محمود عبدالهادي يكتب: حرب أميركا في أوكرانيا (13) هل يمكن اجتناب المواجهة العسكرية؟

الخميس - 1 سبتمبر 2022

- محمود عبد الهادي
( كاتب صحفي وباحث )

يؤكد رئيس وزراء أستراليا الأسبق (2007-2010)، كيفين رود، أن الخلافات بين الولايات المتحدة والصين عميقة جدا، وأن شبح الحرب يقف على الأبواب؛ فالجمهوريون والديمقراطيون يصفون العلاقة بين الولايات المتحدة والصين بأنها علاقة منافسة إستراتيجية، ويعدون الصين المنافس الأكبر للولايات المتحدة وللنظام العالمي. وفي المقابل، يرى الحزب الشيوعي الصيني أن هذه الفترة هي فترة "صعود الشرق وانحدار الغرب"، أي صعود الصين وانهيار الولايات المتحدة. ومع ذلك، يترك رود بابا مفتوحا للأمل في التمسك بالسلام واجتناب الحرب، في كتابه الذي صدر مؤخرًا بعنوان "الحرب التي يمكن تجنبها: مخاطر الصراع الكارثي بين الولايات المتحدة والصين في عهد شي جين بينغ".

لا تأتي أهمية الكتاب من مكانة رود السياسية، وإنما من كونه متخصصًا في الدراسات الصينية، ويتقن اللغة الصينية، وعاش في الصين والولايات المتحدة، ودرس في جامعة تايوان للمعلمين الوطنية في تايبيه، وعمل دبلوماسيًا في السفارة الأسترالية في بكين. ونظرًا لأهمية هذا الكتاب في تشخيص الأزمة بين الولايات المتحدة والصين، وكيف يمكن اجتناب تطورها إلى مواجهة عسكرية، نعرض في هذا المقال أبرز ما تناوله من موضوعات وأفكار ومعلومات.

لا يتردد الرئيس الصيني في استخدام قوته العالمية الجديدة لإعادة كتابة قواعد النظام الدولي، بحجة أن هذا هو بالضبط ما فعلته القوى الغربية المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية.

جاء الكتاب في 432 صفحة، اشتملت على مقدمة و17 فصلًا، وقد عرضه رود بصورة مفصلة، خلال كلمته التي ألقاها في واشنطن بمناسبة صدور الكتاب أواخر مارس/آذار الماضي، وفي مقال له في صحيفة "غارديان" (Guardian) البريطانية أوائل أبريل/نيسان الماضي. وكان قد صدر لرود يناير/كانون الثاني 2019، ضمن سلسلة مطبوعات معهد سياسات مجتمع آسيا (ASPI) -الذي كان يرأسه- كتاب "الحرب التي يمكن تجنبها: تأملات في العلاقات الأميركية الصينية ونهاية التشابكات الإستراتيجية".

لم يعد السؤال في واشنطن إذا ما كان من الممكن تجنب المواجهة مع الصين، ولكن متى ستحدث، وتحت أي ظروف؛ وهذا يعكس إلى حد كبير الموقف في بكين أيضًا.

يعتقد رود أن احتمال الحرب أصبح احتمالًا حقيقيًا، بسبب التغيرات السريعة في ميزان القوى بين الولايات المتحدة والصين، بعد أن قام الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2014 بتغيير إستراتيجية الصين الكبرى من موقف دفاعي إلى سياسة أكثر نشاطًا تسعى إلى تعزيز المصالح الصينية في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تتبنى إستراتيجية جديدة تجاه الصين منذ عام 2017، فيما وصفته إدارتا الرئيس ترامب والرئيس بايدن، بعصر جديد من المنافسة الإستراتيجية، مما وضع الدولتين في مسار تصادمي. ويعتقد الكاتب أن أفضل فرصة لتجنب الحرب هي فهم أفضل للتفكير الإستراتيجي للطرف الآخر، والتخطيط لعالم تستطيع فيه الولايات المتحدة والصين التعايش بشكل تنافسي، بدلًا من اللجوء إلى الحرب.

