛ هو دليل آخر على "الانفراجة الوهمية" التي يحاول النظام ترويجها.

على الجانب التشريعي، رأت المنظمة أن النظام المصري اكتفى بإحداث تغييرات ظاهرية على قانون تنظيم السجون في مارس/آذار الماضي، إذ قام بتغيير المصطلحات التي تطلق على السجون والسجناء، وهي تعديلات وصفتها العديد من الجهات الحقوقية بأنها "تعديلات شكلية تعطي انطباعا وهميا بأن ثمة إصلاح يحدث في ملف السجون"، رغم استمرار الانتهاكات الانتقامية ضد السجناء بشكل شبه يومي.

وعلى صعيد المستجدات القضائية، قالت المنظمة إن محكمة مصرية (الدائرة الأولى إرهاب) قررت إحالة أوراق 10 متهمين إلى المفتي لأخذ الرأي الشرعي في إعدامهم على ذمة القضية المعروفة إعلامياً بقضية "كتائب حلوان"، كما نُفّذ حكم الإعدام في 10 مارس/آذار بحق 4 متهمين مدانين في قضية "ميكروباص حلوان"، كما نُفذت أيضاً بنفس اليوم أحكام بإعدام 3 متهمين في قضية "أجناد مصر الأولى"؛ والتي تعرض المتهمين فيها لانتهاكات عدة عقب القبض عليهم.

كذلك أصدرت المحاكم المصرية 52 حكماً نهائياً بالمؤبد، و27 حكماً نهائياً بالسجن المشدد خلال فترة التقرير.

 وفي 3 يناير/كانون الثاني صدق الحاكم العسكري على الحكم الصادر بحق الناشط علاء عبد الفتاح، والمحامي الحقوقي محمد الباقر، في القضية رقم 1228/ 2021 جنح أمن دولة طوارئ التجمع الخامس.

وفي ما يتعلق بقرارات الإدراج على قوائم الإرهاب، فقد قررت محكمة جنايات القاهرة، خلال فترة التقرير، إدراج 39 متهماً على قائمة الإرهابيين لمدة 5 سنوات، وذلك في 4 قضايا مختلفة.

ومن الناحية الحقوقية، ذكرت المنظمة أن عام 2022 بدأ بإعلان الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن وقف عملها في مصر بعد 18 عاماً، وهو ما أرجعه القائمون على عمل المؤسسة الحقوقية إلى "استهداف العاملين، سواء بالقبض على أعضاء من فريق العمل أو السرقة أو الاعتداءات البدنية العنيفة والاستدعاءات الغير قانونية لمحاولات تجنيد بعض أعضاء فريق العمل كجواسيس على الشبكة العربية".

كذلك الإعلان الذي قدمته 32 دولة عضواً بالأمم المتحدة الذي عُرف باسم "إعلان 12 مارس/آذار"؛ والخاص بممارسات الحكومة المصرية في مسار حقوق الإنسان، و"القيود المفروضة على حرية التعبير والحق في التجمع السلمي، والتضييق على المجتمع المدني والمعارضة السياسية".

كما كشفت "كوميتي فور جستس" في تقريرها عن تمكن فرق الرصد لديها من رصد 1837 انتهاكاً بحق ضحايا داخل مقار الاحتجاز المصرية خلال الفترة المشمولة بالتقرير، حيث تصدرت الانتهاكات ضمن الحرمان من الحرية تعسفيًا (1643 انتهاكًا) بما يعادل نحو 89% من إجمالي الانتهاكات المرصودة، تليها الانتهاكات ضمن الاختفاء القسري بواقع 116 انتهاكًا، ثم الانتهاكات ضمن سوء أوضاع الاحتجاز بواقع 60 انتهاكاً، ثم التعذيب والوفاة داخل مقار الاحتجاز بواقع 13 انتهاكا و5 انتهاكات على الترتيب.

وأشار التقرير إلى تصدر محافظة القاهرة قائمة الانتهاكات بنسبة 61% بواقع 1138 انتهاكاً، كما وقعت النسبة الأكبر من الانتهاكات المرصودة، خاصةً ضمن سوء الأوضاع وسوء المعاملة، داخل مجمع سجون طرة بواقع 57 انتهاكاً مرصوداً، يليه قسم شرطة ثان العاشر من رمضان بالشرقية، والذي تصدرت فيه الانتهاكات ضمن الحرمان من الحرية تعسفياً بواقع 23 انتهاكاً."6"

