غليان الشارع وراء احتجاجهم..ماحقيقة استقالة ضباط جهاز المخابرات المصري؟

السبت - 5 نوفمبر 2022

إنسان للإعلام- خاص

يوم 1 نوفمبر 2022 أكد تقرير لموقع Africa Intelligence وهو موقع استخباراتي فرنسي ذو مصداقية، أن جهاز المخابرات العامة في مصر يشهد موجة استقالات احتجاجا على سياسة التقشف الاقتصادي التي ينفذها السيسي وتدفع الشعب للثورة.

قال إنه يوم 23 أكتوبر 2022 اجتمع 6 ضباط من قيادات جهاز المخابرات العامة مع مدير الجهاز اللواء عباس كامل وأبلغوه باستقالتهم

وكانت أسباب الاستقالة ثلاثة هي: اعتراضهم على سياسات السيسي التقشفية واحتجاجهم على تجاهل التقارير الاستخباراتية حول غليان الشارع، وعدم اتخاذ أي ردة فعل أو قرارات سيادية تجاه هذه التقارير.

قال الموقع إنه "أثناء الاجتماع اتصل عباس كامل مباشرة بعبد الفتاح السيسي ونقل له شكوى واحتجاج قيادات الجهاز، والسيسي سخر من مخاوف واحتجاجات قياداته الستة، وقلل من أهمية ما قالوه وتحديدا ما يتعلق بغليان الشارع وغضب المصريين من سياساته التقشفية".

أكد تقدم الضباط الستة باستقالاتهم فورا ورفضهم الاستمرار في العمل داخل جهاز المخابرات العامة، وأن الضباط منهم أربعة لواءات تم تعيينهم أثناء حكم الراحل حسني مبارك في فترة عمر سليمان وتربطهم علاقة قوية باللواء خالد فوزي مدير المخابرات العامة من 214 الى 2018، وضابطان آخران برتبة مقدم.

لأن قصة تقدم ضباط مخابرات باستقالتهم بحجة عدم استماع السيسي لتحذيراتهم التي تصب في مصلحة الحفاظ على نظامه، لم تقنع كثيرين بسبب سيطرة السيسي فعليا على الجهاز فصله العشرات منهم في السابق، فضلا عن صعوبة الاقتناع بفكرة الاستقالة لا الإقالة، نشر حساب إعلامي يحمل اسم (الفريق سامي عنان -المركز الإعلامي) معلومة تقول: "حسبما علمت من مصادر خاصة، فإنه لم يكن هناك أى استقالات داخل جهاز المخابرات اعتراضا على الوضع الاقتصادي كما أشاعت مواقع فرنسية، وما حدث أنه هناك أفراد في الجهاز استقالت لأسباب مرضية وأسباب خاصة ليس لها علاقة بالاعتراض على النظام، وهذا أمر اعتيادي داخل الجهاز".

ليست المرة الأولي

حقيقة إقالة ضابط بالجهاز لم تكن هذه المرة الأولى التي يشهد جهاز المخابرات العامة احتقانا وتململا ضد سياسات السيسي ولذلك قام بسلسلة إقالات لهم أو أجبر بعضهم على الاستقالة خصوصا عقب تسريب مكالمات له مع عباس كامل.

جزء من الغضب داخل الجهاز يرجع لوجود مجموعة محسوبة علي رئيس الجهاز الراحل عمر سليمان الذي تعرض لمحاولة اغتيال عقب تعيين مبارك له نائبا وتردد بقوة أن السيسي والمخابرات الحربية تقف وراءها لرفض الجيش توليه السلطة وترتيبها لطنطاوي والسيسي من بعده.

حدث الأمر قبل ذلك فيما يتعلق ببيع بعض أصول الدولة إلى الإمارات ومحاولة الأخيرة الاستحواذ على بعض المناطق حول قناة السويس وتسربت معلومات عن رفض قيادات بالجهاز لخطوات السيسي خصوصا بعدما أرسل عباس كامل مدير مكتبه ليسيطر علي الجهاز ومعه نجله محمود الذي تسربت له صورة خاصة يعتقد أن وراءها اختراق المخابرات لهاتفه المحمول كنوع من الاحتجاج.

وعلق المحلل العسكري محمود جمال قائلا: يحدث في الدول المستبدة عندما ترفع تقارير أمنية للقيادة السياسية من بعض "العقلاء" لحثهم على تغيير سياستهم تجاه بعض الملفات كإنذار خطر، لأنه تلك السياسات ستؤدي الى الانفجار المجتمعي، تعتبر القيادة المستبدة أن هذا تجاوز لأدوارهم وبدل الاستجابة لهم تقوم بإقالة هؤلاء "العقلاء".

وتأتي إقالات واستقالات ضباط المخابرات في مصر "في وقت تتصاعد فيه الأصوات ضد ترشح السيسي لانتخابات 2024 الرئاسية"، كما تتصاعد الدعوات للنزول الاحتجاجي إلى الشارع في 11 نوفمبر الجاري.

