ماقبل الانفجار.. مبارك والإخوان وإرهاصات ثورة يناير

الثلاثاء - 10 يناير 2023

كيف تحولت ممارسات نظام مبارك إلى انفجار شعبي وكيف ملأ الإخوان فراغ السلطة؟

 

إنسان للإعلام-  أشرف الشربيني

تأسست جمهورية العسكر، التي قامت بعد انقلاب يوليو 1952، على أن الشعب تابع، والضباط يحكمون، ولا يُترك للشعب سوى هامش محدود للتعبير، دون القدرة على اتخاذ قرار أو تغيير نظام.

وطوال سبعة عقود، استطاع نظام يوليو أن يشل فاعلية المجتمع عن إحداث التغيير المنشود، وكانت كلفة الخروج عن ذلك المسار، الذى اختطه نظام يوليو، كلفة غالية لا تستطيع أن تتحملها أياً من القوى السياسية الموجودة، فتماهت القوى السياسية مع سياسات النظام، ملتزمة بسقفها السياسى والاجتماعي.

 لكن جماعة الإخوان المسلمين كانت استثناء من تلك القوى جميعاً، فاستطاعت أن تُحدث حراكا واسعا في الشارع المصرى، مما أدى -مع عوامل أخرى- الى اندلاع ثورة يناير 2011.

هذا الاستثناء تمثل في: نشاط اجتماعى واسع، تبعه نشاط سياسى متدرج، حتى بلغ الذروة في عام 2005، واستطاعت جماعة الإخوان المسلمين تقديم بديل للنظام، مقبول لدى الشارع.

مبارك .. وإمبراطورية الفساد

كانت حقبة حسنى مبارك، والتي استمرت ثلاثين عاما (1981-2011) هي العصر الذهبى للفساد، حيث تغلغل الفساد في مفاصل الدولة، خاصة عندما تزاوج المال مع السلطة، ووصل الأمر إلى الذروة في 2004، حين تم تشكيل حكومة الدكتور أحمد نظيف ، وتم تعيين 7 وزراء من رجال الأعمال!

 وفى حماية السلطة، تحول الفساد إلى (غول كاسر) لايستطيع أحد مقاومته، فحين أثارت صحيفة الشعب قضية المبيدات المسرطنة، التى نشرت بين المصريين أمراض السرطان والفشل الكلوي والالتهاب الكبدي، كان أحد المتهمين فيها وزير الزراعة المصرى يوسف والى، أُغلقت الجريدة وسُجن صحفيوها ولم يُحاكم الوزير!

وعندما غرقت عبارة (السلام 98  ( فى فبراير 2006 لصاحبها ممدوح اسماعيل عضو مجلس الشورى عن الحزب الوطنى الحاكم آنذاك، وقُدر عدد ضحاياها بـ (1033) شخصا، تم تهريبه خارج البلاد حتى لا تتم محاكمته! (1)

وكان من أخطر صور الفساد، قضية تصدير الغاز المصرى لإسرائيل بأسعار تقل عن الأسعار العالمية، والتي أدارها وربح منها ضابط المخابرات السابق والمقرب من مبارك (حسين سالم)، ولم يجرؤ أحد على محاكمته إلا بعد قيام ثورة يناير 2011 !

وقد بلغت فاتورة (مافيا الفساد) فى عهد مبارك، أكثر من 50 مليار جنيه (أي ما يزيد على 9 مليارات دولار بأسعار صرف 2010)، وذلك مما تم رصده خلال القضايا التي أقيمت ضدهم بعد قيام ثورة يناير 2011م

وعجزت الأجهزة الرقابية طوال حكم مبارك ان توقف شلال الفساد الذى كان ينهمر فوق رؤوس المصريين، إما لأنها ضالعة فى الفساد، أو لأنها حوصرت من الفاسدين.