الاعدام عرض مستمر

ومن خلال رصد منظمة الجبهة المصرية لحقوق الإنسان  لعقوبة الإعدام خلال الست شهور الأولى من عام 2022 يمكن القول بأن السلطات المصرية مُصرة على الاستمرار في الاعتماد على عقوبة الإعدام، وأن الاستراتيجية المزعومة لا محل لها في الواقع ،   حيث  ن تزايدًا في إصدار محاكم الجنايات المدنية لأحكام الإعدام خلال هذه الفترة مقارنة بالنصف التاني من العام الماضي،حيث صدر  321 حكمًا بالإعدام  مقابل 246 حكم فى النصف الأخير من العام الماضى 2021، كما أيدت محكمة النقض والطعون العسكرية أحكام الإعدام الصادرة على 33 شخص كانت كلها فى قضايا جنائية، كما قامت السلطات خلال نفس الفترة بتنفيذ أحكام الإعدام بحق 25 شخصًا فى 7 قضايا على الأقل، منهم 4 أشخاص فى قضية “ميكروباص حلوان” و 3 أشخاص فى قضية “أجناد مصر”.

ورصدت الجبهة تنفيذ السلطات المصرية لعقوبة الإعدام بشكل إجمالي بحق 25 شخص في النصف الأول من عام 2022، بينهم 7 أشخاص فى  قضيتين احتوت على وقائع عنف سياسي، وتأييد أحكام الإعدام على 33 شخص فى 20 قضية جنائية، في حين أصدرت المحاكم المصرية أحكام بالإعدام على 321 شخص غالبيتهم في قضايا جنائية، فى زيادة ملحوظة عن النصف الأخير من عام 2021. "7"

انتفاضة حقوقية وانتقادات دولية

وقد شهدت مصر انتفاضة حقوقية وانتقادات دولية على مدار عام من انطلاق الاستراتيجية المزعومة ، حيث طالبت منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، في نوفمبر 2021، الحكومة المصرية بالتوقف عن الادعاءات الكاذبة والمضللة، مؤكدين أن الملف الحقوقي في مصر يعاني خروقات فادحة، تعليقا على التقرير الذي أعدته حكومة السيسي عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وفي السياق ذاته طالبت 5 منظمات حقوقية السلطات المصرية بتنفيذ 7 إجراءات لوقف ما وصفوه بـ”التدهور غير المسبوق” في أوضاع حقوق الإنسان.

كما اهتمت  الصحف الدولية بالانتهاكات الحقوقية والاعتقالات في مصر، حيث طالبت  بوضع حد للأكاذيب المتداولة عن مراعاة الحريات وحقوق الإنسان، إذ أكدت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أن الحكومات الغربية ومنظمات حقوق الإنسان ظلت على مدى السنوات الماضية، تطالب السيسي بالتوقف عن قمع معارضيه، واعتقال الآلاف من الناشطين والصحفيين.

وأشارت منظمة "هيومان رايتس واتش" في تقرير لها إلى أن السجون المصرية بالرغم من الفيديوهات التي تناقلتها "الداخلية" عن السجن الجديد بوادي النطرون ، تشهد انتهاكات غير مسبوقة وأن التعذيب والحرمان من كل الحقوق القانونية أصبح منهجا مستمرا.

الباحث جو ستورك الناشط السياسي الأمريكي و نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش" قال إن المناخ العام لحقوق الإنسان في مصر يواصل التدهور"، بسبب الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والتعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز، وكذلك القيود المتزايدة على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات والحق في التجمع السلمي.

وأوضح أن السيسي قد عاد بمصر خمسة عقود إلى الخلف في مجال حقوق الإنسان من خلال قمع سياسي عنيف وشامل لم يسبق له مثيل منذ أسوأ أيام الحكم الناصري."8"

من جانبه قال مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: مر عام على  إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر دون أن نشعر بأي تقدم أو تطور في الأوضاع الحقوقية المتدهورة وافتقار الإرادة السياسية لمعالجة الأزمات، حسب نص بيان أصدره المركز ، وأنه لم تنحسر الممارسات القمعية المنهجية للسلطات المصرية ، ولا يزال المعارضون السلميون يتعرضون للاستهداف، والإخفاء القسري، والسجن،  كما يتواصل احتجاز الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان خلف القضبان، فضلاً عن استمرار تفشي ممارسات التعذيب والحرمان من الرعاية الصحية الواجبة وحالات الوفاة أثناء الاحتجاز. وفي الوقت نفسه، تواصل السلطات المصرية الهيمنة على الخطاب العام، في ظل سيطرة محكمة على المجالين العام والسياسي”.

