محمد الباز يكتب: سيولة في الإناء

السبت - 31 ديسمبر 2022

- محمد الباز
( كاتب مصري )

 

نطوف في هذه الرحلة القصيرة، حول بنيان السياسة الدولية، عند أبرز أماكن السيولة في هذا الإناء، وعبر استقراء جزئي انتقائي، نستطلع مواطن السيولة في هذا النظام، ونقيس درجة هذه السيولة، ومدى مرونة الإناء في احتواء هذه الحركة.

انزلاق غير محسوب

في فجر الخميس 24 فبراير 2022، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين، فى كلمة متلفزة، بدء شن حملة عسكرية علي أوكرانيا، وخلال هذه السنة تغير منحني القتال بين الارتفاع والانخفاض، ولكن بقيت الحملة فى إطار الغزو العسكري التقليدي، عبر الزحف البري والغطاء الجوي، بعيدًا في الغالب عن الأسلحة الاستراتيجية أو الثقيلة.

وبغض النظر عن النظريات السياسية التي يمكن أن تفسر لنا أسباب شن هذه الحملة[1]، إلا أن  الأحداث والوقائع التي ولدّت إدراكات بالتهديد، فى أذهان القادة الروس، والتي دفعتهم للحرب، ليست خيالًا، كما تقول أمريكا.

فى ورقة، أعدتها مؤسسة راند البحثية العريقة[2]،2017، لمكتب وزارة الدفاع الأمريكية، حول وجهة نظر روسيا من النظام العالمي، بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وجد المؤلفون، أن روسیا ترى النظام الدولي الحالي باعتباره ھیمنة من جانب الولایات المتحدة تھدیدًا لبعض مصالح روسیا.

تكمن أزمة هذه الحرب، ككل الحروب، في أنه "عندما تبدأ الحرب، لا تكون سيدًا للسياسة، وإنما عبدًا للأحداث"، كما يقول تشرشل. هذه الأحداث هي التي قد تقود الحرب إلى الاستمرار أو التوقف، فالحرب الآن بين ثاني أكبر جيش في العالم (روسيا)، ودولة مدعومة من الجيش الأقوى عالميًا.

تتضاعف خطورة هذا الانزلاق غير المحسوب، نحو الحرب، التي قد تمتد، عند النظر إلى تداعياته على القطاعات العالمية الأخري، كالأمن الغذائي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتوريد. وعلاوة على كل ذلك، مخاطر الانزلاق لتدخل نووي تكتيكي[3].

ترسانة روسيا الكبيرة من الأسلحة النووية التكتيكية، ومخاوف امتهان الكرامة الروسية حالة الفشل فى أوكرانيا، ناهيك عن خطوة امتداد الحرب إلى درجة تنقلب عندها موازين القوى الدولي عسكريًا ضد روسيا، كل ذلك وغيره، يجعل بوتين لا يخادع بتهديداته النووية[4].

سباق التسلح

لعل من أبرز ظواهر العام الجارى، هو سباق التسلح. يُحاجج جراهام أليسون، أستاذ هارفارد، ومساعده كليك انترمان، حول التنافس العسكري الكبير في القرن الحادي والعشرين[5]، وعلى الرغم من أن هذه المحاججة لا تشمل النطاق الواسع لظاهرة سباق التسلح، إلا أنها تركز علي السباق بين المتنافسين الأكبر من حيث الكفاءة والحجم، أمريكا والصين.

فى 27 فبراير الماضي، قال المستشار الألمانى شولتز، في كلمة ألقاها أمام جلسة خاصة لمجلس النواب "إن ألمانيا ستخصص 100 مليار يورو (113 مليار دولار) هذا العام لتحديث الجيش". وأضاف أنه "بحلول عام 2024، ستنفق الحكومة ما لا يقل عن 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي كل عام على الدفاع"، بما يتماشى مع هدف الناتو الذي فشلت برلين في تحقيقه باستمرار.

لا تكمن خطورة خطة إعادة تأهيل الجيش الألماني في حجم الإنفاق فقط، وإنما تكمن في قوة البنية التحتية الألمانية المؤهلة للصناعات العسكرية، التي تتيح لألمانيا سرعة وكفاءة وملاءة إنتاجية، كما تكمن في بذور النازية التي قد تجد في تصدّعات جدار الليبرالية الأمريكية فراغًا للنمو.