وبينما كان نظام مبارك منشغلا بجنى المكاسب الحرام وتكديس الثروات، كان هناك تيارٌ وطنىٌ مفعمٌ بالحماسة والحيوية، يرعى مصالح الناس ويقوم على شئونهم.. هم الإخوان المسلمون.

الإخوان يقودون الشارع

رفض الإخوان المسلمون الالتزام بالسقف المنخفض للنظام، فأخذوا عبر سنوات طويلة من النضال، وفرضوا معادلتهم الخاصة، والتي تأسست على التغيير الاجتماعى، والذى كان مقدمة للتغيير السياسى بعد ذلك.

العمل الخدمى

تمكن الإخوان المسلمون من إنشاء شبكة من المُستشفيات و المراكز العلاجية على امتداد مصر من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها لغربها، يقدمون خدمة جيدة بأجور رمزية ...وكانت (الجمعية الطبية الاسلامية) من أشهرها.

كما أنشأ الإخوان المسلمون مدارس حازت المركز الأول ، مثل مدارس (الدعوة الاسلامية) ومدارس (الجيل المسلم) ومدارس (الجزيرة) بالإسكندرية وغيرها

العمل النقابى

وبالتوازى، خاض الإخوان المسلمون انتخابات النقابات المهنية، فحازوا على ثقة أعضائها، فكانوا الأغلبية في مجالس إداراتها، ففي عام 1995 كانت نسبتهم فى نقابة الأطباء 87%، وفى المهندسين 74%، وفى الصيادلة 68%، والعلميين 68%، والمحامين 72%

العمل السياسى

كما خاض الإخوان المسلمون غمار السياسة؛ دفاعا عن حقوق الشعب المصرى ومكتسباته.. فبدأ الإخوان المسلمون رويدا رويدا في العمل السياسى، فكانت انتخابات 1976، ثم 1979 والتي ظهرت فيها بعض الشخصيات التي خاضت الانتخابات بشكل فردى.

 ثم تبعتها مرحلة أخرى دخل الإخوان المسلمون فيها في تحالفات سياسية بداية من عام 1984، ثم عام 1987، الى أن وصل الإخوان المسلمون إلى الذروة مع انتخابات 2005.

وكما خاض الإخوان المسلمون الانتخابات البرلمانية، تحركوا كذلك في الشارع، فكانت مظاهرات الإصلاح في مايو 2005، والتي اعتقل فيها عدد كبير من الإخوان. (2)

كذلك تظاهر الإخوان المسلمون فى عام 2006؛ تأييداً لاعتراض القضاة على المشاركة في انتخابات وُصِمت بالتزوير  (3)

الإخوان المسلمون .. يدفعون الثمن

استشعر نظام مبارك الخطر من نشاط الإخوان المسلمين المتزايد، خاصة بعد دور الإخوان المسلمون في العمل الإغاثى عقب زلزال 1992، ثم نجاحات مرشحى الإخوان في الانتخابات البرلمانية 2005. وجرت هذه النجاحات على الوجه التالي:

أولا: زلزال 92

حين وقع زلزال فى جنوب غرب القاهرة عام 1992، أدى إلى مصرع 500 شخص، واصابة قرابة 3500 آخرين، وتشريد حوالى 50 ألفا ، فوجئ النظام بل والمراقبون بحجم ما قدم الإخوان المسلمون من مساعدات في هذا الشأن، وذلك من خلال الجمعيات التابعة للجماعة (4)

حينها قطع مبارك زيارته إلى الصين، عائداً إلى مصر، ليس للإشراف على إدارة الكارثة، وإنما لأنه خشى من أن يسحب الإخوان المسلمون البساط من تحت قدميه، فقد كانت التقارير الإخبارية التي كانت تذيعها محطة "سي. إن . إن " ومحطة " بي . بي. سي " تشير إلى إنجازات الإخوان وإخفاق الحكومة فى تلك الكارثة.. وكان شعار (الإسلام هو الحل) مرفوع بوضوح على واجهات مقرات ومراكز الإغاثة، وهو الشعار الذي استخدمه الإخوان خلال انتخابات العام 1987.