وأضاف البيان: “هذا الغياب المستمر لأي تطورات في أوضاع حقوق الإنسان المتدهورة في مصر؛ يؤكد التقييم السابق لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان حول هذه الاستراتيجية، وافتقار السلطات المصرية للإرادة السياسية الضرورية لمعالجة أزمة حقوق الإنسان. ويؤكد الوصف الذي أطلقه المركز على هذه الاستراتيجية في تحليله المنشور في نوفمبر 2021، بأنها مجرد حيلة تهدف إلى تجنب انتقادات المجتمع الدولي لسجل حقوق الإنسان في مصر. ولعل الفشل في إحراز أي تقدم حقيقي بشأن معالجة أزمة حقوق الإنسان في مصر، منذ إطلاق الاستراتيجية، بمثابة دليل أخر على صحة هذا الاستنتاج” ، واستكمل “تكمن المعضلة الأساسية للاستراتيجية في اعتبار الشعب المصري هو السبب الرئيسي لأزمة حقوق الإنسان في مصر وليس السلطات، فضلاً عن ادعاءات الاستراتيجية المضللة بشأن واقع الحقوق المدنية والسياسية. ومن ثم لم تقترح الاستراتيجية إلا حلول واهية لا صلة لها بطبيعة المشكلة، ولم تقدم وعدًا بالإصلاح أو بالتراجع عن السياسات الجارية. وإنما اكتفت ببضعة مقترحات ذات طابع تقني لا قيمة لها” ، واختتم البيان بالقول “وفي هذا الإطار، يذّكر مركز القاهرة بأن أية محاولة جادة لمعالجة أزمة حقوق الإنسان تتطلب اعترافًا كاملًا بمسببات الأزمة وجذورها، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع سجناء الرأي والسجناء السياسيين، ورفع القيود المفروضة عن المجال العام، والسماح للصحفيين والمجتمع المدني والأحزاب السياسية بممارسة مهامهم وواجباتهم بحرية”."9"

الاستراتيجية لم تخدع الأمريكان

وبالرغم من محاولات نظام السيسي على مدار العام ، من أجل تحسين وجهه الحقوقي القبيح ، لم يخدع الامريكان بالبروباجندا المصرية ، و فنكوش الاستراتيجية الذي استهدف أستمرار المعونات الامريكية ، ولكن جاء القرار الامريكي،  الأربعاء 14 سبتمبر 2022، مخيبا لآمال النظام المصري ، حيث  قال مسئولون أمريكيون إن إدارة الرئيس جو بايدن قررت حجب 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأجنبية عن مصر؛ بسبب عدم وفائها بشروط تتعلق بحقوق الإنسان ، ويمثل المبلغ المحجوب عن مصر 10 بالمئة من حوالي 1.3 مليار دولار من المعونة العسكرية المقدمة من أمريكا لمصر سنويًا.

 وأضاف المسؤولون أن وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، قرر أن القاهرة حققت بعض التقدم بشأن الاعتقالات السياسية والإجراءات القانونية واجبة الاتباع عن طريق إطلاق سراح مئات المسجونين.

وخلال الأشهر الماضية، تحدثت تقارير أن الولايات المتحدة تعتزم حرمان مصر من مساعدات عسكرية بقيمة 130 مليون دولار؛ بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان. وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، قال وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، إنه سيتم حجب المساعدة إذا لم تعالج مصر ظروفا محددة أشارت إليها واشنطن تتعلق بحقوق الإنسان.

 وتقدر الجماعات الحقوقية والباحثون أن مصر تحتجز حاليا ما لا يقل عن 60 ألف سجين سياسي، كانت جريمتهم الوحيدة هي انتقاد الحكومة، أو متهمين بنشاطات إرهابية، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز."10"

المصادر:

  1.  موقع "نون بوست" نشر بتاريخ 18/12/2021
  2. موقع نافذة مصر نشر بتاريخ  13 سبتمبر 2022   
  3. الخليج الجديد  نشر بتاريخ  13 سبتمبر 2022 03
  4. موقع نافذة مصر نشر بتاريخ  13 سبتمبر 2022  
  5. العربي الجديد نشر بتاريخ 15 يناير 2022
  6.  العربي الجديد  نشر بتاريخ  ١١ - يونيو - ٢٠٢٢  
  7. موقع الجبهة المصرية لحقوق الإنسان نشر بتاريخ 1 سبتمبر  2022 
  8.   العربي الجديد نشر بتاريخ 13 -7- 2022
  9. موقع درب نشر بتاريخ 11  سبتمبر، 2022
  10. موقع عربي 21 نشر بتاريخ 14 سبتمبر 2022