د. سليمان صالح يكتب: كيف يتم توجيهك والتحكم في سلوكك باستخدام البرهان الاجتماعي؟

الأحد - 18 ديسمبر 2022

- أ.د.سليمان صالح
( أستاذ ورئيس قسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة )

أسهمت الكثير من العلوم في دراسة السلوك الإنساني بهدف توجيهه والتحكم فيه ويعتبر علم النفس الاجتماعي من أهم هذه العلوم؛ فالنتائج التي توصل لها هذا العلم طوّرت أساليب التسويق والدعاية والتأثير والإقناع.

تمكن علماء النفس الاجتماعي التجريبي من تطوير -ما يطلق عليه روبرت سيالديني- أسلحة التأثير حيث يتم استخدام مجموعة من القوانين في دفع الأشخاص إلى الموافقة في عمليات التفاوض وتقديم التنازلات واتخاذ قرارات الشراء.

ويعتبر عالم النفس الاجتماعي الأميركي روبرت سيالديني -أستاذ علم النفس والتسويق بجامعة ولاية أريزونا- من أهم الباحثين في مجال التأثير واستخدامه في الإقناع والتفاوض، حيث فتحت دراساته مجالات جديدة للتحكم في سلوك المستهلكين وتوجيههم.

لكن قوانين التأثير لا يقتصر استخدامها على التسويق؛ حيث أصبحت تستخدم في الاتصال السياسي والحملات الانتخابية وادارة الصراعات.

البرهان الاجتماعي.. لماذا؟

يعتبر قانون البرهان الاجتماعي من أهم الأساليب التي تؤثر على قدرة الفرد على الاختيار واتخاذ القرار حيث يقوم هذا القانون على أن الفرد يصدر حكمه على الأشياء بناء على معرفته بأحكام الآخرين عليها ويتأثر بقرار الأغلبية وسلوك الناس من حوله ولذلك يرى الفرد أن السلوك الصحيح الذي يجب أن يقوم به هو ما يقوم به عدد كبير من الناس.

بالرغم من التأثير الإيجابي لهذا القانون على سلوك الأفراد في الكثير من الحالات، فإنه يقلل من قدرة الإنسان على التفكير كما يستغله خبراء الدعاية والتسويق لدفع الناس للقيام بالأعمال التي تحقق أهدافهم.

المشاركون الزائفون!

يقدم روبرت سيالديني دراسة حالة توضح النتائج التي يمكن تحقيقها باستخدام هذا القانون تتمثل في أن المبشرين التابعين للمسيحية الإنجيلية استطاعوا نشر أفكار المسيحية الصهيونية ودفع الملايين من الأميركيين لتأييد إسرائيل والتبرع لها لأن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة وتجمّعهم فيها هو مقدمة لعودة المسيح ليحكم الأرض ألف سنة سعيدة. فكيف استخدم المبشرون المسيحيون الصهيونيون قانون البرهان الاجتماعي في تحقيق هدفهم؟

يقول سيالديني: "إن المبشرين -مثل بيلي غراهام- يقومون بزرع مشاركين زائفين تابعين لهم داخل الجمهور بعد أن يتم تدريبهم، وإعطاؤهم التعليمات بالتحرك في الوقت المناسب لدفع الجمهور للاعتقاد بأن هؤلاء المبشرين يتمتعون بشعبية كبيرة وأنهم يقدمون الحقيقة الصحيحة، فيتقدم هؤلاء المشاركون الزائفون للتعبير عن موافقتهم وتأييدهم وتقديم التبرعات، وهذا يؤثر على موقف الجماهير ويدفع المزيد من الأفراد للاقتناع بأفكار المسيحية الصهيونية وترويجها".