ثانيا: انتخابات 2005

وكان الحدث الثانى انتخابات برلمان 2005، حينما فاز الإخوان بثمانية وثمانين مقعدا من مقاعد مجلس الشعب، رغم كل ما حصل من عمليات التزوير الواسعة بسبب التدخلات الأمنية، بالإضافة إلى جيوش البلطجية والبلطجيات المدارة من قوات الأمن وتعمل تحت سمعها وبصرها!

وبرغم شهادة حسنى مبارك لجماعة الإخوان المسلمين بأنهم بعيدون عن العنف، إلا أن مبارك عندما أدرك حجم التأييد الشعبى المتزايد لجماعة الإخوان المسلمين وخطورة ذلك على نظامه، لجأ إلى الإجراءات القمعية للحد من نشاط جماعة الإخوان المسلمين، وتمثلت تلك الإجراءات في:

- الاعتقال، حيث اعتقل مبارك حوالي 50 ألفًا من الإخوان خلال مدة حكمه، منهم 30 ألفا في العشر سنوات الأخيرة.. بالإضافة لاعتقال وفصل طلاب الإخوان من الجامعات.

-  الإقصاء، وذلك بإقصاء الإخوان المسلمين عن الانتخابات، والتزوير إذا نجح الإخوان في الإفلات من المقصلة.

- انتهاك الحرمات، الخاصة للاخوان، باقتحام البيوت ومقار الأعمال، ومصادرة الأموال، في مخالفة صارخة للقانون.

- إغلاق الجمعيات الخيرية، التي شكلها الإخوان المسلمون.

- الإقصاء من الوظائف، ومن التعيين بالجامعات للمتفوقين من طلاب الإخوان المسلمين.

- المنع من السفر، دون إبداء أي أسباب، وبالمخالفة للدستور.

- التشويه الإعلامى الواسع في كل وسائل الاعلام.. (5)

وكان يسبق أي انتخابات حملة اعلامية لتشويه وشيطنة الإخوان لشهور، مثل برنامج "حالة حوار- 2005م"، ومسلسل (الجماعة 2010م) وغيرها من مقالات وبرامج ..

وكان مبارك قال في حديث لجريدة "لوموند" الفرنسية أثناء زيارته لفرنسا عام 1993م: "هناك حركة إسلامية في مصر، تفضِّل النضال السياسي على العنف؛ وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية، واستطاعوا النجاح في انتخابات النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين والمحامين". ونُشر هذا التصريح فى جريدة الأهرام يوم 1 نوفمبر1993م.

وقد قُتل من الإخوان المسلمين في عهد مبارك نتيجة التعذيب كل من:

  1.  كمال السنانيري، أحد قادة الإخوان المسلمين (قُتل داخل السجن فى نوفمبر 198
  2.  مسعد قطب، من إخوان الجيزة (قتل داخل السجن فى نوفمبر 2003)
  3.  أكرم زهيري، احد رجال الاعمال الشباب (قتل نتيجة تركه بلاعلاج فى يونية 2004)
  4.  طارق غنام، من إخوان الدقهلية (قتل فى داخل المسجد فى مايو 2005)

المحاكمات العسكرية

كما تعرض الإخوان المسلمون لسبع محاكمات عسكرية، منذ عام 1995م حتى عام 2006م، أحيل إليها 170 منهم، وتمَّ الحكم على 119 منهم بأحكام مشددة ومصادرة أموال بعضهم، وكان النظام قد لجأ إلى المحاكم العسكرية بعد يأسه من القضاء العادي في إدانة الإخوان!

ومنذ مطلع التسعينيات لم تخل سجون مبارك ومعتقلاته يومًا من الإخوان،

قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها، وهو مالم يحدث مع أي فصيل آخر في مصر!!