من الغرب في ألمانيا، إلى الشرق في اليابان، حيث أعلن الائتلاف الحاكم في اليابان، عن تحول جوهري في سياسيات اليابان العسكرية، منذ الحرب العالمية الثانية، "أنه ينبغي أن تكون للبلاد القدرة على شن هجوم مضاد للدفاع عن نفسها في حال تعرضها لهجوم مسلح".

كما أعلن رئيس الوزراء البريطاني، عن تحالف دولي جديد لتطوير الجيل القادم من الطائرات المقاتلة[6]، وهو تعاون عسكري، بريطاني – ياباني – إيطالي، لبناء طائرة مقاتلة، من الجيل الجديد، وهو ما يعد تحولًا في سياسات اليابان العسكرية، وفي مستويات إنفاق اليابان العسكرية.

وقال رئيس الوزراء البريطاني: "سيحمي الجيل التالي من الطائرات المقاتلة التي نصممها نحن وحلفاؤنا في جميع أنحاء العالم من خلال تسخير قوة صناعة الدفاع التي تتفوق على العالم، خلق فرص العمل مع إنقاذ الأرواح".

الشرق الأوسط ليس استثناءً من هذه الظاهرة، فالصناعات العسكرية التركية، في تطور متواتر ومتزامن فى الوقت نفسه، بينما الصفقات العسكرية المصرية المتلاحقة، تعد ثورة في مستوى تسليح الجيش المصري، وخصوصًا القوات البحرية، وكذلك الخليج العربي الأكثر إنفاقًا على التسليح حول العالم.

أزمات متتالية

قبل أن يتعافى العالم من تداعيات كوفيد19، داهمته الأزمة الروسية الأوكرانية، وما صاحبها من أزمات في قطاعات متعددة، من قطاع الطاقة، إلى الغذاء، مرورا بسلاسل التوريد والإمداد.

عانى قطاع الطاقة بشدة من تداعيات أزمة كوفيد19، خصوصًا مع تعاند سياسات الإنتاج خلال الأزمة، بين بعض منتجي مجموعة أوبك وأمريكا، ما هوى بأسعار العقود الآجلة للنفط الخام الأمريكي لما دون الصفر، في أبريل 2020.

الصورة من موقع https://sa.investing.com/

مع بداية تعافي الاقتصاد العالمي من كوفيد19، وزيادة الطلب، واجه الاقتصاد أزمة ضعف إمدادات الطاقة، مع إصرار مجموعة أوبك، على حفظ توازن العرض والطلب، بما لا يقلص الأسعار دون ال 70 دولارا للبرميل.

في الوقت نفسه، تعمل أمريكا وأوروبا على حصار روسيا اقتصاديا خاصةً في قطاع الطاقة، عبر إيجاد بدائل لمصادر الطاقة الروسية المصدرَة لأوروبا، وحظر التأمين على شحنات النفط الروسية، وتحديد سقف سعري للنفط الروسي.

يواجه سوق الطاقة أزمة مركبة ومتناقضة، فتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، يكبح ارتفاع الأسعار. بينما تُبقي إمدادات الطاقة المحدودة، الأسعار فوق الحد الأدنى المرجو، من أجل تعويض خسائر فترة كوفيد19.

على صعيد الغذاء، الوضع ليس بهذا السوء، فعلى الرغم من المساهمة الكبيرة للمحاصيل الزراعية الروسية والأوكرانية في تأمين الغذاء لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلا أن أيّا من البلدين ليس من الدول العشر الأولى المصدّرة للغذاء عَالَمِيًّا.

ولكن ما عمّق أزمة الغذاء، هو تأمين سلاسل الإمداد عبر البحر الأسود والبوسفور، وهو ما يُلقي بالكثير من التبعات على تركيا والأمم المتحدة لضمان استدامة اتفاقية تصدير الحبوب الموقعة بين روسيا وأوكرانيا، برعاية الأمم المتحدة وتركيا.