تفاصيل الصراع

جانب من صراع الأجهزة ظهر حين بدأ السيسي يتخلص، عبر خمسة قرارات متتالية، من 66 من وكلاء جهاز المخابرات الذين عملوا مع رئيس الجهاز الأسبق عمر سليمان.

والأخير كان في صراع دائم مع عبد الفتاح السيسي خلال توليه رئاسة المخابرات الحربية، بحكم التنافس بين المخابرات العامة، والحربية، ممثلة للجيش، خلال حكم الرئيس السابق حسني مبارك.

وكان البعض في جهاز المخابرات العامة ردد معلومات غير مؤكده أن السيسي هو من حاول قتل عمر سليمان يوم 29 يناير 2011 حين عينه مبارك نائبا له، وجري إطلاق النار عليه قرب مستشفى كوبري القبة العسكري، بسبب التنافس.

وترددت مقولات أن عمر سليمان قُتل في سوريا بفعل مدبر غير معروف تفاصيله، لا في أمريكا وهو يعاني المرض، كما قالت وسائل الإعلام، وأن قتله كان استكمالا لمحاولة اغتياله السابقة، في إشارة لوقوف السيسي خلفه أيضا.

و أكد اللواء محمود زاهر، زميل عمر سليمان عبر قناة "ltc"9 يونيو 2018، أن "اللواء عمر سليمان استشهد ولم يتوف بمرض نادر كما هو متداول".(يوتيوب)

وتقول مصادر إن تلامذة هؤلاء اللواءات والعقداء المقالين من الجهاز مستمرون في السير على طريقة عمر سليمان القائمة على تسريب موضوعات معينة للإعلام المصري، بدأت بتسريبات من مكتب السيسي حين كان وزيرا للدفاع.

وأن هذا يفسر التسريبات الأخيرة مثل "ترسيب مستشاري السيسي"، الذي أعاد إلى الواجهة الحديث عن صراع الأجهزة، والذي يبدو أن وتيرته قد عادت أشد مما كانت عليه.

والسبب ليس فقط الانتقام لإبعادهم، وإنما أيضا تضارب المصالح، وتصاعد الغضب من هيمنة المخابرات الحربية على "العامة"، وتدخل نجل السيسي في أغلب شئونها، وترك عباس كامل له إدارة أمور كثيرة.

وكانت موجة التسريبات الاولي عامي 2013 و2014، والثانية في صورة تسريبات سبتمبر 2019 عن تخلي الجيش والشرطة عن السيسي وهو في أمريكا، ما تلاها دفع مصريين للنزول إلى ميدان التحرير للتظاهر قبل أن يتم قمعهم وشن حملة اعتقالات.

وواكب ذلك تسريبات "محمد على" عن قصور وفيلات أسرة السيسي، ثم حملات ضد السيسي استغلالا لأزمة قانون البناء وحديثه عن رفع أسعار الخبز، ثم مستشاري السيسي، وأخير ما كشفه موقعي "ديسكلوز" و"سيتيزن لاب".

وكان الأسلوب الذي اتبعه بعض المنكل بهم بجهاز المخابرات العامة ضد السيسي، في المرحلة الثانية من التسريبات، يستهدف احراجه، عبر كشف فساد منتسبيه وأعوانه، والطرق على الغضب الشعبي بسبب قرارات رفع الاسعار والغلاء.

وقد أشار لهذا الناشط "تقادم الخطيب" المقيم في المانيا، والذي اعتبر تسريب مستشاري السيسي "بداية لحقبة جديدة من صراع الأجهزة بسبب تضارب المصالح وتقسيم الغنائم".

وأرجع عودة التسريبات إلى أن "السيطرة التي كان يراد بسطها على جهاز المخابرات العامة وضح أنها لم تتم بصورة نهائية"، بحسب مقاله في جريدة "العربي الجديد" 12 ديسمبر 2021.

وتساءل عن "الدوافع والأسباب الكاملة خلف هذا التسريب؟ وما مدي سيطرة رجال السيسي داخل جهاز المخابرات العامة على الجهاز؟ وكيف سيرد السيسي والذين معه على هذا الأمر".

وأشار الخبير التقني "رامي رؤوف" لهذا الصراع بين الأجهزة من زاوية تكنولوجية، عبر حسابه على تويتر.

أوضح أن مصر بها أربعة جهات تمارس أعمال المراقبة: المخابرات العامة، والمخابرات الحربية، وجهاز الأمن الوطني، وهيئة الرقابة الإدارية، وكل جهة لديها صلاحية النفاذ للبنية التحتية للشركات المحمول والانترنت الخاصة.