قام فريق من الباحثين في جامعة أريزونا بإجراء دراسة استخدموا فيها أداة الملاحظة بالمشاركة؛ حيث تمكن الباحثون من اختراق جماعة المبشر المسيحي الصهيوني بيلي غراهام؛ وكان من أهم نتائج هذه الدراسة أنه يتم القيام بمجموعة من الأعمال استعدادا لقيام غراهام بحملة تبشيرية، فتم تكوين جيش يتألف من 6 آلاف شخص لاستقبال غراهام، ويتم إعطاؤهم تعليمات بأن يتقدموا في مراحل زمنية مختلفة لإعطاء الانطباع بتدفق الجماهير العفوي، وهذا يؤثر على سلوك الكثير من الأفراد، فيقدمون التبرعات لإسرائيل أملا في عودة المسيح.

هذا القانون يستخدم أيضا في الإعلانات حيث يتم إعطاء انطباع أن منتجا معينا يقبل على شرائه عدد كبير من الناس (غيتي)

الإعلان عن المنتجات

يستخدم هذا القانون أيضا في الإعلانات؛ حيث يتم إعطاء الانطباع بأن منتجا معينا يقبل على شرائه عدد كبير من الناس، فيشكل ذلك برهانا اجتماعيا كافيا يدفع المستهلكين للإقبال عليه. هنا يتخذ المستهلك قراره بالشراء بناء على اعتقاده أن إقبال الناس على هذا المنتج دليل على جودته وقيمته.

تم استخدام هذا الأسلوب في الكثير من البرامج التلفزيونية التي نستهدف التأثير على سلوك الناس بغرس الاعتقاد بأن الكثير من الناس يقومون به. فهل يمكن أن يزيد ذلك قدرتنا على تفسير عملية التأثير على سلوك الناس وتغيير قناعاتهم ومعتقداتهم وأساليب حياتهم خلال القرن العشرين.

لماذا يقلد الناس؟

استخدم خبراء التسويق قانون البرهان الاجتماعي بشكل مكثف خلال العقود الماضية، فاستخدموه في الترويج وزيادة المبيعات حيث أثبتت الدراسات أن 95% من الناس مقلدون و5% فقط مبدعون، لذلك يقتنع الناس بأفعال الآخرين أكثر من أي برهان نستطيع أن نقدمه لهم.

يزداد تقليد الناس عندما يفقدون الثقة في أنفسهم وعندما يتزايد الجهل والشك، فيحتاجون إلى برهان اجتماعي يتمثل في تقليد الأغلبية. لذلك يستخدم الخبراء تأثير الجهل وعدم الوضوح فيقدمون لهم البرهان الاجتماعي الذي يتمثل في تصوير الفعل أو السلوك بأنه يقوم به الأغلبية.

الأمان بين الحشود

مبدأ البرهان الاجتماعي يكون أكثر تأثيرا عندما يراقب الإنسان تصرفات أشخاص يشبهونه فيميل الناس إلى تقليد أشخاص مثلهم. لذلك فإن تأثير أمثالنا من الناس علينا يكون كبيرا، فالناس عندما لا يكونون متأكدين من صحة وجدوى قرار أو فعل معين ينظرون لسلوك أقرانهم أو الناس الذين يتشابهون معهم في الظروف. ويشعر الإنسان بقدر أكبر من الأمان عندما يكون هناك حشد من الناس يتماثلون معه في الظروف ويشتركون معه في سمات معينة، هذا يدفعه مباشرة لتقليد ما يقومون به من تصرفات.

البرهان الاجتماعي والقيادة

إن أكثر القادة نفوذا هم الذين يتمكنون من ترتيب ظروف فريقهم أو التابعين لهم بحيث يجعلون البرهان الاجتماعي يعمل بأقصى قوته لصالحهم.

وفي ذلك يقول "سيالديني" إن عقلية القطيع تجعل تدبير الأمور أسهل على الرعاة، وهذا يدفع بعض الأفراد للسير في اتجاه ما، فيسير الآخرون وراءهم مسالمين متأثرين بالأفراد حولهم أكثر من تأثرهم بحيوان المقدمة، فماذا يعني ذلك؟

عندما يتمكن القائد من استخدام مجموعة من الأفراد يمكن أن يقلدهم الجمهور، فإن تأثيره عليهم يتزايد، ويتمكن من التحكم في سلوكهم.