الصورة من موقع https://tradingeconomics.com/commodity/wheat

على الرغم من انخفاض أسعار القمح اليوم، لأقل مما كانت عليه قبل الأزمة الروسية الأوكرانية، إلا أن الأسعار اليوم ما زالت أعلى ب 30 % و 40 % مما كانت عليه في ديسمبر 2020 و 2019 على التوالي، وبدا خلال الشهور الماضية مدى تأثر أسعار القمح باستقرار سلاسل التوريد في البحر الأسود.

انهاك ومحاصرة اللاعب الأكبر

"الصين هي المنافس الوحيد الذي تجتمع لديه النية لإعادة تشكيل النظام الدولي، مع القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية المتزايدة للقيام بذلك". (استراتيجية الأمن القومى الأمريكي أكتوبر 2022)[7].

وبحسب استراتيجية الأمن القومى الأمريكي، تسعي أمريكا، إلى إنهاك ومحاصرة الصين، من خلال ثلاثة مسارات

  1. الاستثمار في أسس القوة الوطنية: التنافسية، الابتكار، المرونة والديمقراطية.
  2. المواءمة مع شبكة الحلفاء والشركاء، والعمل المشترك لتحقيق الهدف المشترك.
  3. التنافس بمسؤولية مع الصين في المجالات التكنولوجية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والاستخباراتية والحوكمة العالمية.

تشعر الصين بضيق المحاصرة التي تُنسج حولها، عبر بناء تحالفات تهدد توازن القوى الاستراتيجي في بحر الصين الجنوبي، تعليقًا على صفقة الغواصات النووية لأستراليا، المنبثقة عن تحالف «أوكوس AUKUS»[8]، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان: "إن تحالف «أوكوس AUKUS» يلحق ضرراً خطيراً بالسلام والاستقرار الإقليميين، ويزيد من حدة سباق التسلح، ويقوض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية".

 

في مشهد آخر، تتوالى الاستفزازات الأمريكية للصين على تايوان، فبعد شهر تقريبًا من الزيارة الاستعراضية لرئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، أغسطس الماضي، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية، على صفقة محتملة لبيع معدات عسكرية بقيمة 1.1 مليار دولار لتايوان، تشمل 60 صاروخا مضادا للسفن و 100 صاروخ جو- جو. علاوة على ما سبق، وافق مجلس النواب الأميركي، ديسمبر الجاري، على مشروع قانون ينص على منح مساعدات عسكرية ومبيعات أسلحة لتايوان بقيمة عشرة مليارات دولار[9].

بالطبع، لا يتسع المجال هنا لتفصيلات القضية التايوانية، فهي قضية استثنائية بامتياز، ليس فقط على المستوى الجيوسياسي، وإنما على مستوى القانون الدولي، والمنظمات الدولية، ولكن لا يسعنا تجاوز أكثر نقاط المواجهة سخونة بين أمريكا والصين.

ممانعة ناشئة

أكّد الرئيس الأميركي جو بايدن في كلمته بقمة جدة للأمن والتنمية، يوليو 2022، أن واشنطن لن تتخلى عن الشرق الأوسط، وأنّها لن تترك فراغا تملؤه الصين أو روسيا أو إيران.

لم تكن رسالة بايدن موجهةً فقط للقوي الراغبة في التمدد، وإنما للدول المتحالفة تَارِيخِيًّا مع الولايات المتحدة، في رسالة مباشرة للسعودية، أن أمريكا لن تسمح لهذه الدول بإعادة هندسة تحالفاتها الدولية، بشكل يهدد المصالح الأمريكية.

عزّز الاستعلاء الأمريكي على محمد بن سلمان بعد مقتل خاشقجي، والمراوغة الأمريكية في دعم المملكة بالصواريخ، خلال حملة هجوم بالمسيرات الحوثية، من شكوك المملكة في سلامة تموقعها السياسي الجامد في مناخ إقليمي متقلب.

لم تستطع الولايات المتحدة إرغام المملكة على زيادة إنتاج النفط، كما أيقن الديمقراطيون مؤخرًا ضرورة تكيفهم مع وجود بن سلمان مدة طويلة في الحكم، فالشاب ذو الثمانية وثلاثين عامًا، هو الرجل الثاني ظَاهِرِيًّا والأول فِعْلِيًّا في المملكة العربية السعودية، أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، وثاني أكبر منتج عالميًا، بإنتاج يزيد على 12 مليون برميل يَوْمِيًّا.