أسباب النزاع

يرى رود أن الحالة الراهنة للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين هي نتاج تاريخ طويل من النزاع عبر القرون، إلا أن العلاقة بين الدولتين في العقود الأخيرة اعتمدت على المصالح الاقتصادية الذاتية، التي تعززها الأهداف المشتركة في مواجهة الاتحاد السوفياتي سابقًا، ومن بعده الإسلام المتشدد في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. وفي الآونة الأخيرة، طوّرت الصين والولايات المتحدة مخاوف مشتركة بشأن الاستقرار المالي العالمي وتغييرات المناخ، وظلت حقوق الإنسان على الدوام نقطة خلاف أساسية. في السنوات الأخيرة، بدأت العلاقة بين الدولتين تشهد تصدعات متلاحقة للأسباب التالية:

افتقار النخب الأميركية إلى معرفة الثقافة الصينية، ولغتها، ومفاهيمها الأخلاقية القديمة، وقيادتها الشيوعية المعاصرة، رغم حرصهم على ذلك لفهم النظام السياسي في جمهورية الصين الشعبية، مما تسبب في شعور الأميركيين بعدم اليقين وعدم الثقة بهذا المنافس الذي ظهر حديثًا على ساحة القيادة العالمية. تزايدت فجوة عدم الثقة لسنوات عديدة، فلم تعد واشنطن تؤمن بـ"الصعود السلمي" للصين، فمؤسسة الأمن القومي الأميركية، على وجه الخصوص، تتبنى الآن وجهة النظر القائلة بأن الحزب الشيوعي الصيني لم يكن لديه أي ندم على الإطلاق بشأن خداع خصومه السياسيين أو الإستراتيجيين، فهي ترى مثل هذه اللغة ليست أكثر من خدعة دبلوماسية، بينما تنشر الصين نفوذها، مدعومة بالقوة العسكرية، في جميع أنحاء العالم.

قيام الصين باستصلاح الجزر في بحر جنوب الصين، وبناء قواعد بحرية صينية حول المحيط الهندي، وبالهجمات الإلكترونية الصينية على الحكومة الأميركية، كدليل على حقيقة العدوان الصيني. القدرات العسكرية والبحرية والجوية والاستخباراتية المتنامية للصين تمثل، من وجهة النظر الأميركية، تحديًا كبيرًا للهيمنة العسكرية الأميركية في منطقة المحيط الهادي وما وراءها. خوف بكين من مزاعم واشنطن بأنها لا تريد "احتواء" صعود الصين، وتستشهد بقيام الولايات المتحدة بزيادة مبيعاتها من الأسلحة إلى تايوان. اعتقاد الصين بأن إصرار الولايات المتحدة على حرية الملاحة لنفسها ولحلفائها في بحر جنوب الصين يعتبر تدخلًا عدائيًا في المياه ذات السيادة الصينية. قلق الولايات المتحدة من التوسع والتحديث السريع للبحرية الصينية وقدراتها، حيث مكّن هذا الصين من توسيع نطاق وصولها عبر المحيط الهندي، معززة بسلسلة من الموانئ المتاحة التي قدمها أصدقاؤها وشركاؤها عبر جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وعلى طول الطريق إلى شرق أفريقيا وجيبوتي في البحر الأحمر.

قلق الولايات المتحدة من التعاون العسكري والبحري بين الصين وروسيا، ومن بينه التدريبات البرية والبحرية المشتركة الأخيرة في أقصى شرق روسيا والبحر الأبيض المتوسط ​​ودول البلطيق. اعتقاد واشنطن أن الرئيس الصيني تبنى نموذجًا للرأسمالية الاستبدادية، الذي لا يحركه السوق، ويعطي الأولوية لمؤسسات الدولة على القطاع الخاص، كما أنه يزيد من سيطرة الحزب على الأعمال والمشروعات. تصميم الصين على إعادة بناء النظام الدولي. اعتقاد الولايات المتحدة أن الصين تعمل على تأجيج نيران القومية الصينية بطريقة معادية لأميركا. اقتناع الولايات المتحدة بأن الرئيس الصيني عازم على تغيير الوضع الراهن في غرب المحيط الهادي، وإنشاء مجال نفوذ صيني عبر نصف الكرة الشرقي. اقتناع الولايات المتحدة بأن الرئيس الصيني قرر تصدير نموذجه السياسي المحلي إلى بقية الدول النامية، من خلال الاستفادة من قوة الاقتصاد الصيني، وبأنه يسعى إلى إنشاء نظام دولي أكثر ملاءمة للمصالح والقيم الوطنية الصينية.