ففى انتخابات 1987م اعتقل 2500 من الإخوان

وفى انتخابات المحليات عام 1992م استبعد 10 آلاف من مرشحي الإخوان

وفى انتخابات 2000م اعتقل 5000

وفى انتخابات 2005م اعتقل 800

وفي عام 2008م، اعتقل 7555 من قيادات وأعضاء الجماعة

وفي 2009م اعتقل 5025 من الإخوان، وإغلاق 21 شركة مملوكة لأعضاء الجماعة، ومصادرة 15 مليون جنيه من أموالها

وفي سنة 2010م اعتقل 6001 من قيادات وأعضاء الجماعة، وغلق 100 منشأة اقتصادية، ومنع العشرات من السفر.

موقف الإخوان

وكان الرد دائما واحدا لايتغير (الإخوان المسلمون يعلنون- دائمًا- استمرار مسيرتهم الدعوية، بكلِّ ثبات وإقدام؛ رغم الكيد والظلم، والعنف الذي يمارسه الظالمون عليهم، ولن يغيروا من منهجهم السلمي، مهما كانت الضغوط التي يتعرضون لها، ومهما كان التضييق والإقصاء الذي يمارَس في حقهم) (6)

الشعب ينتصر للتغيير

 

مع نهايات العقد الثالث لحكم مبارك، تزايد السخط الشعبى جرّاء الفساد الحكومى والعجز عن تلبية احتياجات المواطنيين، متزامنا مع السياسات القمعية التي حاول أن يحمى به مبارك نظامه المتداعى، فتزايدت حالات الانتحار بين المصريين، حتى وصلت إلى 6 حالات فى ثلاثة أيام، كما تزايدت الاحجاجات الفئوية والاعتصامات، حتى وصلت إلى رصيف مجلس الشعب.

حاولت الحكومة أن تمتص غضب الشارع المصرى، لكنها لم تستطع ذلك، فقد تدحرجت كرة الثلج سريعا. (7)

ومع استمرار قمع النظام للإخوان وتزايد السخط الشعبى، تشجعت قوى سياسية أخرى في رفع وتيرة معارضتها للنظام، فكانت حركة كفاية 2004 والتي شارك في تأسيسها الإخوان المسلمون، كما حدث إضراب عمال المحلة في 2008، ثم حدث تزوير واسع لانتخابات مجلس الشعب 2010..

ثم كان تفجير كنيسة القديسين عشية احتفالات رأس السنة عام 2011 والذى راح ضحيته 23 قتيلا وإصابة مايقرب من مائة، وتبين بعد الثورة ان الرائد فتحي عبد الواحد المقرب من وزير الداخلية هو المسؤول عن التفجير،

كما قُتل في العام نفسه الشاب خالد سعيد على يد رجال الشرطة السرية..

ورافق ذلك انتهاكات واسعة للشرطة في حق المصريين (8)

فكانت تلك الأحداث شرارة اندلاع احتجاجات واسعة، انطلقت في عيد الشرطة 25 يناير 2011، شارك فيها منذ اليوم الأول شباب الإخوان، ونواب مجلس الشعب، ثم كان النزول الكبير في جمعة الغضب، للإخوان المسلمين، لتكون الانتفاضة التي أجبرت مبارك بعد ذلك على التنحى.

المصادر:

1) https://bit.ly/38wymrw

2)   https://bit.ly/3KK6j61

3)   https://bit.ly/3ryba2x

4) https://bit.ly/3LvH1c2

5) تضحيات الإخوان المسلمين

https://bit.ly/3vVDT2y

6) (بيان الإخوان الصادر في 20/6/2009م - إخوان أون لاين).

7) عودة الاحتجاجات العمالية.. ولعبة »ترويض الحكومة«

https://bit.ly/3iueDhc

8) ضابط شرطة يصفع مواطن

https://bit.ly/3Oi8PT3