الممانعة السعودية الناشئة حذرة للغاية، فالمملكة التي تقود النظام الإقليمي المرتبط عضويًا بالولايات المتحدة، لم تتحرك في سوق النفط على نحو يضر بالمصالح الأمريكية، وإنما امتنعت عن تعويض خسائر الاقتصاد الأمريكي المنهك بالتضخم والمتخوف من شبح الركود.

بدا جليا، خلال القمة العربية الصينية في الرياض، وما قبلها، أن السعودية ليست معزولة عن العالم، ليس فقط تجاه الصين، وإنما أيضًا تجاه روسيا والهند، وكان من الممكن، أن تكون الممانعة السعودية أكثر تأثيرًا في ظل تنسيق المواقف مع الأشقاء العرب، ولكن رعونة النظام الجديد في المملكة حال دون اضطلاعه بدوره التقليدي -في قيادة الإقليم- على النحو الأمثل.

وفق تقرير صادر عن مركز أبحاث الكونجرس[10]، 15 يوليو 2022، حول تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من المحتمل أن تصمد الديناميكيات الناشئة، لما بعد الصراع. (على سبيل المثال، قرار بعض شركاء الولايات المتحدة الإقليميين بالامتناع عن التصويت في الأمم المتحدة المتعلق بإجراءات روسيا في أوكرانيا).

مصالحات على رمال متحركة

في مطلع 2021، انطلق قطار المصالحات في منطقة الشرق الأوسط، من قمة العلا بالسعودية، ثم المصالحة المصرية القطرية، والإماراتية التركية، والسعودية التركية، وأخيرًا التقارب المصري التركي.

لم تتغير الدوافع التي حَملت الدول الخليجية على مقاطعة قطر، كما لم تلتزم قطر بالشروط الثلاثة عشر التي وضعتها دول الخليج، للتصالح مع قطر. ورغم أن بعض الأذرع الإعلامية القطرية قد هذّبت خطابها الإعلامي تجاه الدول الخليجية المُقاطِعة، إلا أن البعض الآخر لا يزال على السياسة الإعلامية القديمة.

تتلخص أهمية المصالحات، في مقدار مساهمتها الفاعلة في إعادة هندسة التحالفات بين الدول المركزية في المنطقة، السعودية وتركيا ومصر، وبإخراج العلاقات المصرية السعودية من معادلة المصالحات، نظرًا لطبيعة العلاقات المصرية السعودية، تَارِيخِيًّا وَجِيُوسِيَاسِيًّا وَاِسْتِرَاتِيجِيًّا. ولذا، يتجه التركيز نحو المصالحة التركية السعودية، والتركية المصرية.

جاء الالتفاف التركي على التوتر في العلاقات مع السعودية، إثر أزمة خاشقجي، لإعادة الحيوية للعلاقات السعودية التركية، بعد إخفاق تركيا في إرغام السعودية على الرضوخ لأي ضغوط تركية، ولكن الالتفات السعودي لهذا السلوك، لا يعني تغير الموقف السعودي بالكلية، أو الرغبة ببناء علاقات استراتيجية متينة مع تركيا، المنافس الأخطر للمملكة على قيادة الإقليم.

على صعيد آخر، العلاقات المصرية التركية، الأكثر تعقيدًا وتقاطعًا في العديد من الملفات، حتى الآن، لم تؤثر المصالحة -ظَاهِرِيًّا- على تنسيق المواقف بين الدولتين في الملفات المهمة، شرق المتوسط – ليبيا – القرن الإفريقي، باستثناء استجابة تركيا للقاهرة بتأطير خطاب المعارضة.

على العكس، انتهجت مصر وتركيا سياسة "تثبيت الدروع"[11]. وهو ما يعني أن هذه المصالحة لم تنطلق من تغير في المواقف، أو تفوق إحدى الدولتين في ميزان القوى أجبر دولة ما على الرضوخ لرؤية دولة أخرى حول المشهد السياسي في المنطقة.