ويعتقد المؤلف أن الصين لا ترى الأمر على هذا النحو، فالرئيس الصيني يرى أنه لا حرج في الوضع السياسي والاقتصادي للصين، وأنه في حين أن بكين تقدمه للآخرين في العالم النامي لمحاكاته، فإنها لا "تفرضه" على أي دولة أخرى، ويشدد الرئيس شي جين بينغ على أن الصين قامت بتحديث جيشها من أجل تأمين أهدافها الإقليمية طويلة المدى، لا سيما بشأن تايوان، ولا يقدم أي اعتذار عن استخدام الاقتصاد الصيني لتعزيز مصالح الصين الوطنية. كما أنه لا يتردد في استخدام قوته العالمية الجديدة لإعادة كتابة قواعد النظام الدولي والمؤسسات المتعددة الأطراف، بحجة أن هذا هو بالضبط ما فعلته القوى الغربية المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية.

ويشير رود إلى أن الصين تعمل على رفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين إلى مستوى البلدان المتقدمة بشكل معتدل بحلول عام 2035. وسيتطلب ذلك مضاعفة حجم الاقتصاد الصيني 3 مرات. ومن المحتمل أن تصبح الصين أخيرًا أكبر اقتصاد في العالم، لتحل محل الولايات المتحدة بعد أكثر من قرن من الهيمنة الاقتصادية العالمية. وفي نظر القيادة الصينية، هناك دولة واحدة فقط قادرة بشكل أساسي على تعطيل طموحات شي الوطنية والعالمية، وهي الولايات المتحدة.

كيفية اجتناب الحرب

يذكر المؤلف أن هناك التزاما أخلاقيا وعمليا لأصدقاء الصين والولايات المتحدة للتفكير في كيفية المحافظة على السلام والازدهار الذي تحقق خلال الثلاثة أرباع قرن الماضية، مع الاعتراف بتغير علاقات القوة بين واشنطن وبكين، مع الحفاظ أيضًا على سلامة النظام القائم على القواعد الذي عزز العلاقات الدولية منذ عام 1945.

ويعتقد رود أن العمل الجاد لبناء إطار عمل إستراتيجي مشترك بين واشنطن وبكين، قادر على تحقيق المهام الثلاث المترابطة التالية:

الاتفاق على مبادئ وإجراءات للتعامل مع الخطوط الإستراتيجية الحمراء مثل تايوان، على سبيل المثال. التحديد المتبادل للمجالات: السياسة الخارجية، والسياسة الاقتصادية، والتطور التكنولوجي، على أساس المنافسة الإستراتيجية الكاملة، باعتبارها الوضع الطبيعي الجديد. تحديد المجالات التي يتم فيها الاعتراف والتشجيع على استمرار التعاون الإستراتيجي، مثل تغيير المناخ على سبيل المثال.

بالتأكيد، سترحب بقية دول العالم بمستقبل لا تجبر فيه على اتخاذ خيارات ثنائية بين بكين وواشنطن. إنها تفضل نظامًا عالميًا تثق فيه كل دولة، كبيرها وصغيرها، في سلامتها الإقليمية وسيادتها السياسية ومساراتها إلى الازدهار. كما أنها تفضل عالمًا كان استقراره مدعومًا بنظام دولي فاعل يمكنه العمل على مواجهة التحديات العالمية الكبرى الراهنة، والتي لا يمكن لأي دولة بمفردها حلها.

ومع ذلك، يعتقد رود -لأسباب عديدة- أن كثيرا في المجتمع الإستراتيجي الأميركي يرفضون فكرة نهوض الصين السلمي أو التنمية السلمية تمامًا، وأن شكلًا من أشكال النزاع المسلح مع بكين أمر لا مفر منه، ما لم تغيّر الصين اتجاهها الإستراتيجي، وهو ما يعتبر أمرًا مستحيلًا تحت قيادة شي. لذا، لم يعد السؤال في واشنطن هو إذا ما كان من الممكن تجنب مثل هذه المواجهة، ولكن متى ستحدث، وتحت أي ظروف؛ وهذا يعكس إلى حد كبير الموقف في بكين أيضًا.

المصدر الجزيرة