محمد نور شاكر يكتب: وثيقة كامبل السرية والشرق الأوسط

الاثنين - 22 آغسطس 2022

في مطلع القرن العشرين دعا حزب المحافظين البريطاني إلى عقد مؤتمر كامبل في لندن، وقد أطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى رئيس الوزارء البريطاني هنري كامبل. كامبل كان مولعاً بالفلسفة التاريخية، ومؤمناً بفكرة أن لكل حضارة عمراً زمنياً محدداً، وقد شرح هذه الفكرة أرنولد توينبي، وبناءً على هذا العمر سوف تنهار هذه الحضارة.

يذكر الدكتور جاسم سلطان في كتابه -الفهم الاستراتيجي في فهم التاريخ- أن كامبل أراد إعداد استراتيجية أوربية لضمان ديمومة الحضارة الغربية. وفي هذا الصدد يذكر مركز الكاشف للدراسات الاستراتيجية، أن هذا المؤتمر تم الإعداد له سرا عام 1905 وبقيت المناقشات قائمة إلى 1907، حيث ضم هذا المؤتمر الدول الاستعمارية المتمثلة في: بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، وإيطاليا، فكانت النتيجة إخراج وثيقة كامبل السرية.

تنص وثيقة كامبل كما شرحها الدكتور جاسم على ثلاث محاور أساسية، حيث أن من واجب بريطانيا أن ترعى هذه المساحات الثلاث، وهي كالآتي:

المساحة الأولى: وهي التي تقع عليها القارة الأوروبية و تتكون من المنظومة المسيحية، ويضاف لها أمريكا الشمالية واستراليا، فواجب بريطانيا اتجاه هذه الدول أن ترعاها و تقدم  لها الدعم المادي، فيجب ألا تكون السيطرة على العالم خارج هذه المنظومة، وبما أن أي حضارة سوف تؤول إلى الزوال فلا بد أن يكون هناك حضارة جديدة من نفس هذه المساحة.

المساحة الثانية: هي المساحة الصفراء.. وتتكون من دول خارج المساحة الأولى، ولكن لا يوجد معها صدام حضاري ولا تتناقض مع الحضارة الغربية، مثل دول اليابان، وكوريا الجنوبية، وغيرها، فالعلاقة بينهم وبين هذه المساحة مبينة على المصالح المتبادلة التي لا تشكل خطراً عليهم. 

المساحة الثالثة: هي المساحة الخضراء كما فصلها الدكتور جاسم، حيث أن هذه المساحة يقصد بها العالم العربي الإسلامي، فإنه من واجب الحضارة الغربية اتجاه هذه الدول حرمانها من الدعم و الوصول إلى المعرفة المطلوبة، أو ضبط حدود المعرفة، وإيجاد الصراعات الحدودية بين هذه الدول، و دعم الأقليات من أجل ضرب النسيج الاجتماعي و أن يبقى مرهونا للخارج، حيث أن هذه المساحة تعتبر التهديد الأول للمنظومة القيمية الغربية. 

ويرصد مركز الكاشف للدراسات الاستراتيجية، أن من مخرجات هذه الوثيقة إقامة دولة داخل فلسطين، والتي تعتبر حاجزا بشرياً بين الجزء الإفريقي والآسيوي، كما تسعى إلى فصل العرب عن بعضهم في هذا الإقليم ليس فقط عن طريق زرع دولة صهيونية إسرائيلية، ولكن عن طريق تمزيقهم ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية.

وعليه إن هذه الاتفاقية أدت إلى تجزئة العرب ومنعهم من الوصل إلى المعرفة المنشودة، وخلق الصراعات الداخلية فيما بينهم، والأخطر من ذلك هو اللعب على موضوع الأقليات، حيث نرى جميع الدول العربية  تعاني من صراع داخلي فيما يتعلق بموضوع الأقليات، وكأننا لم نعش منذ آلاف السنين معاً في هذه الأرض، وحتى الدول التي لا يوجد بها أقليات خلقوا لهم صراعات قبلية.

كتب محسن صالح في مدونة الجزيرة حول هذه الوثيقة، أن القوى الغربية تدرك تماماً أن الكيان الصهيوني هو بمثابة قلعة ترعى المصالح الغربية في البحر المتوسط، و تضمن للحضارة الغربية ضعف المنطقة العربية، وإغراقها في الصراعات فيما  بينهم، وتقف حاجزا في سبيل وحدتهم.

وفي الخلاصة يمكن القول إن هذه الاتفاقية التي أبرمت في بدايات القرن الماضي، من أخطر الاتفاقيات التي مرت على عالمنا الإسلامي والعربي بشكل خاص، وبرأيي الشخصي فإنها لا تهدف فقط لتمزيق عالمنا العربي وخلق الصراعات الداخلية، وإنما لضرب المنظومة الأخلاقية داخل مجتمعاتنا لكي تتناسب فيما بعد مع المنظومة الأخلاقية الغربية، ولا سبيل لنا في التخلص من الهيمنة الغربية إلا عن طريق رفع الوعي داخل مجتمعاتنا، والمحافظة على المنظومة الأخلاقية التي كانت أساس حضارتنا الإسلامية على مر العصور.