من زاوية أخرى، لم تؤسس هذه المصالحات -المصافحات- على أرضية ثابتة، من تنسيق المواقف والرؤى السياسية، ولكن العامل الأبرز في الدفع نحو هذه المصالحات هو سيولة بنيان السياسة الدولية عمومًا، وفي إقليم الشرق الأوسط خصوصًا.

الانفتاح على إيران

منذ تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في أبريل 2021، أن "إيران دولة جارة، وكل ما نطمح له أن يكون لدينا علاقة طيبة ومميزة مع إيران". انفتح الطريق أمام أبناء البيت الخليجي لعودة السفراء، وإعادة بناء العلاقات الدبلوماسية الكاملة.

عُقدت خمس جولات من المباحثات الأمنية بين السعودية وإيران، كان آخرها في يوليو 2022، أفرزت وقف إطلاق النار بين السعودية والحوثيين، وزيارة سعودية لتفقد مقر السفارة السعودية في طهران، وعودة سفراء الكويت والإمارات.

ففي أغسطس 2022، أعلنت الكويت والإمارات عودة سفرائهما إلى إيران، بعد قطيعة دامت ست سنوات تقريبًا، ليكون لدى إيران أربعة سفراء خليجيين، من أصل ستة، هم سفراء دول قطر والكويت والإمارات وسلطنة عمان.

خلاصات

على الرغم من الضغوط الكثيرة على بنيان السياسة الدولية، خلال العقد الماضي، والتي تجلت في حالات الشذوذ عن منطق النظام الدولي، في العامين 2021 و 2022، إلا أن هذا البنيان اتسم بمرونة عالية ساعدته على امتصاص هذه الضغوط، كما اتسم بقدرة كبيرة على التكيف.

يمكننا القول، إن هذه الضغوط على بنيان السياسة الدولية، وإن تعددت جِيُوسِيَاسِيًّا، ما تزال ضمن إطار منطق السياسة الدولية، إلا فيما ندر، بحيث لا يمكن اعتبار هذه النوادر خرقًا صارخًا لمنطق السياسة الدولية.

بشكل آخر، يتصور البعض السيولة الحالية في إناء السياسة الدولية، فوضى خارجة عن الإطار، ولكن مرونة هذا الإناء، جعلت هذه الفوضى تحت السيطرة حتى الآن.

تمثل المنافسة بين أمريكا والصين، أكثر السياقات ضغطاً على بنيان السياسة الدولية، ما سيدفع الطرفين إلى مسارين متكاملين ومتناقضين في الوقت ذاته.

الأول: تهدئة السياقات الأخرى، من أجل توجيه التركيز نحو الاستعداد للمواجهة القادمة، في نطاق جيوسياسي محدد.

الثاني: إثارة السياقات الأخرى، من أجل تشتيت الجهود وبناء تحالفات صلبة، استعدادا للمواجهة القادمة.

للوهلة الأولى، قد يبدو المساران متناقضان تمامًا، ولكنهما في الواقع السياسي متكاملان بشكل كبير، ما يمكن أن نسميه سياسة "تآزر الأضداد".

في أوقات كهذه، عندما تتعمق التناقضات بين مصالح الدول الكبرى، تكثر فرص الوحدات الأصغر في النظام الدولي (دول – حركات) على الحركة والمساومة، كما تُعزز حاجة المتنافسين لبناء التحالفات، من قدرات الوحدات الأصغر على المناورة السياسية.

الصقور الكامنة: تتطلب الاستفادة من هذه الفرص، سرعة استجابة ومرونة عالية، لن تتوفر هذه الفرص للدول علي قائمة التسلسل الهرمي لبنيان السياسة الدولية فقط، وإنما ستتوفر أيضًا لحركات التحرر والأحزاب والكتل السياسية داخل هذه الدول أيضًا.

المصادر


[1] https://2u.pw/0Ycp8u  يمكن العودة لهذا المقال

[4] https://www.bostonglobe.com/2022/10/03/opinion/putin-is-not-bluffing-with-his-nuclear-threats/

[8] «أوكوس AUKUS» هو اتفاقية أمنية ثلاثية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

[10] https://crsreports.congress.gov/product/pdf/R/R47160