ولكن هذه الجهات، قررت تشتري "ألعاب أجنبية" (يقصد أجهزة تنصت) كي يبقي كل جهاز لديه سرية أكثر من غيره من الأجهزة، وكي يستخدم كل جهاز ألعابه ليراقب الجهاز الثاني والثالث وغيره، بخلاف مراقبة المدنيين واستهدافهم، حسب قوله.(تويتر)

دور محمود السيسي

وسبق لموقع إنتلجنس أونلاين أن أكد 3 فبراير 2022 أن السيسي يوسع دور نجله محمود بالمخابرات ويكلفه بملف إسرائيل، حيث أوكل الملف الإسرائيلي بالمخابرات العامة إلى نجله، مؤكدا زيارته تل أبيب ولقاءه بمسؤولين أمنيين اسرائيليين خلال الشهر الماضي

وكشف الموقع المعني بالشؤون الاستخباراتية عن توسع دور محمود نجل عبد الفتاح السيسي في المخابرات المصرية في مؤشر على الخطط الكبرى التي يضعها السيسي لنجله الأربعيني، والذي يبدو أنه من المقرر له أن يلعب دورًا رئيسيًا في النظام الأمني الذي تأسس منذ عام 2013 بعد الانقلاب الذي قاده السيسي.

وذكر الموقع أن محمود السيسي رحب بالعودة إلى جهاز المخابرات في أوائل 2020، بعدما قرر والده عبد الفتاح السيسي، قبلها إبعاده إلى موسكو بناء على توصية من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، بسبب ما تردد عن سوء إدارة نجل الرئيس للإعلام المصري.

وأشار إلى أن زيارة محمود السيسي بهذه الصفة ووفق الصلاحيات الممنوحة له، إلى إسرائيل في 16 يناير 2022 كان لها تأثير على مضيفيه الإسرائيليين.

قال الموقع إن مدير المخابرات العامة عباس كامل كان قد أراد تكليف محمود بإدارة الملف الإيراني في المخابرات، لكن والده لم يعطِ الضوء الأخضر له بعد.

وبحسب إنتلجنس أونلاين ازداد هذا الدور المتعلق بإيران أهمية منذ التقارب المصري الإيراني الذي انطلق في يونيو الماضي.

عودة التسريبات

وكان ملفتا في فضيحة التنصت التي قامت بها عدة أجهزة أمنية مصرية على المعارضين والصحفيين، والتي كشفتها مجموعة أبحاث مراقبة أمن الإنترنت الكندية "سيتزن لاب" 16 ديسمبر 2021، استخدام "برنامجي تجسّس منفصلين".

البرنامجان اللذان تنصتا على هاتف أيمن نور، وآخرين، في وقت واحد أشتراهما أكثر من جهاز أمني مصري، ومن شركات فرنسية وإسرائيلية.

هذا التضارب في قيام أكثر من جهاز أمني بالتجسس على المعارضين، فسره "مصدر قريب من نظام السيسي" على أنه مؤشر على رغبة كل جهاز في العمل منفردا، وعدم كشف أسراره للأخرين.

أوضح أنه بعد أن كانت المخابرات العامة هي المخولة فقط بشراء أجهزة تجسس بحكم طبيعة عملها، خول نظام عبد الفتاح السيسي ثلاثة أجهزة أخري (المخابرات الحربية وأمن الدولة والرقابة الإدارية) مهمة التجسس على المصريين.

فعل هذا، لضمان السيطرة، وعدم ثقته في المخابرات العامة، التي سربت بعض محادثات هاتفية من مكتبه خلال توليه وزارة الدفاع.

ذكر أن كل جهاز أصبح يشتري الأن أجهزة تجسس خاصة به بعيدا عن الأجهزة الأخري، بدعوي السرية، بيد أن الهدف هو التصنت على غيره من الأجهزة أيضا ضمن صراعهم الدائر منذ انقلاب 2013 بغية تقسيم النفوذ والامتيازات.

وقبل كشف فضيحة "سيتيزن لاب" بأسبوع تم كشف فضيحة تسريب مستشاري السيسي، وقبلها 21 نوفمبر 2021 كشف موقع "ديسكلوز" الاستقصائي الفرنسي، شراء أربعة أجهزة أمنية ورقابية مصرية أجهزة تنصت بشكل منفرد.

"ديسكلوز" نشر وثائق تؤكد أن أربعة أجهزة أمنية مصرية (المخابرات العامة، الحربية، الأمن الوطني، الرقابة الإدارية) اشترت بموازنات منفصلة، أجهزة تنصت، "تتجسس بها على المصريين وعلي بعضها البعض".

وجاء تسريب مستشاري السيسي ليكشف جانبا من تجسس الأجهزة على بعضها، وتسريب احداها بعض معلومات هذا التنصت على غيرها للإعلام، ما أظهر استمرار أو عودة التسريبات التي تستهدف السيسي ومستشاريه منذ الانقلاب.

وترجح المصادر أن يكون ما كشفه معمل سيتزن لاب بشأن برامج تجسس اشتراها السيسي ومخابراته الحربية والأمن الوطني، تم تسريبه عبر أجهزة أخري، يرجح إنها المخابرات العامة، للمعمل الكندي، وأكده موقع ديسكلوز ضمنا.

وتشير إلى أن أهم ما كشف معمل سيتيزن لاب، أن أجهزة أمن السيسي مارست التجسس بواسطة برامج إسرائيلية أيضا، بجانب الفرنسية، عبر برنامجي شركتي "بيجاسوس" و"سيتروكس".