التصفيق المأجور

يقدم "سيالديني" نموذجا مثيرا للتأمل يوضح استغلال قانون البرهان الاجتماعي للتأثير على سلوك الجماهير، وهو نموذج "التصفيق المأجور" في الأوبرا؛ الذي بدأ عام 1820 عندما قام اثنان من مرتادي حفلات دار الأوبرا باستئجار عدد من الناس الذين يقومون بالتصفيق للمغنين في الأوبرا، فيتأثر الجمهور بذلك ويقومون بتقليدهم، فتحولت تلك الممارسة إلى وسيلة لصنع " النجاح المثير"؛ فأصبح المصفقون المستأجرون مؤسسة كاملة النضوج، تجمع الأجر في النهار، وتصفق في الليل.

من الواضح أن تلك الظاهرة تم التوسع في استخدامها في الكثير من المجالات من أهمها المجال السياسي ومع نمو ظاهرة التصفيق المأجور أصبح الممارسون له يقدمون مجموعة واسعة من الأنماط والدرجات، وهذه الظاهرة توضح كيف تعرضت الجماهير لعملية تزييف وعيها والتلاعب باتجاهاتها ورغباتها وتفضيلاتها.

معلومات زائفة

استغلت الكثير من المنظمات قانون البرهان الاجتماعي فعملت على صنع معلومات زائفة حول اتجاهات الأغلبية وآرائها لتدفع الكثير من الأفراد للقيام باتخاذ القرارات وتغيير سلوكها.

هناك الكثير من الحالات التي توضح كيف تم استخدام قانون البرهان الاجتماعي في خداع الجماهير عن طريق التلاعب بالأدلة حول اتجاهات الأغلبية، ودفع الناس لاتخاذ قرارات ثبت بعد ذلك أنها لا تعبر عن مشاعر الجماهير الحقيقية وآرائها.

يمكن أن نلاحظ كيف يتم استغلال هذا القانون بنشر معلومات زائفة عندما نتابع الحملات الإعلامية عن حقوق المثليين؛ فهم يشكلون أقلية في المجتمعات الأوروبية والأميركية فقط، وهناك رفض عام للظاهرة في كل المجتمعات غير الغربية، وإدراكا عاما من الناس أن هذه الظاهرة ستؤدي إلى هلاك البشرية.

لكن هناك من ينشر معلومات زائفة بهدف تصوير الدفاع عن حقوق المثليين بأنه يحظى بتأييد عدد كبير من الناس لدفع أعداد من الناس لتقبل هذه الظاهرة، ويشكل ذلك مثالا واضحا لعملية التلاعب بقانون البرهان الاجتماعي عن طريق إغراق الجمهور بمعلومات زائفة.

هكذا يتم تزييف البرهان الاجتماعي لدفع الناس لتقبل أفكار يمكن أن تدمر حياتهم، ويتم في ذلك استغلال جهل الجماهير وأزمة عدم اليقين التي تعاني منها المجتمعات الغربية.

استخدام البرهان الاجتماعي في السياسة

كان من الواضح أن خبراء الإعلان والتسويق والدعاية استخدموا قانون البرهان الاجتماعي بكفاءة للتأثير على السلوك الاستهلاكي للناس، وتمكنوا من تحقيق النجاح والانتشار للكثير من العلامات التجارية خاصة المشروبات الغازية والأطعمة السريعة والسيارات عن طريق تصوير إقبال الناس عليها.

لكن خبراء الاتصال السياسي والحملات الانتخابية استخدموا هذا القانون للتلاعب باتجاهات الجماهير وتسويق المرشحين، وتصوير بعض القادة السياسيين بأنهم يتمتعون بشعبية كبيرة.

على سبيل المثال، استخدم مديرو حملة دونالد ترامب في انتخابات 2016 قانون البرهان الاجتماعي حيث انتشر مؤيدوه في المجتمع الأميركي لبث رسالة مختصرة تقول: "أنا معك أيها الشعب الأميركي.. أنا صوتك".

بذلك تمت إضافة جانب جديد لقانون البرهان الاجتماعي وتطوير استخدامه؛ بوضع المرشح نفسه داخل جمهوره، واستخدام أشخاص عاديين لترويج هذه الرسالة، والتأكيد على أنه صوت الشعب.

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

قدمت ثورة الاتصال فرصا جديدة لخبراء التسويق السياسي وتصميم الحملات الانتخابية، حيث تم استخدام وسائل التواصل لتصوير شعبية الأشخاص، وترويج المضمون الذي يقدمونه للجماهير عن طريق استخدام أساليب لزيادة الإعجاب بهذا المضمون، ومشاركته مع أشخاص آخرين.

لذلك شكّل قانون البرهان الاجتماعي أساسا لعملية الاتصال السياسي الرقمي، والإقناع السياسي باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي عن طريق تصوير المرشح بأن هناك عددا كبيرا من الأشخاص يتابعونه ويعجبون به ويقومون بمشاركة رسائله عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في ذلك يتم استخدام وسائل الذكاء الاصطناعي في زيادة أعداد المشاهدة والإعجاب والمشاركة مما يجذب له الكثير من المتابعين الجدد الذين يعتقدون في حكمة الجماهير وأن المقياس لجودة المضمون وصحته هو أعداد المعجبين والمشاهدين.

تصوير المرشح أو السياسي بأنه يتمتع بشعبية كبيرة وأن هناك الكثير من المتابعين له؛ يشكل برهانا اجتماعيا للكثير من الأشخاص المترددين الذين لم يحددوا موقفهم في الانتخابات، وأيضا وسيلة للتأثير على مواقفهم ودفعهم لتأييد المرشح الذي يتم تصويره بأنه يتمتع بالأغلبية، وأن آراءه ومواقفه تتمتع بالجاذبية.

بناء بيئة سياسية باستخدام البرهان الاجتماعي

يستخدم قانون البرهان الاجتماعي في بناء بيئة سياسية تقوم على تصوير اتجاه الأغلبية، ودفع الذين لم يشكلوا آراءهم لتأييد الاتفاق العام.

تقوم وسائل الإعلام بالتركيز على تصوير هذا الاتجاه مما يدفع الناس إلى الاعتقاد بأن آراءهم خاطئة؛ عندما تتعارض مع حالة الوفاق الوطني.

يبالغ السياسيون في تصوير أعداد المؤيدين لهم والذين يقومون بالتبرع لمشروعاتهم أو المساهمة فيها، وهذا يعني التأييد العام لسياساتهم وإنجازاتهم والإعجاب بشخصيتهم.

عندما تقوم وسائل الإعلام بغرس فكرة الوفاق الوطني العام؛ فإنها تقوم بتصنيع واقع يتم فيه النظر إلى الآراء المعارضة على أنها تشكل خروجا على هذا الوفاق، واستخدام وسائل الإعلام لمبدأ البرهان الاجتماعي يشكل ضغطا على الشعب وتوجيهه وإخضاعه.

من المؤكد أن قانون البرهان الاجتماعي وسيلة مهمة للتأثير على اتجاهات الأفراد والشعوب، ويمكن أن يشكل قوة للدولة عندما يتم احترام حق الجمهور في المعرفة؛ فتقوم وسائل إعلامية حرة بتوفير المعلومات الحقيقية للجمهور، لكنه يمكن أن يستخدم للتحكم في اتجاهات الجمهور والتلاعب بها، وهذا يضعف الدولة.

المصدر الجزيرة